منغوليا.. نقطة التقاء القوى العظمى

تعد العلاقات الروسية مع بلدان الفضاء السوڤيتي سابقًا أولية؛ لاعتبارات جيوسياسية واقتصادية مدعومة بارتباط تاريخي. وتمثل دولة منغوليا نموذجًا لتعامل موسكو مع محيطها القريب. جغرافيًّا، تشترك الدولتان في حدود يبلغ طولها (3500) كيلومتر. وتاريخيًّا، أسهمت روسيا القيصرية عام 1911 في دعم استقلال منغوليا إبان سقوط سلالة تشينغ الصينية الحاكمة، كما تأثرت بالحرب الأهلية الروسية إبان ثورة 1917 ودعم السوڤيت قيام جمهورية منغوليا الشعبية التابعة للاتحاد السوڤيتي عام 1924، ثم عام 1945، أُجري استفتاء في منغوليا كجزء من اتفاقيات مؤتمر يالطا، وجاء التصويت لصالح الاستقلال، وتم الاعتراف بدولة منغولية عام 1946 من جمهورية الصين، ثم دولة كوريا الشمالية عام  1948، ثم أقيمت علاقات دبلوماسية مع الدول التابعة للاتحاد السوڤيتي بداية عام 1950، والهند عام 1955، وأصبحت منغوليا عضوًا في الأمم المتحدة عام 1961، وأقامت المملكة المتحدة علاقات دبلوماسية معها كأول دولة غربية عام 1963.

العلاقات بين منغوليا وروسيا

في القرن العشرين، تطورت منغوليا في فضاء الاتحاد السوڤيتي، وتم تدريس اللغة الروسية على نطاق عريض، وذهب كثير مِن النخبة المغولية إلى الجامعات في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوڤيتية، أو دول مجلس التعاون الاقتصادي الذي تأسس عام 1949، وعُرف اختصارًا بـ “الكوميكون”. واعتمدت منغوليا كليًّا على الاتحاد السوڤيتي للاستثمار في المراكز الحضرية والخدمات العامة والصناعة، بالإضافة إلى تطوير عمليات التعدين، خاصة فيما يتعلق بمعدن النحاس، ونما الدخل السنوي للبلاد في السبعينات والثمانينات بمعدل اقترب من (6%).

في عصر غورباتشوف، أُطلقت عملية البيريسترويكا، ومعها انهار الاتحاد السوڤيتي، ما أفقد الاقتصاد المنغولي نحو (40%) من قيمته، وأجبر الحزب الحاكم المنغولي على الاستقالة مطلع التسعينيات، وبدأت عملية تحول كبيرة تجاه اقتصاد السوق عبر خصخصة كل شيء تقريبًا؛ ما دفع البلاد نحو أزمة اقتصادية عميقة، وتراكمت الديون المنغولية لدى روسيا، وعُقد مؤتمر مانحين في العاصمة اليابانية طوكيو لمساعدة البلاد على توفير الدولار الأمريكي لإتمام عمليات التجارة الخارجية، والارتباط السوق العالمية، واستمر عقد مؤتمر المانحين سنويًّا حتى عام 2003.

عندما وصل ڤلاديمير پوتين إلى رأس السلطة في موسكو، اتخذ خطوات لإصلاح العلاقات مع منغوليا، وقام بزيارة تاريخية للبلاد عام 2000، ليصبح أول رئيس روسي منذ بريجنيف يقوم بذلك. كما وعد بشطب الديون المنغولية المستحقة لروسيا. وبعد مرور  16 عامًا على وعد پوتين وافق مجلس الاتحاد الروسي على اتفاقية بين روسيا ومنغوليا من شأنها أن تؤدي إلى تسوية الغالبية العظمى من ديون المنغولية المستحقة، وصادق الرئيس الروسي پوتين على هذا التشريع الخاص. ولم يكن توقيت إلغاء الديون في عام 2016 ملائمًا؛ حيث كانت الموازنة العامة لروسيا تشهد عجزًا طوال عام 2015، وكانت معدلات النمو سلبية، لكن النظرة الجيوسياسية غلبت الحسابات الاقتصادية.

إن إرضاء موسكو لمنغوليا يأتي في ضوء نظرة جيوسياسية أوسع من القيمة الرقمية للعملية الاقتصادية مع بلد عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة تقريبًا، ويعتمد كليًّا على روسيا في إمدادات الطاقة، بالإضافة إلى تجارة السلع، فمنغوليا تقع بين روسيا والصين، ما يجعلها نقطة التقاء مهمة بين البلدين، بالإضافة إلى أنها هدف إستراتيجي، وموطئ قدم مثالي للولايات المتحدة لمد نفوذها بين منافسيها في آسيا.

فتاريخيًّا، كانت علاقات منغوليا مع الاتحاد السوڤيتي ثم روسيا والصين تتم على مستوى الحكومات، لكنها أحيت مؤخرًا روابطها الثقافية والاقتصادية المباشرة، وعلى نطاق عريض، مع جميع السكان المغول الذين لهم روابط تاريخية مع الإمبراطورية المغولية، وذلك في جمهوريات ألطاي، وبورياتيا، وكالميكيا، وتيفا في روسيا، إلى جانب منطقة شينجيانغ التي تمتع بحكم ذاتي في الصين، وهو ما يعزز نفوذ منغوليا ويزيد قيمتها في سياسة القوى العظمى المتصارعة.

تاريخ تطور العلاقات بين منغوليا وأمريكا

طورت منغوليا بالفعل سياسة عُرفت بـ “الجار الثالث”، وعززت بواسطتها علاقتها مع الولايات المتحدة منذ عام 1987، وبدأ مسؤولون منغوليون رفيعو المستوى بزيارة الولايات المتحدة عام 1991، كما زار الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر منغوليا عام 2001 لدعم ما أطلق عليه آنذاك الديمقراطية الوليدة، وشاركت بعدها البلاد في قوات حفظ السلام الدولية عام 2003، ثم جاءت زيارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عام 2005، التي استغرقت أربع ساعات فقط؛ لإظهار دعمه أيضًا للديمقراطية المنغولية الوليدة التي أسهمت في الحرب على العراق وأفغانستان في ضوء التزامها بقيم الحرية التي لا تتقيد بالحدود. عام 2018 قدمت منغوليا عرضًا لاستضافة القمة التاريخية بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وبلغت العلاقات المنغولية- الأمريكية ذروة تطورها عندما أكدت واشنطن أن منغوليا “شريك مهم في إستراتيجيتها المتعلقة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ”.

تبدو روسيا مُدركة لمحاولات واشنطن مد نفوذها إلى منغوليا، وقد لا تُمانع موسكو استغلال منغوليا في الحد من النفوذ الصيني في آسيا، لكن في الوقت نفسه يجب أن يتم هذا في حدود مفاهيم الأمن القومي الروسي؛ لذا تحرص موسكو على إشراك منغوليا في المناورات العسكرية الكبرى، مثل مناورة (الشرق- 2018) التي تعد واحدة من أضخم المناورات التي نفذها الجيش الروسي منذ عقود، وشارك فيها نحو (300) ألف عسكري، و(36) ألف دبابة ومدرعة، وأكثر من ألف مروحية وطائرة مسيرة.

لا تواجه العلاقات الروسية- المنغولية تحديات من النفوذ الأمريكي أو الصيني فقط؛ بل هناك عضو آخر في حلف الناتو يجد له مصالح وأرضية مشتركة في الفضاء القريب من موسكو، وهو تركيا، التي نجحت مؤخرًا بواسطة دبلوماسيتها الناعمة في أن تضع نفسها على خريطة الحكومة المنغولية عبر تقديم مساعدات طبية برزت أهميتها خلال جائحة كوفيد- 19، بالإضافة إلى إنشاء شراكات إستراتيجية تستهدف الاستثمار في المجال الزراعي المنغولي؛ ما دفع الرئيس المنغولي السابق خالتما باتولغا إلى منح الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا- TIKA) وسام دولة منغوليا للسلام؛ تقديرًا لدورها في تعميق العلاقات بين البلدين، والمساهمة في تنمية بلاده. وهذا الوجود لأنقرة في منغوليا يتيح لها مساحة لمناورة موسكو في ملفات إقليمية أخرى، مثل الصراع السوري، والليبي، والأوكراني.

خطورة الوجود الأمريكي والتركي في منغوليا

وبالنظر إلى خطورة الوجود الأمريكي أو التركي (الذي يمثل الناتو) في منغوليا، تظهر هنا حاجة موسكو إلى الإبقاء على الصين في المعادلة المنغولية؛ لذا دعا الرئيس الروسي پوتين إلى إجراء محاورات ثلاثية (بين روسيا ومنغوليا والصين) تُركز- في المقام الأول- على المسائل الاقتصادية، بالإضافة إلى تنسيق الآراء بشأن قضايا السياسة الخارجية. لكن هذه الطاولة الثلاثية تمثل قيمة لروسيا ومنغوليا أكثر من الصين، فروسيا تواجه حرب عقوبات في أوروبا تُجبرها على التوجه شرقًا نحو الصين، ومنغوليا في حاجة إلى تدفق الاستثمارات، خاصةً إذا أصبحت معبرًا رئيسيًّا لإمداد الطاقة للصين؛ لذا ترغب في تشييد شبكات سكك حديد، وبناء طرق سريعة وخطوط غاز تصل بين القوتين العظميين عبر أراضيها.

يبقى هناك رفض أمريكي لهذه النقاشات الثلاثية، بل تعدّها تحركات مناهضة للقوى الأطلسية، لكن منغوليا لا تستطيع أن تشتري عداء الجارين القريبين لصالح جار مُتخيل بعيد، بالإضافة إلى أنها تعتمد على روسيا في سد نحو (90%) من احتياجاتها النفطية، وعلى الصين بنحو (90%) من حجم مبادلاتها التجارية. ومن ناحية أخرى، يُبقي هذا على مخاوف المنغوليين أنفسهم من أنهم غير قادرين على خلق نموذج للتوازن بين القوى العظمى، يشابه دورهم في ملف الأزمة الكورية، فمنغوليا واحدة من الدول القليلة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من كوريا الجنوبية والشمالية؛ لذا فتعميق الشراكة المنغولية- الروسية يجعل أي سياسة مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة، كما أن الشراكة التجارية بين منغوليا والصين تخلق نقاطًا خلافية تؤثر في النظام الداخلي المنغولي، فخلال السبعينيات اتهمت منغوليا الصين بالرغبة في احتلالها، واستعانت بالجيش السوڤيتي لحمايتها، وبدأت في طرد المهاجرين الصينيين عام 1979، لكن الآن، تواجه منغوليا خطرًا صينيًّا من نوع مختلف، ليس فيه قوة عسكرية؛ وإنما فيه ضغط على الاقتصاد المنغولي، فالارتباط الكبير بالاقتصاد الصيني يجعل انخفاض الركود في الصين يعني زيادة الركود في منغوليا من جرّاء تناقص الطلب على المعادن المنغولية.

أخيرًا، مع أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لمنغوليا، بالإضافة إلى سياستها المتعلقة بالجار الثالث، التي ترغب بها إقامة علاقات مع الولايات المتحدة للحفاظ على سيادتها بين القوى العظمى، فإن روسيا تظل الأكثر شعبية وتأثيرًا، وقد أدى پوتين دورًا في هذا؛ فقد قدم خدمات كبيرة للمنغوليين، بداية من شطب الديون وصولًا إلى السماح بالسفر إلى روسيا بدون تأشيرة. وهذا إلى جانب الحدود الشاسعة المشتركة، والتقاليد التاريخية، والتقارب بين شعوب البلدين، فهناك نظرة روسية حكومية خاصة إلى منغوليا، على أنها فرصة لا يمكن التفريط فيها، فالأخيرة مستورد رئيسي للمشتقات البترولية، التي تشكل (22%) من إجمالي وارداتها، بالإضافة إلى أن الميزان التجاري بين البلدين يميل إلى صالح روسيا بشكل مطلق، حيث صدرت منغوليا بـ (56.2) مليون دولار فقط من البضائع إلى موسكو، واستوردت بـ (1.54) مليار دولار؛ لذا تحتاج روسيا إلى علاقة إيجابية مع منغوليا دائمًا؛ لأنه إن تعثرت تلك العلاقة فهناك خصوم كثيرون مستعدون أن يشغلوا فراغ موسكو.

استنتاجات

  1. تعد دولة منغوليا نموذجًا للعلاقات الروسية مع بلدان الفضاء السوڤيتي سابقًا.
  2. تتمتع دولة منغوليا بروابط ثقافية واقتصادية مباشرة، وعلى نطاق عريض، مع جميع السكان المغول في روسيا والصين.
  3. منغوليا جغرافيًّا تمثل نقطة اتصال بين روسيا والصين.
  4. منغوليا جيوسياسيًّا قد تكون منطقة ضغط على روسيا.
  5. إرضاء موسكو لمنغوليا يأتي في ضوء نظرة جيوسياسية أوسع للصراع مع الولايات المتحدة، والصين، وتركيا.
  6. تحتاج روسيا إلى علاقة إيجابية مع منغوليا دائمًا؛ لأن هناك كثيرًا من القوى، مثل الولايات المتحدة، التي تطمح إلى استغلال تلك البقعة في حروبها الاقتصادية مع الصين، ولتهديد العمق الجيوسياسي الروسي.