مع اشتداد المنافسة الأمريكية- الصينية في منطقة المحيط الهندي، أصبحت الهند إحدى أكبر الدول الساحلية على المحيط الهندي في قلب الصراع؛ ما أوجب على نيودلهي التحول في إستراتيجيتها البحرية التي صدرت لأول مرة عام 2004، قبل أن تتوالى عليها التغييرات، وقد تزايد الدور الإستراتيجي للهند في منطقة المحيط الهندي مع تغير ديناميكيات الأمن الإقليمي، حيث تحولت أهداف البحرية الهندية الأساسية من “استخدام البحار” إلى “تأمين البحار”.
كانت وثيقة عام 2015 هي المرة الأولى التي تستخدم فيها الهند مصطلح “المحيط الهادئ- الهندي”، فقد أدى التحول في النظرة العالمية من أوروبا الأطلسية إلى التركيز على المحيطين الهندي والهادئ، وإعادة تموضع الموقف الاقتصادي والعسكري تجاه آسيا، إلى تغييرات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية كبيرة، وكان لها تأثير ملموس في البيئة البحرية الهندية. ويوضح التحول من منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى منطقة المحيط الهادئ الهندية الدور المركزي الذي تؤديه الهند في السياسة الإقليمية. في البداية، كانت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تبحث عن حلفاء إقليميين لحماية مصالحها في هذه المنطقة، في حين تحتاج الهند إلى الحلفاء الأقوياء للحفاظ على دورها “الشرطي”. والآن تسعى الهند جاهدة إلى تبني سياسة دفاعية أكثر استقلالية، واكتساب مكانة “الرجل القوي”.
ومنذ عام 2009، وسّعت الهند مجالات اهتمامها، وصُنّفت المناطق المتاخمة للأراضي الهندية، على سبيل المثال، بحر العرب، وخليج البنغال، على أنها مناطق اهتمام رئيسة، في حين صُنِّفَ الجزء الجنوبي من المحيط الهندي بين أستراليا وجنوب إفريقيا بأنه منطقة اهتمام ثانوية. وفي عام 2015، عززت الهند كلا المجالين محل الاهتمام، وأُدرجت نقاط الاختناق المهمة على الجانبين الغربي والشرقي: مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، ومضيق ملقا، ومضيق لومبوك، ومضيق سوندا، ومضيق أومباي في جنوب شرق آسيا، في مجالات الاهتمام الرئيسة. وفي الوقت نفسه، صُنِّفَ البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، والمناطق النائية من المحيط الهادئ، بأنها مناطق اهتمام ثانوية.
ركزت وثيقة 2015 على أن الهند مفتاح أمان المحيط الهندي، حيث توفر الأمن لأصحاب المصلحة الإقليميين الآخرين. وفي هذا المبدأ، لم تحدد الهند شركاءها صراحةً، ولكنها حددت الأساليب التي ستستخدمها لبناء العلاقات الأمنية. ولهذا الغرض، تعمل الهند على تسريع صناعتها الدفاعية المحلية، وممارسة تكتيكات وتقنيات جديدة، كما هو موضح في مناورات مليبار البحرية، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، واليابان، وأستراليا، وسنغافورة، وإندونيسيا.
إن التحول المستمر في التفكير الإستراتيجي الهندي دليل على طموحاتها في التحول إلى رجل إقليمي قوي. ومع توسع المصالح الوطنية، تحتاج الدول إلى أسلحة حديثة، ومتطورة، وواسعة النطاق؛ لحماية هذه المصالح في المناطق النائية. بعد فترة وجيزة من إعلان عقيدتها البحرية الأخيرة، سرَّعت الهند خطتها للتحديث البحري لعام 2030، التي تنص على اقتناء ثلاث حاملات طائرات، وسفن حربية حديثة، وأكثر من مئتي طائرة للاستخدام البحري، وما يقرب من ست غواصات من طراز سكوربين، إلى جانب غواصات وطائرات مراقبة إضافية.
كما أبرمت الهند صفقات دفاعية مع الدول الساحلية للتعاون البحري. ووافقت الهند وسنغافورة على استخدام قاعدة شانغي للأغراض البحرية في عام 2018. وفي العام نفسه، وقع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اتفاقيات مع إندونيسيا وعمان بشأن ميناءي سابانج والدقم على التوالي. وكما هو موضح في مبدأ عام 2015، ومن أجل الحفاظ على أقدام قوية في الأجزاء الجنوبية من المحيط الهندي، أبرمت نيودلهي صفقات مع أستراليا، وسيشيل، وجزر ريونيون؛ لتطوير المنشآت البحرية في جزر كوكوس، وجزر أسامبشن، وأقاليم ريونيون على التوالي. وتعمل الهند أيضًا على توسيع نفوذها من خلال المنتديات المتعددة الأطراف، مثل الحوار الأمني الرباعي (QUAD).