دوستويڤسكي والسجون.. تأثير متبادل وتغيير جذري

في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1849، اقتيد فيودور دوستويڤسكي وأصدقاؤه من السجن إلى ساحة سيميونوڤ في سانت بطرسبرغ، حيث التنفيذ والمشهد الأخير في الحكم الصادر ضدهم بالإعدام رميًا بالرصاص.

وفي أجواء اتشحت بطعم الخوف والرعب, ولحظات كان الموت فيها هو النجاة, وبينما المكلفون بتنفيذ المهمة يصوبون بنادقهم نحو الهدف, تأتي رسالة عاجلة يحملها مبعوث القصر الإمبراطوري الروسي معلنة تخفيف الحكم ليصبح النفي 4 سنوات مع الأشغال الشاقة في أحد سجون سيبيريا.

كان ذلك كله بتهمة انتمائهم إلى رابطة بيتراشيڤسكي، وقد كانت تقيم حلقات أدبية مناهضة لنظام القيصر نيقولا الأول، وتطالع عددًا من الكتابات المحرمة في البلاد، كتلك التي وضعها الأديب الثوري فيساريون بلنسكي ، ولم يكن تأكيد دوستويڤسكي أنه يقرأ الكتب من باب الأدب والثقافة لا أكثر مقنعًا للمحققين لكي يُبَرَّأ.

رسائل دوستويڤسكي إلى أخيه

“أقسم لك يا أخي أنني لن أفقد الأمل، وسأحتفظ بروحي وفؤادي نقيين صافيين، وسأخلق من جديد بشكل أفضل.. ذلك هو كل أملي، وتلك هي سلواي الوحيدة”. كانت هذه الكلمات الدالة جزءًا من رسالة دوستويڤسكي إلى أخيه ميخائيل بعد أن خُفِّفَ الحكم من الإعدام إلى النفي والسجن, وهي كلمات تؤكد أن الرجل الذي كاد يفقد حياته بات حاملا لميلاد وأمل جديدين.

كان أمل دوستويڤسكي- كل أمله- أن يخرج بعد أربع سنوات ليستعيد روحه وحياته الطبيعية، ويمارس الكتابة التي خلق لها وكأنما خلقت له, وقد كان في بداية محبسه يتخوف أكثر ما يتخوف أن تنقطع عنه صور الحياة، وتفاصيلها، وربكتها، وبساطتها أحيانا. ومن أجل هذا كان يطلب من أخيه في الرسالة نفسها أن يكتب إليه.

“اكتب لي أكثر، اكتب بتفصيل أكثر وبإسهاب.. فصّل في كل رواية أحوال العائلة، حتى صغائر الأمور”.

بدا ذلك الطلب وكأنه المؤنس الوحيد في أيام السجن التي كانت ترتسم في مخيلة أديب روسيا الكبير، وهو يبدأ رحلة الأسر والحبس بين جدران أربعة تتشابه فيها الأيام والأحلام والأحداث، وتُفتقد مشاهدة الحياة.

كان دوستويڤسكي يؤمن- في بدء الأمر- أن انفصاله عن متابعة هذه المشاهد التي اعتاد رؤيتها، سيكون إعلانًا عن نهاية مشروعه الأدبي الكبير الذي لم يكتمل. وقد سأل أخاه في رسالته متوجعًا ومتألمًا: “هل من المعقول ألا أكتب شيئًا بعد الآن؟ هل يمكن أن تنتهي حياتي الأدبية وأنا ما أزال في بداية البدايات؟”.

لكن السجن الذي كان يتجاوز حدود جدرانه الأربعة, كان يخبئ لدوستويڤسكي ما لم يرد في خاطره، فقد كان مملوءًا بالحكايات الملهمة التي لم يصافحها من قبل.

في رسالة أخرى إلى أخيه ميخائيل الذي كان له النصيب الأكبر من مكاتبات دويستوفسكي، كتبها وهو ممتلك لحريته ومحرر بعد انقضاء فترة العقوبة، كتب يقول: “لقد عرفت روسيا في السجن، وخاصةً الشعب الروسي، وأزعم أنني أعرفهما الآن أكثر من أي شخص آخر”.

دوستويڤسكي وحياته البائسة الملأى بالتناقضات

لكن هل عرف دوستويڤسكي طبيعة النفس البشرية حقًا؟ وهل يمكن لشخص سُجن سنوات وتعرض للعبودية الجزئية في سيبيريا أن يصبح محللا ومفسرًا لهذه النفس؟ أغرب ما في الأمر أن سجن دوستويڤسكي لم يكن إلا جزءًا صغيرًا من حياته البائسة الممزوجة بالتناقضات والأزمات المستمرة، فهو الطفل الفقير الذي ظل متأثرًا بظروفه المادية الصعبة سنوات طويلة، وإصابته بالصرع سنوات، فلما تجاوزها دخل في اللحظات المرة التي انتظر فيها تنفيذ حكم الإعدام، ثم دخل في غياهب الحبس، كما انغمس في القمار سنوات، وسجل تجربته في رواية “المقامر”.

لكن أعماله التي شغلت الناس وجعلته في مصاف الروائيين الأشهر في تاريخ العالم تقول إن السجن كان حدًّا فاصلًا بين شخصيتين مختلفتين، فقد أكسبته تلك التجربة القاسية المريرة تجارب معيشية لم يكن ليصافحها لولا هذه السنوات التي قضاها في سجون سيبيريا؛ بل إن التغيير بدأ وهو داخل السجن، فمشاهداته الحية لعذابات المسجونين جعلته يكتب- فيما بعد- روايته البديعة “مذكرات من البيت الميت”، الصادرة عام 1861، ولم يكن الراوي وبطل الرواية “ألكسندر بتروڤيتش” إلا دوستويڤسكي نفسه، الذى نقش في روايته ما رآه رأي العين داخل هذه السجون، وما قاساه من عذابات نفسية وجسدية.

روايته تغير قوانين السجن في روسيا

ومع أن رواية “مذكرات من البيت الميت” لم تحظَ بشهرة أعمال دوستويڤسكي الأخرى كـ “الجريمة والعقاب”، و”الإخوة كارامازوڤ”، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، فإنها من أمتع ما قدم في وصف السجون السيبيرية، والنظام السائد فيها، ونزلائها، ووصفت وصفًا بديعًا حياتهم وقسوة جلاديهم.

لكن رواية “مذكرات من البيت الميت” لم يتوقف أثرها عند الإبداع الأدبي الذي قدمه دوستويڤسكي؛ وإنما كانت قيمتها الأهم في التغييرات التي أحدثتها في نظام السجون في الإمبراطورية الروسية. فبحسب الروايات المتعددة، كانت دموع “الإسكندر الثاني” قيصر روسيا تنهمر على صفحات هذا الكتاب وهو يطالعه بشغف شديد. وفي أبريل (نيسان) من عام 1863 صدر قانون بإلغاء العقوبات الجسدية من السجون الروسية، وبخاصة تلك التي كانت تشهدها معسكرات الاعتقال في مدينة سيبيريا ، ليصبح دوستويڤسكي هو السجين الذي تمكن من تغيير قوانين السجن وفك أسر سجناء سيبيريا من العقوبات الجسدية التي كانت سمة مميزة آنذاك.

هكذا كان لحياة دوستويڤسكي وتقلباتها انعكاس واضح في أعماله الأدبية، وهكذا كان قادرًا على الرصد والتحليل بحس أدبي بليغ لهذه التناقضات التي عاشها وعايشها، ولم يكن السجن أو هذه التحولات الدراماتيكية في حياته عائقًا عن مواصلة الإبداع بقدر ما كانت دافعًا ومحفزًا له.