
تعاني دول الخليج في الحرب الحالية على إيران. فقد أصبح الوضع الأمني خطيرًا إلى درجة أن تسريبات ظهرت تشير إلى تفكير مسؤولين خليجيين في اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران.
كيف يمكن لمنطقة مليئة بالقواعد العسكرية والأفراد والمعدات، والمدعومة بالقوة العسكرية الأمريكية، أن تكون بهذا القدر من الهشاشة أمام الهجمات؟
منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وخلال عام 2025، بدأت الولايات المتحدة بإعادة نشر أنظمة الدفاع الجوي، وتحديدًا منظومات ثاد (THAAD) وبطاريات باتريوت، من دول الخليج إلى إسرائيل، وذلك عقب التصعيد بين إسرائيل وإيران.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أمر الرئيس بايدن بنقل بطارية ثاد وطاقمها إلى إسرائيل لتعزيز دفاعاتها.
وبحلول أغسطس (آب) 2025، أعادت الولايات المتحدة نشر بطارية ثاد كانت متمركزة في أبوظبي (الإمارات) إلى إسرائيل لدعم درعها الصاروخي ضد التهديدات الإيرانية.
وقد مثّل هذا التحرك تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، ما أدى إلى شكاوى من حلفاء إقليميين مثل السعودية، التي رأت أن الولايات المتحدة تعطي الأولوية لأمن إسرائيل على حساب دفاعات دول الخليج.
وكانت الولايات المتحدة قد سحبت سابقًا أنظمة باتريوت من السعودية في عام 2021، قبل أن تعيد نشرها في 2022، ثم تعود في 2024/2025 للتركيز مجددًا على إسرائيل.
في أغسطس (آب) 2025، استضافت إسرائيل ما يصل إلى ست بطاريات ثاد من المخزون الأمريكي العالمي، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من نقص في صواريخ الاعتراض.
وفي يوليو (تموز) 2025، طلبت الولايات المتحدة من السعودية إرسال صواريخها الاعتراضية إلى إسرائيل خلال الصراع مع إيران.
وفي أغسطس (آب) 2025، صرّح مسؤول سعودي قائلًا: “الولايات المتحدة تخلّت عنا وأعادت توجيه دفاعاتها الجوية لحماية إسرائيل”. وقد ترك هذا التحرك جميع دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية عرضة للخطر.
ومنذ عام 1991، يقوم العسكريون الأمريكيون بتشغيل نظام باتريوت للدفاع الجوي في إسرائيل.
تنفق السعودية مبالغ ضخمة على الدفاع، لكنها لم تطوّر بعد صناعة عسكرية محلية. وتعتمد المملكة على شراء معظم معداتها الدفاعية من الولايات المتحدة، ضمن اتفاق يُضخ فيه المال النفطي السعودي في الاقتصاد الأمريكي مقابل أسلحة أقل جودة وبأسعار مرتفعة.
كما تتجنب السعودية شراء أنظمة دفاع جوي روسية متقدمة (مثل إس-400) لتفادي العقوبات الأمريكية، والحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، وضمان توافق أنظمتها الدفاعية مع التقنيات الغربية.
وتقوم عدة دول خليجية، خاصة تلك التي طبّعت علاقاتها عبر “اتفاقيات أبراهام”، بشراء معدات دفاعية من إسرائيل. وتُعد الإمارات شريكًا رئيسيًا، إذ وقّعت صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار مع شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، إضافة إلى تعاون في الإنتاج العسكري المحلي.
كما تمتلك الإمارات أنظمة دفاع جوي متوسطة المدى من مصدرين إسرائيليين وآخر كوري جنوبي.
لطالما اعتُبر الجيش الأمريكي الأقوى في العالم، لكنه بدأ يُظهر تصدعات في هذه الصورة، خاصة في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية على إيران.
لقد منحت القواعد الأمريكية في الخليج وهمًا بالأمان للدول الغنية بالنفط، التي دفعت تكاليف هذه القواعد وصيانتها، بل ودافعت عنها بدلًا من أن تدافع هي عنها. وكانت هذه القواعد تُعد بمثابة بوليصة تأمين، لكنها باتت الآن بلا قيمة في نظر الكثيرين.
الهجمات الإيرانية على دول الخليج مستمرة، ولم تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل عطّلت أيضًا مصادر الدخل، مع استهداف المنشآت وإغلاق الممرات البحرية أمام تصدير النفط والغاز.
وقد وثقت هذه الدول بالشريك الخطأ لضمان أمنها.
تستهدف إيران دول الخليج لأنها تستضيف آلاف الجنود الأمريكيين الذين يشاركون في ضرب إيران بهدف تغيير نظامها.
ولا يمكن لدول الخليج التنصل من دورها في الحرب، فهي تُعد أطرافًا فاعلة فيها.
تجد دول الخليج نفسها أكثر انكشافًا في حرب لم تبدأها ولا تتحكم فيها بالكامل. ومع إعادة الولايات المتحدة توجيه أنظمة الدفاع الجوي إلى إسرائيل، اهتزت الافتراضات القديمة حول الأمن في المنطقة.
فالقرب من القواعد الأمريكية لم يعد ضمانًا للحماية، بل قد يصبح مصدر خطر.
ورغم أن الحكومات الخليجية تُظهر وحدة ظاهرية، إلا أن حساباتها الداخلية أكثر تعقيدًا:
السعودية: تتعامل بحذر، وتفضّل إضعاف إيران دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
الإمارات: تتبنى موقفًا أكثر حزمًا، ومستعدة لتحمّل مخاطر المواجهة الطويلة.
البحرين: تعتمد بشكل كبير على الحماية الأمريكية بحكم استضافتها للأسطول الخامس.
عُمان: تركز على التهدئة والحلول الدبلوماسية.
قطر والكويت: تتبعان نهجًا وسطًا بين الحذر والتوازن.
تشترك هذه الدول في ثلاثة أهداف:
والنتيجة ليست استراتيجية موحدة، بل مواقف متفاوتة حسب المصالح والمخاطر.
يرى د. محمد مصطفى أن دول الخليج لا تتجه نحو المشاركة المباشرة في الحرب، لكنها لم تعد قادرة على اعتبارها أزمة بعيدة.
وأوضح أن دول الخليج تحاول التوازن بين:
تجنب المواجهة المباشرة
تعزيز الجاهزية الدفاعية
الحفاظ على قنوات التهدئة
وأشار إلى أن السيناريو الأقرب هو تعزيز الدفاع والتنسيق الأمني، وليس تشكيل تحالف هجومي ضد إيران.
كما توقع زيادة التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، دون وجود دليل على قرار خليجي جماعي بدخول الحرب.
أما رد إيران، فمن المرجح أن يكون محدودًا وانتقائيًا، يستهدف منشآت أو ممرات بحرية، بهدف الردع دون التصعيد الشامل.
وختم بأن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو حالة ردع متبادل، وليس حربًا مفتوحة بين الخليج وإيران.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير