
غالبًا ما تُقرأ الاتفاقيات الدفاعية الثنائية في الشرق الأوسط من منظورها العسكري المباشر، باعتبارها أدوات لتعزيز التنسيق الأمني، أو تطوير القدرات القتالية، أو توسيع نطاق التدريب المشترك. غير أن هذا المنظور لم يعد كافيًا في ظل التحولات التي تشهدها الصناعات الدفاعية العالمية، حيث انتقل التنافس من امتلاك المنصات العسكرية إلى امتلاك سلاسل القيمة الصناعية والتكنولوجية التي تُنتج هذه المنصات. وأصبحت القوة الدفاعية تُقاس بقدرة الدولة على تصميم الأنظمة، وإنتاج المكونات عالية التقنية، ودمج البرمجيات، وإدارة سلاسل الإمداد، وتصدير المعرفة الدفاعية.
وفي هذا الصدد، يمكن النظر إلى خطاب النوايا الذي وُقِّع بين وزيري الدفاع المصري والتركي في الثالث عشر من يوليو (تموز) الجاري بوصفه فرصة لإعادة هندسة مستقبل الصناعة الدفاعية الإقليمية، ليس باعتباره إطارًا لتبادل المنتجات العسكرية، وإنما نقطة انطلاق محتملة لبناء سلسلة قيمة دفاعية إقليمية، تُوزَّع فيها الأدوار الصناعية والتكنولوجية بين مصر وتركيا، بما يرفع مستويات الاستقلال الاستراتيجي ويحد من الاعتماد على الموردين الخارجيين.
غير أن هذه الفرصة تثير عددًا من الأسئلة الجوهرية، لعل أبرزها: هل يمكن لهذا التقارب أن يتجاوز نمط “المشتري-البائع” التقليدي الذي حكم علاقات مصر الدفاعية مع مورديها الغربيين والروس تاريخيًا، ليؤسس بنية إنتاجية مشتركة تعيد رسم خريطة الصناعات الدفاعية في الإقليم؟ وكيف غيّر التحول العالمي من نموذج تصنيع السلاح إلى نموذج هندسة سلاسل القيمة طبيعة الصناعات الدفاعية الحديثة، وما الدروس المستفادة من تلك التجارب؟ وهل يتيح التقارب الدفاعي المصري التركي فرصة لإعادة توزيع الأدوار الصناعية والتكنولوجية بما يؤسس لسلسلة قيمة دفاعية إقليمية؟ وما أبرز الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن يحققها هذا التعاون لتعزيز الاستقلال الصناعي والتنافسية الإقليمية؟ وأخيرًا، ما التحديات الإقليمية والدولية التي قد تعيق بناء نموذج مصري تركي مستدام للتكامل في الصناعات الدفاعية؟
شهد قطاع الصناعات الدفاعية منذ أكثر من عقدين تحولًا بنيويًا في منطق الإنتاج، انتقل بموجبه من نموذج “التصنيع الوطني الرأسي”، الذي تحتكر فيه دولة واحدة كامل دورة حياة السلاح من التصميم إلى التصنيع النهائي، إلى نموذج “هندسة سلاسل القيمة” الموزعة عبر عدة دول وشركات، حيث تتوزع مراحل التصميم، والتطوير، والتصنيع الفرعي، والتجميع النهائي، والصيانة، على عدة عقد صناعية متكاملة. ولم يكن هذا التحول اختيارًا استراتيجيًا محضًا، بقدر ما جاء استجابة لثلاثة محددات رئيسة.
يتمثل المحدد الأول في التضخم الهائل في تكلفة تطوير المنصات المتقدمة، مثل مقاتلات الجيل السادس ومنظومات الدفاع الصاروخي المتكاملة، إلى درجة تتجاوز قدرة أي اقتصاد وطني منفرد -باستثناء الولايات المتحدة والصين- على تحملها دون شراكة.
أما المحدد الثاني، فيتمثل في الضغط السياسي المتصاعد من الدول المستوردة لربط أي صفقة تسليح كبرى بشروط التعويض الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الإنتاج، بحيث لم يعد ممكنًا بيع سلاح جاهز دون التزام مقابل بمشاركة صناعية.
في حين يتمثل المحدد الثالث في إدراك الدول المصدرة التقليدية أن الشراكة الصناعية المبكرة مع الأسواق الصاعدة تخلق تبعية استراتيجية طويلة الأمد في مجالات الذخائر، وقطع الغيار، والتحديثات البرمجية، بصورة أعمق كثيرًا من تبعية عقد بيع لمرة واحدة.
ومن ثم، فإن معيار القوة الدفاعية لم يعد يقتصر على امتلاك مصانع إنتاج، بل أصبح يرتبط بموقع الدولة داخل سلسلة القيمة. فالدولة التي تمتلك تقنيات البرمجيات، أو أنظمة الاستشعار، أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، تحقق قيمة استراتيجية أعلى من الدولة التي يقتصر دورها على التجميع النهائي.
وفي هذا السياق، يمثل برنامج نظام القتال الجوي المستقبلي الأوروبي (FCAS/SCAF) النموذج الأكثر طموحًا من حيث التكافؤ النظري بين الشركاء، والأكثر دلالة كذلك من حيث هشاشته العملية. فقد أُطلق البرنامج عام 2017 كمبادرة فرنسية ألمانية لضمان استقلال أوروبا في تطوير مقاتلات الجيل السادس، ثم انضمت إليه إسبانيا رسميًا عام 2019، ليتشكل من ست ركائز تقنية متكاملة تشمل مقاتلة مأهولة، ونظام دفع، وطائرات مسيّرة، وسحابة قتالية، وإلكترونيات طيران، وتكامل الأنظمة، إلى جانب التصميم الشبحي، ومواد امتصاص الرادار، والدمج المتقدم للمستشعرات، والبنية المفتوحة للمهام.
وتكمن الفكرة التقنية الأساسية للبرنامج في أنه لم يُصمم بوصفه طائرة واحدة، بل منظومة قتالية متكاملة تجمع مقاتلة رئيسة تدعمها طائرات مسيّرة، تعمل جميعها ضمن شبكة اتصال عسكرية مشفرة تربط بينها أثناء القتال، بما يعكس فلسفة “منظومة الأنظمة” التي تتجاوز منطق المنصة الفردية إلى منطق الشبكة القتالية الموزعة.
غير أن البرنامج، الذي كان من المفترض أن يمثل ذروة التكامل الصناعي الدفاعي الأوروبي، انهار عمليًا بفعل نزاع صناعي حاد، إذ كشف تقرير لمجلة دير شبيغل أن الخلافات العميقة بين شركتي داسو للطيران وإيرباص حول توزيع أدوار التصنيع، وحصص العمل، وحقوق الملكية الفكرية، جعلت استمرار المشروع بصيغته الحالية أمرًا بالغ الصعوبة.
يقدم برنامج المقاتلة الكورية الجنوبية كيه إف-21 بورامي (KF-21 Boramae) نموذجًا مختلفًا جوهريًا، إذ تحتفظ كوريا الجنوبية، صاحبة القدرة التصميمية الأعلى، بالقيادة التقنية الكاملة، بينما تشارك إندونيسيا، بوصفها الشريك الأصغر، في تمويل جزء من تكلفة التطوير مقابل الحصول على حق نقل التكنولوجيا وحصة من الإنتاج المحلي.
وأُطلق البرنامج رسميًا في ديسمبر (كانون الأول) 2015 بهدف إنتاج مقاتلة متعددة المهام تجمع بين تقنيات الجيلين الرابع والخامس، وطورته شركة الصناعات الجوية الكورية (KAI) بتمويل جزئي وتطوير مشترك مع إندونيسيا. وكُشف عن النموذج الأولي عام 2021، ثم أُجري أول اختبار طيران في يوليو (تموز) 2022، على أن يبدأ الإنتاج التسلسلي عام 2026.
وتكمن أهمية هذا النموذج في ديناميكية حصة التمويل الإندونيسية وتقلبها، إذ توضح بدقة كيف تترجم القدرة المالية للشريك الأصغر مباشرة إلى نفوذ تفاوضي متغير في وتيرة نقل التكنولوجيا. فقد وافقت جاكرتا في البداية على تمويل نحو 20% من تكلفة المشروع مقابل إنتاج 48 طائرة من النسخة الإندونيسية آي إف-إكس (IF-X) عبر نقل التكنولوجيا، غير أن هذه الحصة انخفضت لاحقًا إلى 7.5% فقط، بعد أن طلبت الحكومة الإندونيسية تقليص مساهمتها، بينما آلت النسبة المتبقية إلى شركاء من القطاع الخاص، من بينهم الشركة المصنعة كيه إيه آي (KAI) نفسها.
وقد ترافق هذا التراجع المالي مع انخفاض موازٍ في عدد الطائرات المطلوبة، إذ خفضت إندونيسيا طلبيتها الأولى من 48 إلى 16 مقاتلة. وفي الوقت نفسه، أثار تحسن العلاقات الدبلوماسية الإندونيسية مع كوريا الشمالية مخاوف في كوريا الجنوبية من احتمال تسرب تقنيات حساسة مرتبطة بالمقاتلة.
ولعل الدلالة الأهم لهذا النموذج بالنسبة لأي مشروع عربي أو إقليمي يفكر في مسار مشابه، أن كوريا الجنوبية بدأت بالفعل البحث عن بديل لإندونيسيا، إذ تشير التقديرات إلى احتمال حلول الإمارات محلها كشريك في البرنامج إذا استمر تراجع مشاركة جاكرتا، بما يعني أن الشريك في سلسلة القيمة ليس محصنًا تلقائيًا من الاستبدال إذا لم يحافظ على التزامه التمويلي.
في المقابل، يقدم النموذج السعودي، بقيادة الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI)، التي أُنشئت في 14 أغسطس (آب) 2017 لتكون الجهة المنظمة لقطاع الصناعات العسكرية في المملكة، والمسؤولة عن تنظيمه وتطويره والإشراف عليه، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نمطًا ثالثًا يختلف جذريًا عن النموذجين الأوروبي والكوري.
ويعتمد هذا النموذج على أداة تنظيمية ملزمة تفرض على كل مورد أجنبي حدًا أدنى من التوطين الصناعي بوصفه شرطًا لدخول السوق السعودية، بصرف النظر عن طبيعة كل صفقة على حدة. ويتمثل الهدف الرسمي في رفع نسبة توطين الإنفاق الحكومي على المعدات والخدمات العسكرية إلى أكثر من 50% بحلول عام 2030.
ووفقًا للتقرير السنوي لرؤية السعودية 2030، سجل القطاع عام 2023 نسبة توطين بلغت 10.4%، متجاوزًا المستهدف لذلك العام البالغ 9%، ثم ارتفع المؤشر إلى 24.89% بنهاية عام 2024، وهو معدل نمو يعكس قدرة الأداة التنظيمية الإلزامية، خلافًا لآليات التفاوض الطوعي في النموذجين الأوروبي والكوري، على تحقيق قفزات سريعة في التوطين عندما تقترن بحزمة تنظيمية متكاملة.
ويعود ذلك إلى أن التوطين الإلزامي، المدعوم بحجم الإنفاق الدفاعي السعودي، يمنح الدولة المستوردة نفوذًا تفاوضيًا هيكليًا ودائمًا تجاه كل مورد جديد، بخلاف نموذج التفاوض المرتبط ببرنامج واحد أو صفقة بعينها.
لكن هذا النموذج يظل مشروطًا بامتلاك إنفاق دفاعي ضخم ومستدام على مدى سنوات طويلة حتى تتحول نسب التوطين إلى قاعدة صناعية حقيقية، وهو شرط لا يتوافر بالدرجة نفسها لدى غالبية الدول العربية، بما فيها مصر.
في المقابل، يمثل النمط التركي في التعاون الدفاعي مع الشركاء الإقليميين نموذجًا رابعًا أكثر تواضعًا من حيث العمق التقني، لكنه أسرع تنفيذًا وأقل تعقيدًا.
ويعتمد هذا النموذج على أسلوب “التصدير والترخيص”، إذ تحتفظ تركيا بالسيطرة الكاملة على التصميم الأساسي للمنظومات، بينما تصدر نسخًا جاهزة أو شبه جاهزة إلى عدد من الشركاء الإقليميين، مثل أذربيجان وقطر ومصر مؤخرًا، مع منح هامش محدود للتجميع أو التصنيع المحلي يتوسع تدريجيًا بحسب مستوى الثقة السياسية المتراكمة.
وقد تجسد هذا النموذج بوضوح في صفقة نظام الدفاع الجوي تولغا (TOLGA)، التي صدرتها تركيا إلى مصر بقيمة 130 مليون دولار ضمن حزمة دفاعية أوسع بلغت 350 مليون دولار في فبراير (شباط) 2026، بعدما كانت قد صدرت النظام نفسه إلى قطر في وقت سابق من العام ذاته.
ويكشف ذلك أن تركيا تدير علاقاتها الدفاعية مع شركائها الإقليميين باعتبارها شبكة تصدير متوازية، لا برنامج تصميم ثنائي حصري كما هو الحال في النموذجين الأوروبي والكوري.
ويتمثل الفارق التقني الجوهري في أن الشريك الإقليمي، سواء كان مصر أو قطر أو أذربيجان، يدخل سلسلة القيمة عند مراحل متأخرة نسبيًا، تتمثل في التجميع النهائي، والصيانة، والتشغيل المشترك، وليس عند مراحل التصميم أو التصنيع الفرعي المتقدم.
ويمنح هذا النموذج تركيا مرونة تصديرية كبيرة وسرعة في التنفيذ، لكنه يبقي الشريك الإقليمي، على الأقل في المدى القصير، في موقع “المُجمِّع المرخص” أكثر من كونه “المصمم الشريك”، وهي الإشكالية التي تناقشها هذه الدراسة، من خلال بحث إمكانية انتقال مصر تدريجيًا من مرحلة التجميع المرخص إلى مرحلة التصميم التشاركي عبر بناء قدرة هندسية وطنية متراكمة.
تجاوزت العلاقات المصرية التركية منطق المصالحة السياسية الذي بدأ عقب سنوات من القطيعة، لتنتقل إلى مرحلة التعاون العسكري والصناعي المباشر. وتبدو هذه المرحلة الأكثر أهمية في مسار العلاقات بين البلدين منذ أكثر من عقد، بعدما شهدت سلسلة من الخطوات المتسارعة التي عكست انتقال التقارب السياسي إلى تعاون دفاعي عملي.
بدأ هذا المسار بإبرام صفقة نظام الدفاع الجوي تولغا (TOLGA) في فبراير/شباط الماضي، تلتها سلسلة اجتماعات مع مسؤولي شركة بايكار (Baykar) التركية، المتخصصة في تطوير وإنتاج الطائرات المسيّرة، لبحث فرص التعاون في تطوير وإنتاج هذه المنظومات.
كما شهدت العلاقات تنظيم أول تدريب جوي مشترك بين القوات الجوية المصرية والتركية خلال الفترة من 11 إلى 21 يونيو (حزيران) 2026 داخل القواعد الجوية المصرية، بمشاركة مقاتلات متعددة المهام، أعقبته مباشرة مناورات جوية ثلاثية جمعت مصر وتركيا وأذربيجان للمرة الأولى على الأراضي التركية تحت مسمى “النسر الثلاثي” حتى الثالث من يوليو (تموز) الجاري، ثم انطلاق مناورات “العقاب الذهبي” في مصر في الثامن من يوليو/تموز، بمشاركة قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية، لتنفيذ عمليات مشتركة لمواجهة التهديدات غير التقليدية.
وتُوج هذا المسار بزيارة القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول أشرف سالم زاهر، إلى أنقرة في 13 يوليو (تموز) الجاري، حيث استقبله وزير الدفاع التركي يشار غولر بمراسم عسكرية رسمية في مقر وزارة الدفاع التركية، وانتهت الزيارة بتوقيع خطاب نوايا لتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية عقب مباحثات موسعة مع كبار المسؤولين العسكريين الأتراك.
ويفتح هذا التطور الباب أمام إمكانية بناء نموذج يقوم على التكامل الوظيفي بدلًا من التكرار الصناعي، إذا تطور التقارب السياسي إلى شراكة صناعية دفاعية حقيقية. فبدلًا من سعي كل من مصر وتركيا إلى إنتاج المنظومة الدفاعية كاملة بصورة منفصلة، يمكن توزيع مراحل الإنتاج بين الطرفين وفقًا للمزايا النسبية لكل منهما.
ويدعم هذا التصور عدد من الاعتبارات المهمة، في مقدمتها امتلاك مصر قاعدة صناعية واسعة، وبنية تحتية لوجستية متقدمة، وموقعًا جغرافيًا يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، فضلًا عن قدرات متنامية في الصناعات المعدنية والهندسية. وفي المقابل، راكمت تركيا خبرات كبيرة في تطوير المنصات غير المأهولة، والأنظمة الإلكترونية، والبرمجيات، وتكامل الأنظمة القتالية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن تصور نموذج إنتاج مشترك تتخصص فيه كل دولة في حلقات محددة من سلسلة القيمة، بما يسمح برفع الكفاءة، وتقليل ازدواجية الاستثمارات، وزيادة المحتوى التكنولوجي للصناعة الدفاعية المشتركة.
أولًا- التحول إلى مركز إقليمي لسلاسل القيمة الدفاعية
يشهد النظام الدفاعي العالمي تحولًا تدريجيًا من نموذج الإنتاج الوطني المغلق إلى نموذج سلاسل القيمة العابرة للحدود، وهو ما يتيح فرصة استراتيجية أمام مصر وتركيا للانتقال من موقع المستورد أو المنتج المنفرد إلى موقع العقدة الإقليمية داخل سلاسل القيمة الدفاعية.
فتمتلك تركيا خبرة متقدمة في تطوير المنصات العسكرية، والأنظمة الإلكترونية، والبرمجيات، بينما تمتلك مصر قاعدة صناعية كبيرة، وبنية لوجستية متطورة، وموقعًا جغرافيًا يربط الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية. ومن ثم، فإن التكامل بين القدرات الصناعية للطرفين قد يفضي إلى إنشاء منظومة إنتاج إقليمية قادرة على المنافسة، بما يعزز استقلالية القرار الصناعي، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويرفع القيمة المضافة للصناعات الدفاعية المشتركة.
ثانيًا- إعادة التموضع داخل خريطة التكنولوجيا الدفاعية
أصبح التنافس الدولي في الصناعات العسكرية يدور حول السيطرة على التقنيات الحرجة، مثل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة، والإلكترونيات الدقيقة.
ومن ثم، يمثل الاتفاق فرصة لإعادة توجيه التعاون من مستوى التصنيع التقليدي إلى مستوى التطوير التكنولوجي المشترك، بما يسمح ببناء قاعدة معرفية دفاعية تتجاوز مفهوم نقل التكنولوجيا إلى مفهوم المشاركة في إنتاجها.
ويمنح هذا التوجه البلدين فرصة لتحسين موقعهما داخل سلاسل القيمة العالمية، من خلال امتلاك حلقات الإنتاج الأعلى قيمة، بدلًا من الاقتصار على الأدوار منخفضة القيمة، مثل التجميع أو التصنيع بموجب تراخيص خارجية.
ثالثًا- بناء منصة مشتركة للتوسع في الأسواق الإفريقية
تُعد القارة الإفريقية واحدة من أسرع الأسواق نموًا في الطلب على المعدات والخدمات الدفاعية، مدفوعة بتحديات الإرهاب، وأمن الحدود، وحماية السواحل، والأمن البحري.
وفي ضوء الموقع الجغرافي لمصر، وشبكة اتفاقياتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية، وخبرة تركيا المتنامية في التصدير الدفاعي، يتيح التعاون المرتقب إمكانية إنشاء منصة إنتاج وتصدير مشتركة تستهدف الأسواق الإفريقية، عبر تقديم حلول متكاملة تشمل المعدات، والتدريب، والصيانة، والدعم الفني، ونقل التكنولوجيا.
ولا تقتصر أهمية هذه الفرصة على بعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى تعزيز النفوذ السياسي وبناء شراكات أمنية طويلة الأمد مع الدول الإفريقية، بما يرسخ الحضور الإقليمي لكل من القاهرة وأنقرة في بيئة تتزايد فيها المنافسة الدولية.
رابعًا- تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين
كشفت الصراعات الإقليمية، ولا سيما الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، أن الاعتماد المفرط على الموردين الخارجيين في الصناعات الدفاعية يمثل مصدرًا متزايدًا للمخاطر، سواء بسبب القيود على التصدير، أو العقوبات، أو اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
ومن ثم، يتيح التعاون الدفاعي المصري التركي فرصة لتطوير قاعدة إنتاج مشتركة تقلل مستويات الاعتماد الخارجي، عبر توطين الحلقات الأكثر تأثيرًا في سلسلة القيمة، بما يشمل البرمجيات، والإلكترونيات، والأنظمة الفرعية، والذخائر، وأعمال الصيانة.
ويؤدي هذا النهج إلى تعزيز مرونة الصناعات الدفاعية في مواجهة الضغوط الخارجية، ورفع قدرة البلدين على الحفاظ على استدامة الإنتاج والتطوير في أوقات الأزمات، بما يدعم استقلالية القرار الدفاعي على المدى الطويل.
خامسًا- دمج الصناعات الدفاعية في استراتيجية التنمية الاقتصادية
لم تعد الصناعات الدفاعية قطاعًا معزولًا عن الاقتصاد المدني، بل أصبحت أحد أهم محركات الابتكار الصناعي والتكنولوجي، نظرًا لاعتمادها المتزايد على التقنيات مزدوجة الاستخدام.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا مدخلًا لتطوير منظومة وطنية للابتكار الصناعي، تربط بين الجامعات، ومراكز البحوث، والشركات التكنولوجية، والصناعات الدفاعية، بما يسهم في توسيع قاعدة المعرفة، وتعزيز نقل التكنولوجيا إلى القطاعات المدنية.
ويحول هذا الترابط الاستثمار في الصناعات الدفاعية من مجرد وسيلة لتعزيز القدرات العسكرية إلى أداة داعمة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، وتحفيز الابتكار، ورفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
سادسًا- بناء نموذج إقليمي للتكامل الدفاعي
قد تتمثل الفرصة الأهم في أن يتحول التعاون المصري التركي إلى نموذج مؤسسي يمكن توسيعه تدريجيًا ليشمل شركاء إقليميين آخرين.
فبدلًا من استمرار أنماط التعاون الثنائي المحدودة، يمكن أن يصبح هذا التعاون نواة لتشكيل شبكة دفاعية إقليمية تقوم على توزيع الأدوار الصناعية، وتكامل القدرات البحثية، وتنسيق سياسات التطوير والإنتاج.
ولا يقتصر أثر هذا النموذج على رفع الكفاءة الاقتصادية للصناعات الدفاعية، بل يسهم أيضًا في بناء مستوى أعلى من الاعتماد المتبادل بين الدول المشاركة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي، ويمنحها قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة التحولات الدولية.
أولًا- استدامة التوافق السياسي والاستراتيجي
تقوم الشراكات الدفاعية طويلة الأجل على درجة مرتفعة من الثقة السياسية والتوافق بشأن الأولويات الاستراتيجية. ورغم التحسن الملحوظ في العلاقات المصرية التركية، فإن تحويل هذا التقارب إلى مشروع صناعي ممتد يتطلب الحفاظ على استقرار الإرادة السياسية، وتحصين التعاون المؤسسي ضد أي تغيرات مستقبلية في البيئة الإقليمية أو في أولويات السياسة الخارجية للطرفين، ولا سيما في الملفات الخلافية، مثل سوريا، وليبيا، وإسرائيل، وشرق المتوسط.
وتزداد أهمية هذا التحدي بالنظر إلى أن الصناعات الدفاعية تعتمد على استثمارات طويلة الأجل، وعقود تمتد لسنوات، وشبكات إنتاج معقدة، وهو ما يجعلها أكثر حساسية للتقلبات السياسية مقارنة بغيرها من القطاعات الاقتصادية.
ثانيًا- القيود الدولية على نقل التكنولوجيا المتقدمة
على الرغم من التطور الكبير الذي حققته تركيا في عدد من الصناعات الدفاعية، فإن كثيرًا من التقنيات الحرجة التي تدخل في إنتاج المنظومات العسكرية الحديثة لا تزال تخضع لقيود تصديرية تفرضها الدول الغربية أو الشركات المالكة للتكنولوجيا، ولا سيما في مجالات المحركات، وأشباه الموصلات، وأنظمة الاستشعار، والإلكترونيات الدقيقة.
وتتزايد أهمية هذا التحدي في ظل التحول العالمي نحو توظيف ضوابط التصدير بوصفها إحدى أدوات المنافسة الجيوسياسية، بما يجعل الوصول إلى التكنولوجيا الحساسة أكثر ارتباطًا بالاعتبارات السياسية والأمنية، وليس فقط بالقدرات الاقتصادية أو الصناعية.
ثالثًا- غياب التكامل المؤسسي للصناعات الدفاعية
يتطلب بناء منظومة صناعية دفاعية مستدامة وجود إطار مؤسسي قادر على إدارة التعاون، وتنسيق الأولويات، وتوزيع الأدوار، وتسوية الخلافات الفنية والتجارية.
وفي غياب مثل هذا الإطار، قد تتحول المشروعات المشتركة إلى مبادرات متفرقة تفتقر إلى الاستمرارية، بما يقلل من قدرتها على إحداث تحول هيكلي في الصناعة الدفاعية.
ومن ثم، فإن أحد أبرز التحديات يتمثل في الانتقال من دبلوماسية الاتفاقيات إلى حوكمة الشراكات الصناعية، بما يضمن استدامة التعاون بعيدًا عن التقلبات السياسية أو تغير أولويات الحكومات.
رابعًا- التنافس الدولي على أسواق الصناعات الدفاعية
لن ينشأ أي مشروع صناعي دفاعي مصري تركي في فراغ استراتيجي، بل سيدخل إلى سوق تشهد منافسة متزايدة بين قوى دولية وإقليمية تمتلك خبرات طويلة، وشبكات تصدير راسخة، وقدرات تمويلية وتقنية كبيرة.
فأسواق الشرق الأوسط وإفريقيا أصبحت ساحة تنافس بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، إلى جانب فاعلين إقليميين، في مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
ويفرض هذا الواقع تحديًا يتعلق بقدرة المنتجات الدفاعية المشتركة على اكتساب حصة سوقية مستدامة، في ظل منافسة لا تقتصر على السعر أو المستوى التقني، بل تمتد إلى النفوذ السياسي، وشبكات التحالفات، وحزم التمويل، وخدمات ما بعد البيع، ونقل التكنولوجيا، وهي عناصر أصبحت تمثل جزءًا رئيسًا من معايير المنافسة في سوق الصناعات الدفاعية العالمية.
خامسًا- محدودية الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار الدفاعي
تتركز القيمة المضافة في الصناعات الدفاعية الحديثة في حلقات البحث والتطوير، وتصميم البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، أكثر من تركزها في عمليات التصنيع التقليدي.
ومن ثم، فإن أي شراكة تقتصر على التجميع أو الإنتاج المرخص ستظل محدودة الأثر، ولن تحقق انتقالًا حقيقيًا نحو الاستقلال الصناعي.
ورغم امتلاك مصر قاعدة صناعية معتبرة، فإنها لا تزال تفتقر إلى القدرة المستقلة على تصميم الأنظمة الدفاعية المتقدمة، وهو ما يجعل أي تكامل مبكر مع تركيا يتجه، على الأرجح، نحو التجميع المرخص أو تصنيع المكونات الثانوية، أكثر من اتجاهه إلى شراكة متكافئة في التصميم والتطوير.
وتعد هذه الإشكالية امتدادًا للتحديات التي واجهتها تجارب عربية سابقة في التعاون مع شركاء غربيين وشرقيين، إذ نجحت في توسيع قدرات التصنيع، لكنها لم تحقق بالقدر نفسه انتقالًا نوعيًا إلى امتلاك المعرفة الهندسية أو القدرة على تطوير المنظومات بصورة مستقلة.
سادسًا- هشاشة سلاسل الإمداد العالمية
أصبحت الصناعات الدفاعية أكثر تعرضًا لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، سواء نتيجة الصراعات الجيوسياسية، أو القيود التجارية، أو نقص المكونات الإلكترونية والمواد الخام.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في الصناعات العسكرية، التي تعتمد على مكونات عالية التخصص يصعب استبدالها خلال فترات زمنية قصيرة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي للشراكة المصرية التركية تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو هدف يصعب تحقيقه في ظل الطبيعة العالمية للصناعات الدفاعية، وإنما بناء سلسلة إمداد أكثر مرونة، تقوم على تنويع الموردين، وتوطين المكونات الأكثر حساسية، وإنشاء مخزونات استراتيجية، وتطوير قدرات تصنيع بديلة للمكونات الحرجة، بما يقلل من تأثير الأزمات الدولية على استدامة الإنتاج.
يمكن القول إن نجاح القاهرة وأنقرة في بناء نموذج للتكامل الصناعي الدفاعي قد يفتح الباب أمام انتقال المنطقة من مرحلة الاستهلاك الدفاعي إلى مرحلة الإنتاج الدفاعي الشبكي، بما يعزز الاستقلال الاستراتيجي، ويرفع القدرة التنافسية للصناعات الدفاعية، ويؤسس لقاعدة صناعية إقليمية قادرة على المنافسة في الأسواق الناشئة، ولا سيما في إفريقيا والشرق الأوسط.
ومن ثم، فإن التعامل الرشيد مع هذه اللحظة الاستثنائية يقتضي اتباع عدد من المسارات المتدرجة، يأتي في مقدمتها مأسسة التعاون عبر إنشاء لجنة صناعية دفاعية مشتركة ودائمة بين الهيئة العربية للتصنيع ونظيراتها التركية، تتولى إعداد خريطة طريق زمنية واضحة للانتقال من التوريد إلى التصنيع المشترك، ثم إلى التصميم التشاركي، بدلًا من ترك التعاون رهينًا للزيارات المتقطعة أو التفاهمات المرحلية.
كما تبرز أهمية ربط أي تعميق للتكامل الصناعي بضمانات سياسية واضحة تحد من تأثير الملفات الخلافية ومستجداتها، من خلال آليات تشاور استراتيجي منتظمة تفصل بين مسار التعاون الدفاعي الصناعي ومسار الخلافات الجيوسياسية المحتملة، مع وضع آليات فعالة لإدارة الأزمات بما يحول دون تعثر التعاون الصناعي عند أي توتر سياسي عابر.
وفضلًا عن ذلك، يتعين على مصر توظيف هذا التقارب كورقة تفاوضية لتنويع مصادر التسليح وتعزيز موقعها التفاوضي مع شركائها الغربيين التقليديين، لا بوصفه بديلًا كاملًا عنهم، وإنما باعتباره أحد روافد استراتيجية تنويع الشركاء، بما يحافظ على توازن استراتيجي متعدد المحاور.
وفي هذا الإطار، يتمثل الاستثمار الحقيقي في بناء القدرات الهندسية والبشرية المصرية عبر برامج ابتعاث، وتدريب، وبحث وتطوير مشتركة مع الجانب التركي، بحيث لا يقتصر التعاون على التجميع المرخص، وإنما يتحول تدريجيًا إلى نقل حقيقي للمعرفة، يراكم قدرة مصرية مستقلة على التصميم والتطوير في المدى الطويل.
وأخيرًا، ينبغي التفكير في توسيع هذا النموذج الثنائي أفقيًا ليشمل شركاء إقليميين آخرين، مثل أذربيجان، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والصومال، بما يحول التجربة المصرية التركية من ترتيب ثنائي إلى نواة فعلية لسلسلة قيمة دفاعية إقليمية أوسع، تعزز مكانة مصر مركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير الدفاعي، وتتجاوز دورها التقليدي بوصفها سوقًا مستهلكة لمنتجات الغير.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير