
من الخطأ الجسيم من الناحيتين السياسية والتاريخية التعامل مع حرب أوكرانيا بنفس منطق الحرب الكورية، أو الاعتقاد بأن إنهاءها أو تجميدها قابل للاستنساخ على نموذج حالة الكوريتين.
هذا بالضبط ما استخلصته من كل التصريحات الرسمية والتعليقات المختلفة في دوائر التحليل والمراقبة هنا داخل روسيا خلال اليومين الماضيين، بل هذا ما حرصت موسكو والكرملين وبوتين على نفيه –رسميًّا، وعلى نحو قاطع- خلال الساعات الماضية. فتصريح يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية، بأن الولايات المتحدة وروسيا “لم تناقشا يومًا السيناريو الكوري” على أنه خيار مطروح للتسوية في أوكرانيا، هو -في رأيي- تصريح مقصود بعناية شديدة قبيل ساعات من المفاوضات المقررة في برلين، الاثنين 15 ديسمبر (كانون الأول) 2025، بين زيلينسكي وويتكوف والأوروبيين على التنازلات التي سيعود بها ويتكوف إلى موسكو ضمن بنود الخطة المطروحة للسلام.
أوشاكوف -نيابة عن الكرملين وموسكو- يغلق الباب متعمدًا؛ لأن بوتين يرى في هذا الباب فخًا إستراتيجيًّا طويل الأمد، وليس هذا ما تحمّل لأجله الدخول في هذه المخاطرة الكبيرة في فبراير (شباط) 2022، وتحملت روسيا وشعبها -ولا تزال- كل التكلفة التي أنتجتها منذ ذلك اليوم.
فالسيناريو الكوري يعني -بكل بساطة- وقف قتال بلا سلام وخط تماس يتحول إلى جرح مفتوح عقودًا، والأخطر أنه سيكون مصحوبًا بوجود عسكري أجنبي دائم، واقتصاد مسلح، ودولة مؤجلة السيادة. وهذا النموذج -حسب فهمي لما يدور في رأس بوتين، ونخبة الكرملين، ووزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين- يناقض جوهر ما تسعى إليه موسكو والكرملين وبوتين منذ اليوم الأول، فما أفهمه جيدًا أنه يسعى إلى تسوية تنهي المسألة الأوكرانية تمامًا، لا تجميدها.
وانطلاقًا من هذا الفهم تأتي أهمية الربط المتلازم بين ما يقال في برلين منذ يوم أمس الأحد 14 ديسمبر (كانون الأول)، بداية لقاءات جس النبض بين ويتكوف وزيلينسكي، وما يقال في موسكو عن كل ما يجري هناك.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب، عن تقدم كبير، وعن خطة من 20 بندًا، يضع الكرملين هنا في موسكو -وفق ما أسمعه، وبصوت عالٍ ومسموع- خطوطه الحمراء، وهذا المرة يصر على أن تكون واضحة على نحو غير مسبوق، فقد جاءت على لسان بيسكوف وأوشاكوف وتكررت خلال الساعات الأخيرة بصيغ مختلفة، وأهم ما تتضمنه وتنص عليه: لا هدنة مؤقتة؛ لا حيل سياسية؛ لا جداول زمنية مصطنعة، والأهم كالعادة، وثيقة ملزمة قانونيًّا تمنع انضمام أوكرانيا إلى الناتو.
وهذه النقاط في نظر موسكو ليست تفاصيل تفاوضية؛ هذه المحرمات يقدمها الكرملين مجددًا هادفًا بها إعادة تعريف طبيعة التسوية نفسها التي يمكن أن يقبل بها، إن وصلت الأمور فعلًا إلى مسألة تسوية سياسية قبل أن تصل الأمور ميدانيًّا إلى نقطة إعلان أوكرانيا الاستسلام.
موسكو تريد -حسبما أفهم- إخراج الملف من منطق ما يعرف بالضمانات المرنة إلى منطق الالتزامات القانونية التي لا تتغير بتغير الرئيس، أو الحكومات، أو الإدارات في واشنطن، أو المزاج في بروكسل بمعناها الأوروبي وليس البلجيكي بالطبع.
وفي المقابل، عندما ننظر إلى الجزء الآخر من الصورة، نرى أن كييف وزيلينسكي في وضع أقل ما يمكن وصفه به أنه بالغ التعقيد. زيلينسكي يتحرك بين نارين؛ نار ضغط أمريكي متزايد، خصوصًا من دونالد ترمب، على سبيل المثال تكرار مطالبته بضرورة إجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا خلال الأيام الأخيرة، فضلًا عن إشاراته المتكررة إلى ملف الفساد في القيادة الأوكرانية، وهدف ذلك بالطبع انتزاع مرونة حقيقية من زيلينسكي، والنار الثانية نار ضغط أوروبي معاكس يشجع زيلينسكي على الاستمرار في الحرب، ما دامت أوروبا لا تزال قادرة -نظريًّا- على التمويل، وإن كان لفترة ليست طويلة.
وهذا التناقض يفسر لنا -بوضوح- الإشارات المتضاربة التي تخرج من كييف وتصيب بالحيرة، فنسمع عن تسريبات، بل تلميحات حتى من زيلينسكي نفسه، بالاستعداد للتخلي عن عضوية الناتو، لكننا في الوقت نفسه نسمع تشددًا في ملف الانسحاب من دونباس، فضلًا عن مناورات سياسية عن طريق طرح فكرة الانتخابات أو الاستفتاءات لتحميل المجتمع الأوكراني، المغلوب على أمره، الذي تحمل فوق طاقته ولا يزال خلال قرابة أربع سنوات، تحميله مسؤولية قرارات الهزيمة، وهي آتية لا محالة.
هنا تحاول كييف وزيلينسكي -كما أرى أنا على الأقل بوضوح- ما يمكن وصفه بتذويب القضايا الجوهرية في تفاصيل إجرائية، بحيث إذا رفضت موسكو هذه التفاصيل -وهذا المتوقع، وهذا ما سوف يحدث- فيمكن تحميل بوتين مسؤولية إفشال السلام أمام ترمب تحديدًا.
ولكني أعتقد أنه إذا كنتُ أفهم هذا التكتيك السياسي، وهو تكتيك معروف طبعًا، فمما لا شك فيه أن موسكو والكرملين وبوتين يفهمونه أفضل بكثير، لكن الخطير في المسألة أن هذا التكتيك محفوف بأخطار كبيرة لزيلينسكي وكييف؛ فموسكو -كما قال أوشاكوف صراحة- ستبدي اعتراضات حادة إذا عُدِّلت أي خطة بما لا يتوافق مع مصالحها الأساسية، ولن تقبل لا بالانتخابات الأوكرانية كذريعة لوقف إطلاق النار، ولا بالاستفتاءات كأداة لحسم نتائج حرب.
وأرقام الميدان هنا يمكن أن تكون بمنزلة المنارة لنا لفهم موقف الكرملين، فالقوات الأوكرانية -وفقًا معطيات اليوم التي يقدمها الجانب الروسي بالطبع، والتي بالطبع لا نستطيع تأكيدها أو نفيها- لا تسيطر إلا على نحو 6600 كيلومتر مربع من دونيتسك، في حين باتت القوات الروسية على مشارف السيطرة التامة على كل الدائرة المحيط ببوكروفسك من القرى البلدات.
وهذه الوقائع هي -في رأيي- التي تفسر لماذا يقدم الكرملين “رِجلًا ويؤخر رِجلًا” في موضوع التسوية، ولماذا لن يقبل بمنطق تجميد الصراع وفق نموذج الحالة الكورية عند خطوط التماس، فلماذا يوافق على ذلك وقواته تتقدم، وباستطاعتها إذا استمرت الأمور على المنوال نفسه أن تسيطر خلال أشهر على كل الأراضي التي تطمع فيها، بل تتجاوزها؛ وهنا، وفي هذه اللحظة، ووفقًا لهذا المشهد الميداني، لن يكون التجميد إلا إنقاذًا لكييف وزيلينسكي من نتائج مسار ميداني محكوم بهزيمة وخسارة أكيدة.
إشكالية أخرى، وهي مسألة الضمانات الأمنية؛ فقبول زيلينسكي المبدئي بـ”ضمانات ثنائية” بدلًا من الانضمام إلى الناتو، هذا إن صحت تسريبات التخلي عن فكرة الانضمام إلى الناتو، فإنه لا يحل المشكلة، بل يُرحِّلها، بمعنى: ما طبيعة هذه الضمانات؟ وهل ستمر عن طريق الكونغرس الأمريكي؟ وهل تتضمن التزامًا عسكريًّا مباشرًا؟ هذه كلها أسئلة تحتاج إلى شرح وتوضيح وإجابات قبل أن توافق موسكو على شيء.
فالتجربة الأمريكية مع تايوان، ومعاهدات الولايات المتحدة السابقة، كلها تُظهر أن واشنطن تتجنب دائمًا الصياغات التي تلزمها تلقائيًّا بالحرب مع أو نيابة عن أحد، ما عدا إسرائيل طبعًا، حتى لو قُدمت ضمانات تشبه المادة الخامسة للناتو، فهي لا تعني بالضرورة تدخلًا عسكريًّا آليًّا إلى جانب أوكرانيا.
أما أوروبا فكالعادة هي الطرف الأكثر صراحة، وربما الأكثر خطورة في هذه المرحلة. ولننظر إلى تصريح فولفغانغ إيشينغر، الواضح والانتهازي والمعبر بفجاجة عن الأوروبيين، يقول: “إن أوروبا آمنة ما دامت أوكرانيا تقاتل”. هذه ليست زلة لسان؛ وإنما تعبير واضح يعكس رؤية الأوروبيين الحقيقية لهذه الحرب، ويفسر لنا الموقف الأوروبي بكل أبعاده؛ فالحرب الأوكرانية في اعتقاد الأوروبيين ما هي إلا أداة أمنية، وليست مأساة يجب إنهاؤها؛ ومن هنا بإمكاننا أن نفهم الإصرار الأوروبي على مصادرة الأصول الروسية واستخدامها ضمانةً لقروض تصل إلى نحو 140 أو 210 مليار يورو، وفق تقديرات مختلفة، لإدامة الحرب عامين إضافيين على الأقل.
هذا التمويل الذي يسعى الأوروبيون بكل قوة إلى ضمانه، إن تحقق، سيعيد -بلا شك- خلط أوراق التفاوض. وما أقصده هنا أن مواقف كييف وزيلينسكي تتبدل بقدر ما تشعر أن لديها شبكة أمان عالية؛ لذلك عندما نتابع ما يحدث في برلين، الاثنين 15 ديسمبر (كانون الأول) 2025، ونقرأ تسريبات الوفد الأوكراني وتصريحاته بعناية، نستطيع أن نستشف بسهولة أن زيلينسكي يفاوض ويتكوف في برلين وأذنه وعينه على بروكسل وما تقوله من هناك كايا كالاس.
وكلما زادت الأموال المتدفقة أو الموعودة تراجعت الحاجة إلى التسوية المؤلمة، والرضوخ لضغوط ويتكوف وكوشنر، ومن ورائهما ترمب وبوتين؛ لذلك تقرأ موسكو والكرملين وبوتين ما يحدث في برلين وبروكسل بوضوح، فالولايات المتحدة تحاول إنتاج نص واحد مع كييف وأوروبا قبل عرض أي شيء على روسيا.
يفهم الكرملين -في رأيي- أن أوروبا تحاول شراء الوقت والقدرة بالمال الروسي المصادر، الذي حارت في الاحتيال على طريقة لنهبه، وتحاول كييف وزيلينسكي الهروب من لحظة الاعتراف بالخسارة عن طريق السياسة، سواء بانتخابات أو استفتاءات.
لكن بوتين لا يتعجل؛ هو ينتظر ما سوف تسفر عنه مشاورات واشنطن- كييف- أوروبا، دون أن يضع شروطه التفصيلية على الطاولة الآن، ومع ذلك فإن بعض الخطوط رسمها بمداد لا يقبل المحو، أهمها: القرم خارج النقاش تمامًا؛ الناتو خارج المعادلة؛ ودونباس لا تُحسم باستفتاء.
لكل ما ذكرته أعلاه، أختم بالقول إن أوكرانيا ليست كوريا، لا جغرافيًّا ولا سياسيًّا، ولا في حسابات الكرملين وبوتين، ولا حتى في حسابات القوى الكبرى، ولن تكون إياها.
ومن يراهن على تجميد ذكي للصراع يخطئ في قراءة اللحظة؛ فهذه حرب تدار الآن على ثلاث مستويات، أو لنقل طبقات؛ طبقة الميدان، وهي الرئيسة، وطبقة المال، وطبقة القانون.
وبدون اتفاق يقتلع ويزيل الأسباب الجذرية، كما تراها موسكو والكرملين وبوتين -وأكرر هذه العبارة مجددًا- فإن أي وقف نار سيكون مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة ستكون أكثر كلفة، ليس لروسيا أو أوكرانيا فقط.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير