أبحاث ودراسات

مؤشرات الإنذار المبكر المصرية

هل تؤسس تركيا بنية أمنية جديدة مع دول آسيا الوسطى؟


  • 28 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

تشهد العلاقات بين تركيا والدول المنضوية تحت مظلة منظمة الدول التركية، خلال السنوات الأخيرة، انتقالا تدريجيا من التركيز على مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي إلى توسيع نطاقها ليشمل أبعادا سياسية وأمنية واستراتيجية أكثر وضوحا. ويعكس هذا التحول تطورا في طبيعة المنظمة ذاتها، التي باتت تنظر إلى التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية باعتبارها جزءا من أجندة التعاون بين أعضائها. وقد اكتسب هذا المسار بعدا مؤسسيا متزايدا مع انتظام اجتماعات أمناء مجالس الأمن الوطني للدول الأعضاء منذ عام 2022، وصولا إلى الاجتماع الخامس في أذربيجان خلال سبتمبر (أيلول) 2026، الذي ناقش البيئة الأمنية الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية للدول الأعضاء. وتكتسب هذه النقلة دلالة أوسع بالنظر إلى تزامنها مع تنامي الترابط بين الأمن وحركة التجارة والطاقة والنقل والاتصال الرقمي في المجال الممتد من الأناضول عبر القوقاز إلى آسيا الوسطى.

ومن هذه الزاوية، تظهر أهمية قراءة التطورات الأمنية في علاقات تركيا بدول المنظمة انطلاقا من فرضية جوهرية مفادها أن التحالفات الأمنية المعاصرة لا تبدأ بالضرورة بتوقيع معاهدة دفاع جماعي ملزمة، بل قد تبدأ ببناء وظائف بسيطة ومتراكمة، مثل تبادل المعلومات، والتنسيق الأمني، والتدريبات المشتركة، وتوحيد الإجراءات، والتعاون الاستخباراتي. ويطرح ذلك سؤالا رئيسيا: هل تتحول منظمة الدول التركية تدريجيا من التعاون السياسي والاقتصادي إلى بناء وظائف أمنية وعسكرية متكاملة؟ وما سيناريوهات تطور عمل المنظمة وتشكل بنية أمنية عابرة للقوقاز من دون إعلان تحالف دفاعي رسمي؟

ويتفرع عن ذلك سؤالان أكثر أهمية لمنظومة الإنذار المبكر المصرية: ما المؤشرات التي يمكن لمصر مراقبتها لاكتشاف انتقال التعاون التركي–الآسيوي من مرحلة التنسيق إلى مرحلة بناء قدرة جماعية على الحركة والتشغيل والاستجابة الأمنية؟ وما الذي يعنيه هذا التحول المحتمل لأمن الممرات المصرية والطاقة والبيانات والصناعات الدفاعية؟

دلالات توثيق العلاقات الأمنية بين تركيا ودول آسيا الوسطى

خلال الأشهر الأخيرة، برزت جملة من الدلالات على انتقال الانخراط التركي في آسيا الوسطى ومنظمة الدول التركية، التي تضم إلى جانب أنقرة أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان أعضاء دائمين، فضلا عن تركمانستان والمجر بصفة مراقب، من مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية المكثفة إلى مستوى أكثر تعقيدا يجمع الأمن والدفاع والصناعات العسكرية والاستخبارات والربط اللوجستي والمناورات المشتركة وحماية الممرات الاستراتيجية.

ففي يوليو (تموز) الماضي، وخلال زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى قيرغيزستان، ربط فيدان الممر الأوسط بأمن الاتصال والإمدادات، مشيرا إلى أن أزمة إيران الأخيرة أظهرت الأهمية الاستراتيجية للاتصال ونقل البضائع والمواد الخام. وأعلن أن التعاون الأمني التركي–القيرغيزي يتطور في سياق مكافحة التنظيمات الإرهابية والتعاون في الصناعات الدفاعية، مؤكدا رغبة أنقرة في جعل منظمة الدول التركية أكثر مؤسسية وفاعلية.

تكشف هذه التصريحات عن تحول مهم في التفكير التركي؛ فالممر الأوسط تجاوز كونه وسيلة للوصول إلى الأسواق ليصبح جزءا من مفهوم المرونة الاستراتيجية للدولة. وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنسبة إلى مصر، لأن أمن الممرات أصبح مرتبطا مباشرة بأمن سلاسل الإمداد، وهو المجال الذي تتقاطع فيه وظيفة الممر الأوسط مع الوظيفة الاستراتيجية لقناة السويس. ومن ثم، فإن ما تفعله تركيا في آسيا الوسطى لا ينبغي للقاهرة أن تراقبه بوصفه مجرد سياسة تركية تجاه جمهوريات شقيقة، بل باعتباره جزءا من إعادة تشكيل شبكة الممرات التي تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.

وفي السياق نفسه، كثف المسار التركي–الكازاخي جهوده على المستويين السياسي والمؤسسي. فقد عقد نائب وزير الخارجية الكازاخي أرمان إساغالييف مباحثات في أنقرة في الخامس من أغسطس (آب) الماضي، تناولت تنفيذ الاتفاقات الثنائية وتطوير التعاون داخل منظمة الدول التركية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية عند وضعها في سياق البنية العسكرية القائمة بين البلدين، التي تشمل التعاون الدفاعي والتقني، والحوار العسكري، ومشروعات تحديث البنية التحتية للصناعات الدفاعية الكازاخية عبر مشروعات مشتركة. وكانت أنقرة وأستانا قد أكدتا في فبراير (شباط) 2026 استمرار التعاون الدفاعي والعسكري التقني، إلى جانب اعتبار الممر الأوسط مسارا رئيسيا للاتصال والطاقة.

ويظهر ذلك سمة مختلفة عن التعاون العسكري التقليدي بين أنقرة وعواصم آسيا الوسطى. فتركيا لا تقدم نفسها فقط موردا للسلاح أو شريكا في التدريب، بل تسعى إلى بناء منظومة اعتماد متبادل تشمل الصناعة الدفاعية والتدريب والتكنولوجيا والاتصال والممرات. وهذا النوع من التعاون أكثر أهمية استراتيجيا من صفقة سلاح منفردة، لأنه ينشئ روابط مؤسسية طويلة الأجل تجعل التعاون الدفاعي جزءا من البنية الاقتصادية والتكنولوجية للدولة الشريكة.

وشهد سبتمبر (أيلول) الجاري التسارع الأوضح في هذا المسار. ففي العاشر من الشهر، اجتمع وزراء الداخلية في منظمة الدول التركية في أستانا، بمشاركة تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، لمناقشة تعزيز التعاون العملي في الأمن والاستقرار، ومواجهة التهديدات الحديثة، وتطوير التنسيق والمقاربات المشتركة في مكافحة الجريمة العابرة للحدود.

وبعد ذلك بأيام، انتقل التعاون إلى مستوى مؤسسي أعلى، مع انعقاد الاجتماع الخامس لأمناء مجالس الأمن في منظمة الدول التركية في باكو، خلال الفترة من 16 إلى 18 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة المسؤولين الأمنيين من تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان. وتناول الاجتماع الأمن الإقليمي والعالمي وتطوير التعاون في هذه المجالات، كما عقد أمين عام مجلس الأمن القومي التركي لقاءات ثنائية مع نظيريه الكازاخي والقيرغيزي.

وتكمن دلالة هذا التسلسل الزمني في أن التعاون الأمني لم يعد محصورا في وزارات الداخلية أو أجهزة إنفاذ القانون، بل أصبح يشمل مؤسسات الأمن القومي العليا. ويشير الانتقال من التعاون الشرطي إلى التنسيق بين مجالس الأمن إلى اتساع تعريف التهديد ليشمل قضايا الأمن القومي والاستقرار الإقليمي والتهديدات العابرة للحدود.

لكن التطور الأكثر أهمية جاء عسكريا مع مناورة «قوة الوحدة–2026»، التي تستضيفها أذربيجان خلال الفترة من 21 سبتمبر (أيلول) إلى 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بمشاركة القوات التركية والأذربيجانية والأوزبكية. وتهدف المناورة إلى مواجهة التهديدات الهجينة، والتخطيط للعمليات المشتركة وتنفيذها، مع مشاركة عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية التركية. وتكمن أهميتها في امتدادها إلى أوزبكستان في قلب آسيا الوسطى؛ لذلك لا تقتصر قيمتها على حجمها العسكري، بل تشمل اختبار إمكانية تحويل الامتداد الجغرافي لمنظمة الدول التركية إلى مجال تتدرب فيه القوات والمؤسسات العسكرية بصورة مشتركة.

وتتجاوز أهمية أذربيجان في هذه المناورة كونها شريكا عسكريا لتركيا، فهي العقدة الجغرافية التي تربط الأناضول ببحر قزوين وآسيا الوسطى. وخلال زيارة فيدان إلى أذربيجان يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول) الجاري، أكدت أنقرة وباكو أن التعاون الدفاعي والأمني بلغ مستوى التحالف، وأن المناورات والتدريب وتبادل الخبرات والتعاون المتزايد بين شركات الصناعات الدفاعية تمثل تطبيقات عملية لهذا التحالف. وربط فيدان هذا التعاون بتطوير النقل والربط، مؤكدا الدور المحوري لخط باكو–تبليسي–قارص في الممر الأوسط، ومشيرا إلى تطوير خط قارص–ديلوجو والربط عبر ناخيتشيفان وزنجزور.

يجمع هذا الطرح ثلاثة مسارات في نقطة جغرافية واحدة: التحالف التركي–الأذربيجاني، والممر الأوسط، والامتداد إلى آسيا الوسطى. وكلما ازداد الترابط بين البنية التحتية للممر والتعاون الدفاعي التركي–الأذربيجاني، ازدادت أهمية مراقبة احتمالات تحول هذه البنية إلى منصة للربط العسكري واللوجستي أيضا.

غير أن هذه التطورات لا تعني أن تركيا بصدد إنشاء تحالف عسكري جديد بالمعنى التقليدي؛ فلا توجد حتى الآن معاهدة دفاع جماعي تركية–آسيوية وسطى مماثلة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أو اتفاقية مكة للدفاع المشترك. وتكمن أهمية التطورات الراهنة في أن أنقرة تبدو بصدد بناء وظائف للتحالف تدريجيا، قبل إنشاء التحالف نفسه، من خلال ترتيبات ثنائية ومتعددة الأطراف يمكن أن تتكامل وظيفيا بمرور الوقت.

مؤشرات الإنذار المبكر من المنظور المصري

1- الانتقال من الأمن الثنائي إلى الأمن الإقليمي: يتمثل المؤشر الأول في اتساع نطاق التعاون بين تركيا ودول آسيا الوسطى من مكافحة الجريمة والهجرة غير الشرعية والإرهاب إلى قضايا الأمن القومي والدفاع والتهديدات الهجينة وحماية البنية التحتية الاستراتيجية. وتكتسب اجتماعات سبتمبر (أيلول) أهمية في هذا الصدد، لأن التعاون انتقل في غضون أيام من مستوى وزراء الداخلية إلى مستوى أمناء مجالس الأمن، بما يعكس تعدد مستويات المؤسسات الأمنية المشاركة. ورغم أن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود بنية أمنية مشتركة، فإنه يصبح مؤشرا أكثر أهمية إذا تكرر بصورة مؤسسية ومنتظمة.

2- قابلية التشغيل البيني العسكري: لا ينبغي قياس المناورات بعددها فقط، بل بمدى قدرتها على الانتقال من التدريب الرمزي إلى توحيد الإجراءات والاتصالات والقيادة والسيطرة والاستجابة المشتركة. ومن ثم، ينبغي لمصر مراقبة تكرار مناورات تركيا ودول آسيا الوسطى، ومدى توسعها من حيث عدد الدول المشاركة وأهدافها والوظائف المنوطة بها والنطاق الجغرافي الذي تتحرك فيه. وكلما تراكمت هذه العناصر، أصبح المؤشر أكثر دلالة على بناء قدرة تشغيلية جماعية.

3- التحرك العسكري عبر المجال الأوراسي: يمثل الاتفاق التركي–الكازاخي الخاص بالعبور الجوي العسكري مؤشرا مهما على توثيق التعاون الأمني بين تركيا ودول آسيا الوسطى. فالترتيبات التي تنظم عبور الأفراد والمعدات العسكرية تخلق قابلية لوجستية لا تعني تلقائيا استخدامها في عمليات عسكرية، لكنها تخفض بعض العوائق أمام الحركة العسكرية. ولهذا ينبغي لمصر مراقبة أي اتفاقات مماثلة مستقبلا بين تركيا ودول أخرى في آسيا الوسطى، أو ترتيبات تسمح باستخدام المطارات والموانئ والمنشآت اللوجستية في حالات التدريب أو الطوارئ.

4- الاندماج الاستخباراتي: يمثل التعاون الاستخباراتي مرحلة أكثر حساسية من التعاون العسكري التقليدي. ويشير البروتوكول التركي–الكازاخي لعام 2022 إلى تبادل المعلومات العسكرية والتقييمات، ومراقبة التطورات العسكرية–السياسية، والتعاون في مواجهة التنظيمات التي تمثل تهديدا للأمن. ومن ثم، فإن ظهور أطر مماثلة بين تركيا ودول أخرى في آسيا الوسطى سيكون مؤشرا يستحق المتابعة، لا سيما إذا انتقل التعاون من الاتفاقات الثنائية إلى آلية متعددة الأطراف داخل منظمة الدول التركية.

5- ازدواجية استخدام الممر الأوسط: لا يرتبط هذا المؤشر بتحول الموانئ والسكك الحديدية إلى منشآت عسكرية، بل برصد مدى تطور البنية التحتية التجارية نحو اكتساب وظائف مزدوجة الاستخدام يمكن توظيفها في السياقات الأمنية والاستراتيجية المستقبلية، ولا سيما خلال الأزمات والطوارئ. ويشمل ذلك الموانئ والمطارات الواقعة على مسار الممر، وخطوط السكك الحديدية، ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية، وشبكات الاتصالات والتحكم، وأنظمة التتبع الرقمي، والبنية الرقمية المرتبطة بحركة الشحن.

6- انتقال منظمة الدول التركية من منتدى تعاون إلى شبكة أمنية: يتمثل المؤشر الأكثر أهمية من المنظور المصري على المدى المتوسط في قدرة المنظمة على إنتاج آليات تنفيذية مستمرة، بدلا من الاكتفاء بالقمم والمخرجات الشكلية. فقد أشار اجتماع أمناء مجالس الأمن في سبتمبر (أيلول) الجاري إلى تعزيز آليات التعاون الأمني من خلال مشروعات وبرامج محددة. ومن ثم، ينبغي لمصر مراقبة ما إذا كانت هذه الاجتماعات ستتحول إلى آليات لتبادل المعلومات، وتدريبات دورية، وقواعد بيانات مشتركة، ومشروعات أمنية، أم ستظل في إطار التشاور السياسي التقليدي.

7- تنامي دور تركيا في المجال الأمني والدفاعي لآسيا الوسطى: قد يؤدي هذا المسار إلى توسيع نطاق التأثير التركي في منطقة ذات أهمية للطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد والاتصالات بين آسيا وأوروبا. فقد أصبح التعاون العسكري–التقني من مجالات التوسع المهمة في انخراط تركيا مع آسيا الوسطى، بالتوازي مع مشروعات الاتصال والنقل. لذلك، فإن السيناريو الذي ينبغي لمصر مراقبته ليس استبدال دول آسيا الوسطى روسيا أو الصين بتركيا، بل ظهور مرحلة جديدة من الترابط التركي–الآسيوي داخل نظام متعدد القوى.

8- أمن الطاقة وإعادة توزيع مساراتها: يسعى الممر الأوسط إلى إعادة تشكيل طرق انتقال الطاقة بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك الموارد القادمة من منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى. ومن ثم، يمكن أن يكتسب تطور التعاون الأمني التركي مع دول المنظمة أهمية إضافية إذا امتد إلى حماية منشآت الطاقة وخطوط النقل وممرات العبور المرتبطة بها. ويصبح اقتران الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة بالتعاون الأمني والعسكري مؤشرا يستحق المتابعة المصرية، لأنه قد يعيد توزيع بعض مراكز الثقل في أمن الطاقة الأوراسي، ويؤثر في حسابات تركيا وروسيا وإيران ودول آسيا الوسطى. وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية للقاهرة بالنظر إلى دورها في أسواق الغاز والطاقة في شرق المتوسط، وارتباط أمن الطاقة الأوروبي بتنوع مصادر الإمداد ومساراته.

9- تحول منظمة الدول التركية إلى ممر رقمي: يشكل البعد الرقمي أحد أكثر المؤشرات قدرة على كشف طبيعة التحول الجاري، لأن الممرات الحديثة لم تعد تقتصر على الطرق والموانئ، بل تشمل الكابلات ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات وأنظمة التتبع وإدارة حركة التجارة. ومن ثم، ينبغي لمصر مراقبة ما إذا كان التعاون داخل منظمة الدول التركية سيتجه إلى تطوير ترتيبات لحماية البنية الرقمية المصاحبة للممر الأوسط، بما في ذلك أمن الكابلات العابرة للحدود، ومراكز البيانات، وأنظمة إدارة النقل، وشبكات الاتصالات المرتبطة بالموانئ والمطارات والسكك الحديدية. وإذا اقترن هذا المسار بتعاون تركي–آسيوي في الأمن السيبراني وتبادل المعلومات وحماية البنية التحتية الحيوية، فقد يشير ذلك إلى نشوء ممر رقمي داعم للممر التجاري.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء هذا التحول، تتباين المسارات المحتملة للعلاقة الأمنية بين تركيا ودول منظمة الدول التركية. وتكتسب هذه المسارات أهمية خاصة من المنظور المصري، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على حركة التجارة والطاقة والاتصالات والبنية التحتية الاستراتيجية وموقع مصر في خرائط الربط الإقليمي. ويمكن في هذا السياق تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول – التحالف الوظيفي

يفترض هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحا، انتقال التعاون بين تركيا ودول منظمة الدول التركية من تدريبات واتفاقات منفصلة إلى شبكة أمنية عملية تتكون تدريجيا من تبادل المعلومات، والتدريب المشترك، وقابلية التشغيل البيني، واتفاقات الحركة العسكرية، وحماية البنية التحتية، والاستجابة للتهديدات الهجينة.

وفي هذا السيناريو، قد لا تعلن الدول الأعضاء إنشاء تحالف دفاعي، لكنها تكون قد بنت عددا متزايدا من وظائف التحالف. ويصبح الممر الأوسط في هذه الحالة أكثر من طريق تجاري، ليتحول إلى العمود الجغرافي الذي يربط تركيا بالقوقاز وآسيا الوسطى، بينما توفر الترتيبات الأمنية والعسكرية منظومة لحماية نشاطه.

وقد تواجه مصر في هذا الإطار بيئة إقليمية تتشكل فيها مراكز جديدة للتحكم في تدفقات التجارة والطاقة والبيانات بين آسيا وأوروبا. ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع أهمية قناة السويس في الملاحة العالمية، لكنه يعني أن قيمة القناة ستتحدد بدرجة أكبر في إطار منافسة بين شبكات متعددة من الممرات.

السيناريو الثاني – التعاون التقليدي

تظل منظمة الدول التركية، وفق هذا السيناريو المحتمل، إطارا لتنسيق المصالح بين الدول الأعضاء، مع توسع المناورات والتدريبات والتعاون الأمني، ولكن من دون الانتقال إلى التزامات دفاعية أو ترتيبات عسكرية ملزمة.

وتظل دول آسيا الوسطى، وخاصة كازاخستان وأوزبكستان، حريصة على تنويع شراكاتها بين تركيا وروسيا والصين والغرب، بما يجعل التعاون التركي جزءا من سياسة تعدد الاتجاهات وليس نواة لتحالف دفاعي. ويتماشى هذا السيناريو مع استراتيجية دول آسيا الوسطى في التعامل مع الانخراط التركي بوصفه مكملا لشراكاتها الأخرى.

ويظل انعكاس هذا السيناريو على الأمن القومي المصري محدودا نسبيا، لكن ذلك لا يمنع استمرار صعود تركيا فاعلا أمنيا واقتصاديا في آسيا الوسطى، بما يستدعي استمرار الرصد المصري لتأثير ذلك في الطاقة والممرات والتجارة والدفاع.

السيناريو الثالث – تشكيل بنية أمنية أوراسية جديدة

يتحقق هذا السيناريو، المستبعد على المدى المنظور، إذا تجاوز التعاون بين أعضاء منظمة الدول التركية مرحلة التشغيل البيني إلى إنشاء آليات مؤسسية للاستجابة المشتركة، أو ترتيبات دفاعية أكثر وضوحا، أو اتفاقات متعددة الأطراف للتعاون العسكري، أو آليات أمنية دائمة مرتبطة بالمنظمة.

ويظل هذا السيناريو الأكثر تطلبا من حيث المؤشرات اللازمة لتحققه؛ فلا توجد في التطورات الحالية أدلة كافية على وجود نية لتدشين تحالف دفاعي رسمي، كما تحتفظ دول آسيا الوسطى بعلاقات أمنية واستراتيجية مع قوى إقليمية ودولية متعددة.

ومن المنظور المصري، سيظهر تأثير هذا السيناريو، حال حدوثه، بصورة غير مباشرة من خلال إعادة تشكيل توازنات أوراسيا، وعلاقات تركيا مع روسيا والصين وإيران، وخرائط الطاقة والنقل والاتصال الرقمي، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر عبر تغير حسابات القوى الإقليمية في المنطقة.

الخاتمة

لا تسمح التطورات الراهنة، حتى الآن، بالقول إن منظمة الدول التركية بصدد إنشاء حلف عسكري، أو إن الممر الأوسط أصبح ممرا ذا وظيفة عسكرية. لكنها تبرر طرح سؤال أكثر دقة في إطار الإنذار المبكر: ماذا يحدث عندما تتراكم، في المجال الجغرافي نفسه، بنية نقل استراتيجية، واستثمارات لوجستية، وتبادل للمعلومات، وتدريبات عسكرية، واتفاقات للعبور العسكري؟

ينقل هذا السؤال الإشكالية من دراسة قوة تركيا في آسيا الوسطى إلى دراسة قدرتها على ربط النفوذ السياسي بالقدرة اللوجستية والأمنية. كما تصبح قيمة الممر الأوسط بالنسبة إلى مصر أكبر من كونه طريقا منافسا لقناة السويس، لأنه قد يتحول إلى جزء من إعادة تعريف مفهوم الأمن اللوجستي لسلاسل الإمداد العالمية.

ومن ثم، لا ينبغي لمنظومة الإنذار المبكر المصرية انتظار إعلان تحالف تركي–آسيوي، بل مراقبة الوظائف التي قد تسبق هذا الإعلان. فإذا بدأت هذه المؤشرات في التراكم داخل منظمة الدول التركية، فقد يتحول المجال الممتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى إلى شبكة مترابطة من التجارة والاتصال والأمن.

ويقتضي ذلك من القاهرة إعادة تعريف منهج متابعة الممرات الاستراتيجية، بحيث ينتقل من رصد حجم التجارة فقط إلى متابعة قدرة تلك الممرات على الصمود، ومستوى أمنها ورقمنتها، وقابليتها للاستخدام المزدوج، وصلتها بالبنية الأمنية للدول التي تمر بها. وبذلك، قد لا تحسم المنافسة المستقبلية بين الممرات الاستراتيجية بمن يملك الطريق الأقصر فقط، بل بمن يستطيع جعل الطريق أكثر اتصالا وأمنا وقدرة على الاستمرار خلال الأزمات.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع