إستراتيجيات عسكريةتقدير موقف

حين يخطئ القائد فهم طبيعة الحرب.. تتحول القوة إلى عبء

نظرة مختلفة على الحرب الإيرانية بعد يوم من تمام شهرها الأول


  • 1 أبريل 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: euronews

إن النظرة إلى الحرب الإيرانية في بداية شهرها الثاني، من نافذة مراقب قابع بجوار الكرملين، تجعلها لا تبدو مواجهة عسكرية تقليدية بين واشنطن وطهران، ولا حتى فصلًا جديدًا من الصراع الأمريكي الإسرائيلي ضد محور المقاومة.

قيل في الأثر السياسي إن رجل الدولة يجب أن يفهم طبيعة الحرب التي يدخلها، وإلا كانت العواقب كارثية. وفي هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا الكلام، اليوم الاثنين 30 مارس 2026، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقرب إلى التصعيد مع إيران منه إلى التراجع.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يُطرح في كل مكان الآن، وهو: هل ستقع عملية برية أم لا؟ ليس هو الذي يدور في خلدي، ولكن ما يشغل رأسي الآن هو السؤال: هل أخطأ ترامب بالفعل في تقدير طبيعة هذه الحرب؟ وهل هو مفصول عن الواقع إلى هذه الدرجة؟

ففي أحدث تصعيد خطابي، كتب ترامب منذ حوالي ساعة تقريبًا على منصته الخاصة “تروث سوشيال” ما يلي: “إذا لم توافق إيران على الصفقة، فسوف ننهي وجودنا الرائع في إيران بتفجير وتدمير جميع محطات الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج بالكامل. وسيكون ذلك انتقامًا لجنودنا العديدين”.

أعترف أني مصاب بحيرة في كيفية تفسير هذا التصريح، فهل أنظر إليه على أنه مجرد تهديد عسكري جديد ومتكرر من ترامب كالتي تعودنا عليها، أم أنه يخبرنا أن الرجل يبحث عن منطق إدارة الحرب الخاسرة، وفق كل المؤشرات حتى الآن، من زاوية صورة النصر الذي يتخيله هو شخصيًا؟

فالواقع يقول إن الإدارة الأمريكية تواجه معضلة عويصة الآن، فهي لا يمكنها الخروج من هذه المواجهة دون أن تقدم نتيجة قابلة للتسويق سياسيًا، حتى لو كانت هذه النتيجة من الناحية الميدانية ضعيفة ومحدودة.

ومشكلة ترامب وإدارته الآن أن هذا المنطق يصطدم بواقع مختلف تمامًا، فكل مؤشرات وبيانات ومعطيات حرب إيران وموقف القيادة الإيرانية لا تسمح لهم، بحال، بتحقيق نصر نظيف، فضلًا عن كونه سريعًا على الطريقة التي اعتاد عليها ترامب في انتصاراته التسع أو العشر أو الأحد عشر السابقة، وفقًا لاعتقاده وقناعته هو وزمرته طبعًا.

أقول هذا الكلام لأن الرد الإيراني على كلام ترامب، وخطته التي سبقت كلامه وتم تسليمها إلى الجانب الإيراني عبر الوسطاء وتشمل 15 بندًا، جاء قطعيًا وواضحًا ومباشرًا، حيث صرّح إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، قائلًا إن الخطة الأمريكية غير واقعية، وأكد أن الوثائق التي تسلمها الإيرانيون عبر الوسطاء تحتوي على شروط مبالغ فيها وغير مبررة.

وهذا الكلام يعني ببساطة أن خطة ترامب تطالب الإيرانيين باستسلام غير مشروط، وهو ما لا يمكن، من وجهة النظر الموضوعية، قبوله بالنسبة للإيرانيين بعد كل الضربات التي تعرضوا لها ولا يزالون يتعرضون لها.

بقائي أكد، في الوقت نفسه، أن إيران لا تشارك في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وأن المحادثات التي تديرها أطراف مثل باكستان لا تمثل طهران. فضلًا عن ذلك، أضاف متحدث الخارجية الإيرانية أن على الدول التي تدعو إلى التهدئة أن تتذكر “من الذي بدأ هذا الصراع”.

بلا شك، رد إيران على لسان المتحدث باسم خارجيتها يعكس موقفًا محددًا يقول إن طهران لا ترى نفسها في موقع الطرف الذي يجب أن يقدم تنازلات لإنقاذ واشنطن من مأزقها السياسي.

ومع ذلك، ورغم التصعيد اللفظي، فإن السيناريو الواقعي للعمليات القادمة، وبناءً على ما تقوله لنا المعطيات العسكرية المتاحة، هو أنه لن يحدث غزو شامل لإيران، لأن الولايات المتحدة لا تملك، بل وعلى الأرجح لا تسعى، إلى هذا الغزو الشامل. وما أقصده أن البيانات الخاصة بالقدرات العسكرية الأمريكية المتاحة في الوقت الحالي في المنطقة لا تقارن بحشد حرب العراق عام 2003.

وهذه المعطيات تجعل السيناريو الأكثر واقعية هو عمليات محدودة تشمل إنزالًا موضعيًا في مواقع محددة، ترافقها ضربات مركزة، ثم انسحاب سريع. هذا ما يقوله الخبراء العسكريون في قراءتهم المعقولة للسيناريو المحتمل في رأس قيادات البنتاغون.

أحد السيناريوهات التي قُتلت تحليلًا وتناولًا خلال الفترة الأخيرة في كل وسائل الإعلام العالمية هو استهداف جزيرة خرج، خاصة أنه تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيراني. لكن مع ذلك، وحسبما فهمته من تعليقات خبراء عسكريين محترمين، فإن هذا الخيار يطرح إشكاليات واضحة، أهمها أن قرب هذه الجزيرة من الساحل الإيراني يجعلها عرضة للنيران المباشرة، وهذا معناه أن الإنزال عليها سيكون بمثابة انتحار للجنود الذين سيتم إنزالهم. ونقطة أخرى مهمة، وهي أنه حتى لو افترضنا تحقق السيطرة الأمريكية عليها، فإن هذا لا يعني، بحال، السيطرة على مضيق هرمز. والأخطر في هذا السياق أنها قد تتحول إلى نقطة استنزاف بدلًا من ورقة ضغط.

وإذا تحدثنا عن الاستعدادات الإيرانية والقدرات المتاحة لدى طهران، فحسب البيانات المتاحة، تعتمد إيران على منظومة دفاع تقليدية تشمل شبكة الجزر الاستراتيجية، مثل قشم ولارك وأبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. كما أنها لا تزال تحتفظ بصواريخ ساحلية مضادة للسفن، ولديها قدرات لتنفيذ ما يُعرف بتكتيكات الهجمات السربية، فضلًا عن القدرة على خلق تهديد دائم للملاحة.

بالطبع، هذه القدرات الإيرانية، حسبما يقول الخبراء العسكريون، لا تهدف إلى تحقيق نصر تقليدي، فهي غير كافية على الإطلاق لذلك، لكنها بلا شك تفرض معادلة مهمة، وهي رفع الكلفة إلى مستوى يستحيل معه تحقيق الطرف الآخر الحسم السريع في الحرب.

وبالتالي، وبناءً على ما تقدم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه الحالة في الغزو الشامل، ولكن في سلسلة العمليات المحدودة التي قد تتراكم لتصبح أزمة أكبر. بمعنى أن ما يقوم به الجانب الأمريكي من مواصلة توجيه ضربات محدودة، كانت تأتي عليها ردود إيرانية مناسبة، قد يتحول قريبًا جدًا إلى توسيع في نطاق الاستهداف، وفقًا لتهديدات ترامب بضرب البنية التحتية للطاقة بالكامل، فترد إيران بتعطيل الملاحة بالكامل.

والخطورة هنا أن تتحول الحرب من قرار سياسي إلى عملية ديناميكية متسلسلة يصعب التحكم فيها.

إذن، أين الخطأ الحقيقي؟

الخطأ الحقيقي، في رأيي، لا يتعلق بالقوة العسكرية الأمريكية، وإنما بطريقة فهم الحرب. بمعنى أن افتراض ترامب، بناءً على ما يقنعه به وزير الحرب بيت هيغست أو جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، فيما يبدو، بأن الضربات المحدودة يمكن أن تنتج نصرًا سريعًا، يتجاهل عدة حقائق مهمة وموضوعية، أهمها أن إيران نفسها لا تحتاج إلى الانتصار في الحرب، بل إلى الصمود أمام القوة الأمريكية.

ونقطة أخرى مهمة، وهي أن مضيق هرمز لا يحتاج إلى إغلاق كامل، بل إلى رفع مستوى ومعدل المخاطر، وهذا ما تخبرنا به خبرة الشهر الأول من الحرب. والأهم من ذلك كله أن هذه الحرب لا تُحسم، ولن تُحسم، بالقوة العسكرية وحدها، بل بتوازن الإرادات وحسابات المستقبل.

وبالتالي، فإن المشكلة هنا ليست في خوض الحرب ومواصلتها، بل في فهم طبيعتها. وبناءً عليه، فما بين تهديدات ترامب ورفض طهران الانصياع، يتشكل أمام ناظرنا مشهد لا يشبه الحروب التقليدية.

فترامب يسعى إلى تحقيق نصر يمكن تسويقه بعد إقدامه على هذه الخطوة دون مشورة، وخامنئي الابن مصمم على منع هذا النصر من التحقق.

لكن بين الاثنين، ترامب ومجتبى، يكمن خطر أكبر.. أن تبدأ الحرب كما بدأت كعملية محدودة.. وتنتهي كأزمة لا يسع ولا يستطيع أي طرف منهما إيقافها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع