مقالات المركز

نتنياهو يراهن على الحرب للبقاء في السلطة.. هل تنقلب العقيدة الأمنية عليه؟


  • 22 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

أثارت عقيدة الأمن القومي الجديدة التي كشف عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انقسامات سياسية متصاعدة داخل إسرائيل، وسلطت الضوء على التحولات في الاصطفافات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط. فالوثيقة، التي عرضت في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، تدعو إلى تنفيذ ضربات عسكرية استباقية، وتوسيع المناطق العازلة، والحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي. لكن بدلا من ترسيخ توافق واسع حول الأمن القومي، أثارت انتقادات حادة من قادة المعارضة، الذين يتهمون نتنياهو باستبدال الاستراتيجية المتماسكة بالشعارات السياسية.

وبعيدا عن الجدل الداخلي، أثارت خريطة جيوسياسية عرضت خلال تقديم نتنياهو للوثيقة تساؤلات بشأن نظرة إسرائيل إلى التحالفات الإقليمية وتكتلات القوى الناشئة. فقد صنفت الخريطة تركيا ومصر والسعودية وباكستان ضمن مجموعة أطلقت عليها اسم “الماسة السنية”، بينما وضعت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة ضمن اصطفاف استراتيجي منفصل. وتعكس هذه التصنيفات تعقيد العلاقات بين القوى الإقليمية، حيث لا تعني العلاقات الدبلوماسية الرسمية بالضرورة وجود أولويات أمنية مشتركة.

ولا يقل توقيت الإعلان أهمية عن مضمونه، مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، في ظل استطلاعات رأي لا تظهر مسارا واضحا نحو تشكيل أغلبية حاكمة. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأييده العلني لنتنياهو، الذي يواجه ضغوطا متزايدة لإثبات قدرة سياساته الأمنية على تحقيق نتائج مستدامة.

عقيدة أمنية جديدة تضع إيران في صدارة الأولويات

عرض نتنياهو رؤيته للأمن القومي خلال إحاطة أمنية في القدس، كاشفا عن وثيقة وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها الأولى من نوعها منذ نحو عقد. وتتألف الوثيقة من ثلاث صفحات، بما فيها الغلاف، وتتضمن عشرة مبادئ أساسية، وتضع إيران في مقدمة التهديدات التي تواجه الأمن الإسرائيلي.

وبموجب هذه العقيدة، يتعين على إسرائيل الحفاظ على قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية استباقية كلما رأت قيادتها أن ذلك ضروري. وأشار نتنياهو إلى إمكانية استهداف البرنامج النووي الإيراني بصورة مستقلة، حتى في غياب الدعم الأمريكي أو التنسيق المسبق مع واشنطن.

ولتسويغ هذا النهج، صور نتنياهو هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي قادته حركة حماس، باعتباره نقطة تحول أجبرت إسرائيل على مواجهة تهديد إقليمي أوسع. وادعى أن العمليات العسكرية الممتدة من غزة إلى اليمن، ومن لبنان إلى إيران، أضعفت الشبكة التي تقودها طهران، وقلصت ما وصفه بالتهديد النووي الوشيك.

الخريطة الجيوسياسية تكشف عن اصطفافات إقليمية متنافسة

تقسم الخريطة التي استندت إلى أبحاث مارك ساكسر وماركوس شنايدر، ونشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في 19 مايو (أيار) 2026، دول المنطقة والجهات الفاعلة من غير الدول إلى عدة مجموعات جيوسياسية.

وتتمثل أبرز سماتها في الفصل بين ما يسمى “الماسة السنية” والاصطفاف الإسرائيلي الإماراتي. فعلى الرغم من احتفاظ تركيا ومصر بعلاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، تضعهما الخريطة ضمن مجموعة منفصلة عن الدول التي تصنف باعتبارها أقرب الشركاء الاستراتيجيين لإسرائيل.

وتظهر المجموعة الأولى، التي أطلق عليها اسم “الماسة السنية”، باللون الأخضر، وتضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان. أما التظليل الأخضر الفاتح، فيشير إلى دول تصور باعتبارها متحالفة مع هذه المجموعة أو قريبة منها، وتشمل السودان وسوريا والأردن ولبنان وإريتريا وجيبوتي والصومال.

في المقابل، تظهر المجموعة الثانية، التي وصفها نتنياهو باسم “تحالف السداسي”، باللون الأزرق، وتضم إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقبرص واليونان والهند.

وتستخدم الخريطة أيضا تظليلا أزرق بنقوش خاصة لتحديد جهات مسلحة ومناطق جغرافية تصور باعتبارها قريبة من الاصطفاف الإسرائيلي الإماراتي. وتشمل هذه الجهات قوات الدعم السريع في أجزاء من السودان، والقوات الموالية لخليفة حفتر في ليبيا، وأطرافا فاعلة في جنوب اليمن، وكيانات في أرض الصومال. وتظهر إثيوبيا باللون الأزرق الفاتح، باعتبارها دولة صديقة لإسرائيل والإمارات.

أما المجموعة الثالثة، فتظهر باللون الأحمر، وتشمل إيران وعددا من التنظيمات المسلحة المرتبطة بطهران، من بينها حزب الله في لبنان، وحركة أنصار الله الحوثية في اليمن، ومجموعات مسلحة تنشط في العراق وسوريا.

قادة المعارضة يشككون في مصداقية نتنياهو الاستراتيجية

أثار نشر الوثيقة انتقادات فورية من شخصيات بارزة في المعارضة، أبرزها يائير لابيد وغادي آيزنكوت، اللذان اعتبرا أنها تفتقر إلى استراتيجية حقيقية ومتكاملة للأمن القومي.

ووصف لابيد الوثيقة، في منشور على منصة إكس، بأنها سطحية وغير مألوفة، مشبها مستواها الظاهر بما قد ينتجه إصدار مجاني من روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي. ورأى أنها أخفقت في معالجة التحديات الأمنية الأساسية التي تواجه إسرائيل، وحاولت بدلا من ذلك التغطية على إخفاقات الحكومة.

وانتقد لابيد أيضا رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وفشله في توسيع اتفاقيات التطبيع، إلى جانب السياسات التي يرى أنها ألحقت الضرر بمكانة إسرائيل الدولية وعمقت الانقسامات الداخلية.

ومن بين اعتراضاته دعم الحكومة لترتيبات تسمح للرجال اليهود المتشددين دينيا بتجنب الخدمة العسكرية. واعتبر لابيد أن هذه السياسة تتناقض مع تأكيد العقيدة الجديدة أهمية الصمود الوطني والقوة العسكرية.

أما آيزنكوت، فقدم تقييما لا يقل حدة، واصفا الوثيقة بأنها لا تعدو كونها صفحات فارغة محشوة بالشعارات. ورأى أن نشرها قبل تسعة أيام فقط من الانتخابات، وبعد نحو ثلاث سنوات من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، يمثل محاولة لصرف انتباه الجمهور عن سجل الحكومة وأدائها.

واتهم نتنياهو بالفشل في تحقيق أهداف رئيسية خلال الحرب، من بينها تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس، وإضعاف حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وردع حزب الله، والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية المحتلة، وصون الوحدة الداخلية الإسرائيلية.

كذلك، انتقد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان طبيعة العلاقة السياسية بين نتنياهو وترمب، قائلا إن من الملائم للرئيس الأمريكي أن يحكم إسرائيل من خلال رئيس وزراء وصفه بأنه “دمية”.

وتشير هذه الانتقادات مجتمعة إلى أن الخلاف يتجاوز صياغة وثيقة للأمن القومي، ليرتبط بقيادة نتنياهو، وطريقة تعامله مع إخفاقات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ومدى نجاح النهج العسكري الإسرائيلي في تحقيق أمن مستدام.

ومع تصوير المعارضة للعقيدة الجديدة باعتبارها محاولة للتهرب من المساءلة، تحولت الانتخابات المقبلة إلى اختبار حاسم لقدرة نتنياهو على إقناع الناخبين بأن استمرار قيادته لا يزال ضرورة للأمن الإسرائيلي.

تأييد ترمب في مواجهة مشهد انتخابي غير محسوم

تزايدت التحديات السياسية أمام نتنياهو في ظل استطلاعات رأي تشير إلى أن أيا من المعسكرين السياسيين الرئيسيين لم يضمن طريقا واضحا للحصول على الأغلبية البرلمانية.

ووفقا لاستطلاع أوردته هيئة البث الإسرائيلية العامة، تراجع عدد المقاعد المتوقع حصول معسكر نتنياهو عليها من 53 إلى 51 مقعدا، بينما ارتفع عدد المقاعد المتوقعة لمعسكر المعارضة المرتبط بآيزنكوت من 50 إلى 52 مقعدا. وبذلك، لن يتمكن أي من الطرفين من بلوغ عتبة 61 مقعدا اللازمة لتشكيل حكومة أغلبية في الكنيست، المؤلف من 120 عضوا.

وأظهر الاستطلاع نفسه تقدم آيزنكوت على نتنياهو باعتباره المرشح المفضل لرئاسة الحكومة، بحصوله على تأييد 43% من المستطلعين، مقابل 35% لنتنياهو. وبحسب المعطيات المتداولة، تراجعت نسبة تأييد الأخير من 38% في استطلاع الأسبوع السابق.

وفي ظل هذه المعطيات، أعلن ترمب تأييده الكامل لسعي نتنياهو إلى الفوز بولاية جديدة. ففي رسالة نشرها على منصة تروث سوشيال، أشاد الرئيس الأمريكي بالزعيم الإسرائيلي، واصفا إياه بالقوي والشجاع والصامد، وقدمه باعتباره شريكا في زمن الحرب واجه معارضة داخلية كبيرة.

وأشاد ترمب أيضا بتعاون نتنياهو مع واشنطن خلال العمليات العسكرية ضد إيران، ووجه نداء صريحا إلى الناخبين الإسرائيليين لدعم استمرار قيادته.

لكن موقف الرأي العام الإسرائيلي من ترمب أصبح أكثر تعقيدا في ظل الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. وفي الوقت نفسه، أثارت الحرب التي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل جدلا دوليا واسعا واضطرابات اقتصادية.

ويبرز التناقض في سعي ترمب إلى تعزيز موقع نتنياهو السياسي، بينما تواصل المعارضة الإسرائيلية التأكيد أن سياسات رئيس الوزراء الأمنية أخفقت في تحقيق النتائج التي وعد بها. ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة لأن أكثر تعهدات العقيدة الجديدة طموحا تتعلق بإيران، وهي القضية التي تقع في قلب المواجهة الإقليمية الأخيرة.

طهران تحذر من هجوم إسرائيلي جديد

رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على إعلان نتنياهو أن إسرائيل قد تتحرك بصورة مستقلة عن واشنطن، محذرا من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة.

وفي منشور على منصة إكس، قال عراقجي إن إيران خرجت من المواجهة السابقة أكثر قوة، محذرا من أن لدى طهران بدورها حسابات لم تحسم بعد. واتهم نتنياهو بمحاولة جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة بهدف حماية مستقبله السياسي، بغض النظر عن العواقب التي قد تترتب على إسرائيل أو على الرئيس الأمريكي.

وبالنسبة إلى إسرائيل، يظل البرنامج النووي الإيراني وقدرات الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في صلب المخاوف الأمنية. أما بالنسبة إلى إيران، فإن احتمال تعرضها لهجوم إسرائيلي جديد يمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

وتترك هذه المواقف المتعارضة هامشا ضيقا لبناء الثقة، ما لم يستأنف الانخراط الدبلوماسي أو يجري التوصل إلى تفاهم إقليمي أوسع.

وتكشف هذه المواجهة أيضا عن تناقض محتمل في استراتيجية نتنياهو. فالسعي إلى حرية التحرك العسكري قد يعزز قدرة إسرائيل على الرد على التهديدات التي تراها قائمة، لكن العمل دون تنسيق مع الولايات المتحدة قد يعقد العلاقات مع واشنطن ويرفع احتمالات اتساع نطاق الصراع.

عقيدة تواجه اختبارها السياسي الأول

تطرح عقيدة نتنياهو للأمن القومي رؤية تقوم على التفوق العسكري، والضربات الاستباقية، واحتواء إيران وشركائها الإقليميين. غير أن الجدل الذي رافق الإعلان عنها يوضح أن النقاش الأمني الإسرائيلي لا يمكن فصله عن قضايا المساءلة السياسية والشرعية الدولية، ومدى القدرة على تحمل مواجهة عسكرية طويلة الأمد.

وقد تحدد انتخابات 27 أكتوبر (تشرين الأول) ما إذا كان نتنياهو سيحتفظ بالسلطة السياسية اللازمة لتنفيذ رؤيته.

لكن التهديد الذي يواجه الأمن الإسرائيلي يرتبط أيضا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية، فضلا عن مرتفعات الجولان السورية والوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب سوريا وجنوب لبنان. ولا تتناول عقيدة نتنياهو الجديدة الأسباب الجذرية التي تحول دون تحقيق سلام مستدام، وتبقي المجتمع الإسرائيلي في مواجهة مخاوف أمنية متواصلة.

ويتمثل السبيل الأساسي لضمان السلام في إسرائيل في إنهاء الاحتلال، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة. وتعد هذه الخطوة ضرورية لمعالجة العوامل التي تستند إليها إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بمحور المقاومة في تبرير استمرار المواجهة العسكرية.

فإنهاء الاحتلال من شأنه أن يضعف المبررات السياسية والعسكرية لاستمرار المقاومة المسلحة، ويفتح المجال أمام ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقرارا.

وفي نهاية المطاف، لن يتحقق السلام المستدام في الشرق الأوسط من خلال التفوق العسكري وحده، بل عبر معالجة جذور الصراع وإرساء تسوية تقوم على العدالة واحترام السيادة والحقوق الوطنية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع