تقدير موقف

كيف تدير مصر وروسيا التوازن بين حرب إيران ومحاولات إعادة تشكيل الإقليم؟

موسكو والقاهرة في لحظة الخطر


  • 5 أبريل 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: kommersant

جاءت زيارة وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي إلى موسكو يومي 2 و3 أبريل (نيسان) 2026 كمحطة مهمة، ليس فقط في سياق العلاقات الثنائية المتطورة بين البلدين، ولكن أيضًا باعتبارها تحركًا مصريًا مهمًا في لحظة إقليمية حرجة تتقاطع فيها حسابات الحرب والسياسة والاقتصاد.

وبنظرة موضوعية على جدول اللقاءات المكثفة للوزير المصري خلال هذه المدة القصيرة جدًا لوجوده في العاصمة الروسية، بدءًا باستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين له في الكرملين، إلى لقائه مع سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، إلى اجتماعه بنائب رئيس الحكومة الروسي أليكسي أوفيرتشوك، المشرف على الملفات الاقتصادية في الحكومة الروسية، فضلًا عن استقبال رئيس مجلس الدوما (الغرفة الأدنى للبرلمان الروسي) فياتشيسلاف فولودين له في المجلس، ووصولًا إلى عقده لقاءً مهمًا مع ممثلي مراكز الفكر الروسية الرئيسية، ولقاء مع كبريات الشركات الروسية التي تعتزم فتح مصانع في المنطقة الصناعية الروسية التي سيتم إنشاؤها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،

أقول إن كل هذه اللقاءات المكثفة والدسمة من حيث الموضوعات العملية التي تناولتها، تكشف بوضوح أن الزيارة صُممت كمنصة شاملة لإدارة ملفات متعددة الأبعاد، فضلًا عن وضع أزمة الإقليم الملحة الآن على رأس شقها السياسي. فقد كان عنوانها الأبرز، والذي أستقيه من التصريحات الرسمية الصادرة خلالها، هو الحرب الإيرانية، لكن جوهرها هو محاولة ضبط توازنات الشرق الأوسط في ظل مخاطر انفلات الأمور.

في الكرملين، سلّم عبد العاطي رسالة خطية من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لكن الحديث بين الرئيس الروسي والوزير المصري لم يكن مقتصرًا على التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، بل امتد إلى شرح موقع مصر داخل الاستراتيجية الروسية الأوسع.

فقد أكد بوتين تأييد روسيا لفكرة إنشاء مركز إقليمي للحبوب والطاقة في مصر، بالتوازي مع التزام بلاده بتسريع العمل في إنشاء المنطقة الصناعية الروسية في منطقة قناة السويس، فضلًا عن مشروع الضبعة النووي. وهذا بلا شك يعكس توجهًا روسيًا لربط الأمن الإقليمي بالبنية الاقتصادية المهمة وعدم الفصل بينها.

وفي هذا السياق، لم تعد مصر مجرد شريك تقليدي لروسيا، وإنما تلعب القاهرة دورًا مهمًا باعتبارها مركزًا لوجستيًا واستراتيجيًا يستطيع تقديم بديل حقيقي ومستقر في إطار إعادة توجيه التدفقات التجارية الروسية نحو الجنوب العالمي.

إن هذا الإدماج بين الأمن والاقتصاد هو المفتاح لفهم السلوك الروسي في منطقة الشرق الأوسط، فموسكو التي تخوض مواجهة ممتدة مع الغرب في أوكرانيا، لا تملك ترف الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بإعادة تشكيل الإقليم وفق ترتيبات تستبعدها، أي روسيا، أو تهدف إلى إضعاف حلفائها.

ومن هنا يمكن فهم استقبال الوزير المصري بهذا المستوى الرفيع والكثافة، والذي يعكس بلا جدال إدراكًا روسيًا واضحًا بأن القاهرة تمثل شريكًا قادرًا على أداء أدوار مهمة وفاعلة ومركبة؛ فهي وسيط سياسي موثوق ويُعتمد عليه، وهي أيضًا منصة اقتصادية تستطيع تلبية المصالح ذات المنفعة المتبادلة لكل الأطراف باستقلالية وبراغماتية.

أما لقاء عبد العاطي مع سكرتير مجلس الأمن الحالي ووزير الدفاع الروسي السابق شويغو، فقد شكّل الواجهة العلنية لهذا التلاقي في المصالح. والرسالة هنا واضحة ومباشرة: مطالب روسية مصرية مشتركة بوقف فوري لأعمال القتال والعودة إلى المسار السياسي وضمان أمن جميع دول المنطقة بلا استثناء.

وهذه الصياغة للمواقف تعكس تقاطعًا دقيقًا بين المقاربتين المصرية والروسية، واللتين قد تبدوان مختلفتين ظاهريًا. فروسيا تطرح مفهوم الأمن المتكافئ في مواجهة ما تعتبره إجراءات وترتيبات انتقائية، بينما تركز مصر على منع اتساع الحرب وتطالب بحماية البنية الاقتصادية للإقليم، من منشآت الطاقة إلى الممرات البحرية.

لكن إذا نظرنا في العمق، فسنجد أن الطرفين يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي رفض الانزلاق إلى حرب شاملة في الإقليم لا يمكن التحكم في تداعياتها. وهذا، في رأيي، هو تحدي اللحظة الراهنة الأهم على الإطلاق.

ونقطة مهمة في هذا السياق، وهي أن هذا التقاطع بين الموقفين لم يقتصر على السياسة، بل امتد أيضًا إلى الاقتصاد، والأهم إلى التنفيذ العملي. فلقاء الوزير المصري مع نائب رئيس الحكومة الروسي أليكسي أوفيرتشوك كشف عن توجه مشترك بين البلدين لتسريع المشروعات المشتركة، وعلى رأسها المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس.

وهذا المشروع سوف يعزز موقع مصر ليس كمركز تخزين، بل كمركز إنتاج وإعادة تصدير، وبالتالي سيفتح آفاقًا اقتصادية مهمة بالنسبة للقاهرة.

أما لقاء عبد العاطي مع فياتشيسلاف فولودين، رئيس مجلس الدوما، فقد جاء ليضفي طابعًا مؤسسيًا على هذه الشراكة، وجعل مساعي تفعيلها تنتقل إلى المسار العملي، حيث المصاحبة التشريعية اللازمة، والأهم أن ذلك يعكس محاولة واضحة لتثبيتها، أي الشراكة بكل مناحيها، ضمن أطر طويلة المدى تستند إلى تشريعات البلدين، وبالتالي يحميها ذلك من تقلبات اللحظة السياسية.

لكن أحد أكثر جوانب الزيارة دلالة، في رأيي الشخصي وانطلاقًا من خلفيتي الأكاديمية والمهنية، تمثل في حرص الوزير المصري على لقاء مراكز الفكر الروسية ليسمع منها ويتحدث إليها بشكل مباشر، أي من المصدر الأول كما يُقال، وليس الاعتماد على ما يُقدم له ليقرأه عن الموقف المصري. وما أقصده أن النقاشات التي أجراها الوزير المصري في يوم حافل في العاصمة الروسية لم تكن فنية تقنية فقط، بل مفاهيمية أيضًا.

فقد استغل الوزير هذه الفرصة ليعرض رؤية القاهرة لسياستها الخارجية التي تقوم على الاتزان ورفض الاستقطاب، وقد ربط الوزير ذلك، بذكاء وحنكة، مباشرة بجهود القاهرة لخفض التصعيد.

في الوقت نفسه، نجح عبد العاطي خلال لقائه مع رؤساء وممثلي الشركات الروسية، وكان عددهم كبيرًا، في تقديم مصر كبيئة مستقرة يمكنها أن تستوعب استثمارات روسية متنوعة وكبيرة في لحظة تبحث فيها موسكو عن منافذ بديلة، وترى الشركات الروسية التي تمثل قطاع الأعمال ورأس المال ما يحدث من عدم استقرار في بيئات مجاورة.

وهذا الجمع بين الخطاب السياسي والطرح الاقتصادي يعكس إدراكًا مصريًا واعيًا لطبيعة المرحلة، فالوساطة وحدها لا تكفي، في رأيي، بل يجب أن تُدعم بأدوات نفوذ ملموسة.

وبتصفحي للصحافة الروسية وما كتبته عن الزيارة في إطار إعدادي لكتابة هذا المقال، وجدتها التقطت هذه الأبعاد، وإن بدرجات متفاوتة. بعض المعالجات ركزت على البعد الاقتصادي، معتبرة أن مصر تمثل فرصة لروسيا لإعادة تموضع تجارتها واستثماراتها.

والأخرى أبرزت البعد السياسي للزيارة، حيث أشارت إلى أن القاهرة توفر قناة تواصل واتصال مهمة في ظل تعقيد المشهد الإقليمي على خلفية تسارع الأحداث. وفي الخلفية ظهرت قراءة أوسع تعتبر أن الحرب ضد إيران تعيد رسم أولويات القوى الكبرى، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام أدوار إقليمية أكثر مرونة.

ومع ذلك، أعتقد أنه من الضروري تجنب القراءات المبالغ فيها. فالزيارة، بكل كثافتها، لا تعني أن القاهرة وموسكو بلورتا مبادرة متكاملة للحل، ولا تعني كذلك أنهما دشنتا تحالفًا سياسيًا جديدًا.

الأدق أن نقول إنها أسست، أو لأكون أدق، عززت منصة تنسيق عالية المستوى تتسم بالثقة والتفاهم المتبادل، هدفها إدارة المخاطر ومنع انفلات الوضع في الإقليم، بالتوازي مع بناء رافعات اقتصادية واستراتيجية ثنائية طويلة الأمد.

إنها، أي زيارة وزير الخارجية المصري إلى العاصمة الروسية موسكو، بعبارة أكثر دقة، محاولة لإنقاذ التوازن في الإقليم، وليس لإعادة صياغة النظام الإقليمي دفعة واحدة.

وختامًا، أقول إن كل المعطيات التي تحت أيدينا بنتيجة هذه الزيارة المهمة في توقيتها ومضمونها تشير إلى أن هذا المسار المصري الروسي مرشح بقوة للاستمرار والتوسع، لكنه مع ذلك سيظل محكومًا بسقف التفاعلات الدولية والإقليمية الأوسع.

بمعنى أنه إذا استمر التصعيد فسوف تزداد أهمية مصر كوسيط وكمنصة لوجستية، وبالتالي ستسعى روسيا إلى تعميق هذا الدور بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. أما إذا اتجهت الأزمة نحو التهدئة، فسيجري تحويل الزخم إلى مشروعات اقتصادية ومؤسساتية أكثر رسوخًا.

وفي كلتا الحالتين، تبدو القاهرة وموسكو، حسبما أرى، بصدد صياغة علاقة تتجاوز رد الفعل الآني إلى بناء توازن ثنائي مستدام، يلبي مصالح البلدين، ويقوم على الجمع بين الدبلوماسية والمصالح، وبين احتواء الأزمات واستثمارها في آن واحد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع