القضايا الاقتصادية

منظمة أوبك وإعادة تعريف القوة النفطية.. من إدارة العرض إلى تآكل السيطرة


  • 15 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

تأسست منظمة البلدان المصدرة للبترول في بغداد عام 1960 على أيدي خمس دول، هي إيران والعراق والكويت والسعودية وفنزويلا، لا بوصفها ناديا سياسيا فحسب، بل أداة جماعية لإدارة فائض العرض وتحديد سعر ظل لعقود أقرب إلى متغير سيادي منه إلى نتيجة سوق حرة. والسؤال الذي يفرضه صيف 2026 هو: هل اقتربت أوبك من فقدان مكانتها؟ هندسيا واقتصاديا، لا يمكن الإجابة ببساطة بنعم أو لا، بل يمكن القول إن المنظمة تواجه أخطر اهتزاز هيكلي منذ انهيار نظام الحصص في منتصف الثمانينيات، وإن ما تبقى من قدرتها على إدارة العرض بات مرهونا بقرار سعودي منفرد أكثر من ارتباطه بتوافق جماعي.

في 28 أبريل (نيسان) 2026، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك ومن تحالف «أوبك+». ولا تعد الإمارات دولة مؤسسة، فقد انضمت عبر أبوظبي عام 1967، لكنها كانت ثالث أكبر منتج في المنظمة بعد السعودية والعراق، بطاقة مستدامة قدرت بنحو 4.2 إلى 4.8 ملايين برميل يوميا، ومستهدف معلن يبلغ 5 ملايين برميل يوميا بحلول 2027. أما حصتها داخل نظام الحصص فبقيت في حدود 3.2 إلى 3.5 ملايين برميل يوميا. والفارق ليس تفصيلا محاسبيا؛ فهو طاقة معطلة تعادل تقريبا إنتاج دولة منتجة متوسطة، واستثمارات رأسمالية ضخمة لا تسترد إذا بقي الإنتاج مقيدا. ولم يكن القرار الإماراتي مفاجأة فنية بقدر ما كان تتويجا لتوتر ظهر علنا منذ أزمة الحصص عام 2021، ثم تسارع مع تباعد السياسات الإقليمية واستثمارات أدنوك التي ربطت ببرامج تصل إلى نحو 145–150 مليار دولار لتوسيع الطاقة حتى 2030.

لم تكن الإمارات «أكبر أعضاء أوبك إنتاجا»، فالسعودية كانت ولا تزال الأكبر إنتاجا وصاحبة أكبر طاقة احتياطية. غير أن الخسارة النوعية أكبر من الخسارة الكمية؛ فالإمارات كانت، إلى جانب الرياض، المنتج الوحيد داخل أوبك الذي يمتلك طاقة فائضة يعتد بها للعب دور المنتج المرجح. وبخروجها تضيق قاعدة الضبط إلى منتج واحد تقريبا. وهذا التحول هندسي قبل أن يكون سياسيا؛ فإدارة أوبك تحتاج منتجا قادرا على زيادة الإنتاج أو خفضه خلال تسعين يوما واستدامة ذلك. وإذا انحسرت هذه القدرة في الرياض وحدها، فإن تكلفة الانضباط ترتفع على الميزانية السعودية، ويصبح الإغراء بالتخلي عن إدارة السعر لصالح الدفاع عن الحصة السوقية أقوى كلما طال أمد الضغوط المالية أو الجيوسياسية.

في أواخر أغسطس (آب) 2026، أفادت تقارير إعلامية بأن فنزويلا ناقشت مع مسؤولين أمريكيين احتمال الانسحاب من المنظمة التي أسهمت في تأسيسها قبل ستة وستين عاما. ولم يتخذ قرار نهائي، غير أن مجرد طرح المسألة مع واشنطن بعد إعادة ترتيب السلطة في كاراكاس يكفي لإظهار أن عضوية أوبك لم تعد هوية جيوسياسية ضرورية. وفنزويلا معفاة أصلا من نظام الحصص منذ سنوات، وإنتاجها في صيف 2026 يدور حول 1.1 إلى 1.23 مليون برميل يوميا، أي نحو ثلث ذروتها التاريخية التي بلغت قرابة 3.5 إلى 3.7 ملايين برميل يوميا بين 1970 وأواخر التسعينيات. لذلك لا يغير خروجها، إن وقع، توازن العرض الفوري. وما يغيره هو الرمز التأسيسي: منظمة تفقد عضوا مؤسسا بعد أشهر من فقدان أحد أكبر منتجيها الملتزمين نسبيا، في سياق تقارب فنزويلي–أمريكي يشمل مباحثات بشأن حصص في الحقول وامتيازات طويلة الأمد.

وليست هذه أول موجة انسحاب؛ فقد غادرت إندونيسيا، ثم قطر عام 2019، والإكوادور عام 2020، وأنغولا مطلع 2024. غير أن تلك المغادرات أخرجت منتجين أصغر أو اقتصادات كانت حصصها أصلا محل نزاع مزمن. وخروج الإمارات مختلف، لأن حجم الطاقة وقدرة التصدير ونوعية الخام وتكاليف الاستخراج المنخفضة تجعلها لاعبا قادرا على التنافس السعري، لا مجرد الخروج الصامت. ومعها ظهرت إشارات عراقية في يونيو (حزيران) 2026 عن إمكانية بحث «كل الخيارات» إذا لم ترفع الحصة بما يعكس طاقة مستدامة قدرت بنحو 4.9 ملايين برميل يوميا، مقابل حصة يوليو (تموز) قرب 4.38 ملايين، وطموح بعيد يصل إلى 7 ملايين. ونفت بغداد رسميا نية الانسحاب، لكن تكرار النزاع نفسه، بين الطاقة الفعلية والقرار السياسي، يكشف أن آلية الحصص فقدت جزءا من شرعيتها الداخلية لدى المنتجين القادرين على التوسع.

الأرقام الكلية توضح حدود النفوذ المتبقي. فبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ إنتاج أوبك من الخام، بما فيه الإمارات، نحو 28 مليون برميل يوميا في 2025، أي نحو 35% من إنتاج الخام العالمي. ومن دون الإمارات تهبط الحصة إلى نحو 31%. أما «أوبك+» فكانت حصتها نحو 46%، وتهبط إلى قرابة 42% باستبعاد الإمارات. ويعطي تقرير أوبك السنوي لعام 2025 صورة موازية على أساس السوائل لا الخام وحده؛ فقد بلغ متوسط إنتاج المنظمة من الخام 27.6 مليون برميل يوميا، أي 26.3% من إمدادات السوائل العالمية، في حين بلغت حصة إعلان التعاون «أوبك+» نحو 40%. ويحوم الطلب العالمي على النفط حول 105 ملايين برميل يوميا من السوائل. أي أن المنظمة لم تعد تتحكم في أغلب العرض، بل في شريحة حرجة منه، وهذه الشريحة تفقد فعاليتها إذا تفتت الانضباط.

الولايات المتحدة ليست عضوا في أوبك، لكنها أصبحت القيد الخارجي الأهم على قدرة المجموعة. فالإنتاج الأمريكي يتجاوز 22 مليون برميل يوميا، وإنتاج الخام وحده يقارب 13.6 إلى 13.8 مليون برميل يوميا في تقديرات 2025–2026. وهذا النفط الصخري أسرع استجابة سعرية من معظم آبار الشرق الأوسط التقليدية في الاتجاه الصاعد، وإن كان أقل مرونة في الاتجاه الهابط بسبب تكاليف الخدمة والديون وبرامج المساهمين. وتضيف البرازيل وكندا والأرجنتين وقطر طبقات نمو خارج منظومة الحصص. والنتيجة الهندسية بسيطة: كلما ارتفعت مرونة العرض خارج أوبك، وانخفضت مرونة الطلب، صار تخفيض الإنتاج يعني خسارة حصة أكثر مما يعني رفعا مستداما للسعر.

كشفت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز في أوائل 2026 المفارقة بقسوة. فقد هبط إنتاج أوبك في مارس (آذار) إلى نحو 20.79 مليون برميل يوميا، بانخفاض قارب 27% عن مستويات ما قبل الحرب، في أكبر انهيار للإمداد الجماعي منذ عقود. وفي تلك اللحظة لم تكن المنظمة تدير فائضا، بل تواجه عجزا قسريا. واختيار الإمارات مغادرة المنظمة وسط تعطل الصادرات خفف الأثر السعري الفوري للانسحاب، لأنه جاء والسوق محرومة أصلا من نفط الخليج. لكن الرسالة الاستراتيجية كانت أوضح من الأثر اللحظي: العضوية لم تعد مظلة لأمن الطاقة حين يصيب الخطر الأعضاء أنفسهم، ولم تعد قيدا مقبولا حين يحتاج البلد إلى تعظيم الإنتاج قبل أن تتآكل ريوع النفط بفعل التحول الطاقي أو اضطراب الممرات.

من منظور سياسي، أوبك ليست منظومة تقنية محايدة؛ فهي ائتلاف دول ذات أنظمة مالية وعلاقات أمنية متباينة مع واشنطن وبكين وموسكو، ومشاريع إقليمية متصادمة. والتباعد السعودي–الإماراتي في اليمن والسياسة الإقليمية، وبقاء إيران عضوا كامل العضوية رغم استهداف منشآت خليجية وممرات الملاحة، جعلا تكلفة التضامن أعلى من عائده لدى صانع القرار في أبوظبي. أما فنزويلا فتنتقل من محور معاد تاريخيا لواشنطن إلى مدار إعادة إدماج نفطي أمريكي. وحين يناقش عضو مؤسس خروجه مع واشنطن، التي حاربت المنظمة سياسيا لعقود، فإن الوظيفة الأصلية لأوبك، وهي توحيد المنتجين في مواجهة شركات الغرب ثم المستهلكين الصناعيين، تصبح معكوسة.

لكن هذا لا يعني أن أوبك فقدت أهميتها، وذلك لثلاثة أسباب عملية. أولا، ما زالت السعودية تمتلك أكبر طاقة فائضة قابلة للتشغيل في العالم، وقدرة إعلان التعاون في 2025 أبقت حصة الكتلة قرب خمسي الإمداد السائل. ثانيا، ما زال الخام الخليجي الخفيف والحامض يغذي أنظمة تكرير آسيوية لا يمكن استبداله بسهولة في الأجل القصير، فيما تمنح الممرات والتخزين والعقود طويلة الأجل المنتجين المتبقين نفوذا لوجستيا يتجاوز حصتهم الإحصائية. ثالثا، لم ينهَر الطلب العالمي؛ فتقديرات أوبك نفسها تتوقع نموا بنحو 0.6 مليون برميل يوميا في 2026، ثم تسارعا أوضح في 2027. لذلك، تظل منظمة تدير ربع إلى ثلث الخام العالمي قادرة على تحريك السعر إذا توافقت، حتى لو صارت توافقاتها أضيق وأكثر هشاشة.

غير أن الأهمية ليست حجما فقط، بل مصداقية أيضا. فأوبك تنجح حين يصدق السوق أن التخفيض سيحترم وأن الزيادة ستنسق. ويظهر تآكل هذه المصداقية في ثلاثة مؤشرات. الأول هو تكرار خروج الأعضاء بدلا من إعادة التفاوض الداخلي. والثاني اتساع الفجوة بين الطاقة الهندسية والحصة السياسية لدى الإمارات سابقا، وفنزويلا والعراق حاليا. أما الثالث فهو تحول المنتج المرجح من شبكة خليجية ثنائية تقريبا «الرياض–أبوظبي» إلى عبء أحادي على الرياض. وإذا قررت السعودية، في دورة أسعار مقبلة، الدفاع عن حصتها مثلما فعلت عام 2014، فسيعيد السوق تعريف أوبك لا بوصفها مدير عرض، بل مجموعة تصارع منتجين متنافسين ذوي تكاليف منخفضة.

أوبك لم تنته، لكنها اقتربت من فقدان وظيفتها التاريخية أكثر مما اقتربت من فقدان اسمها. فالمكانة تقاس بالقدرة على جعل العرض الجماعي متغيرا قراريا متفقا عليه. وهذه القدرة كانت دائما ناقصة، لكنها في 2026 أصبحت أكثر ضعفا بعد خروج منتج يملك طاقة فائضة حقيقية، وهو الإمارات، وبعد طرح انسحاب عضو مؤسس ذي رمزية تاريخية، وهو فنزويلا، وبعد تآكل الحصة من أكثر من ثلث الخام العالمي إلى ما يقرب من 31% على أساس بيانات 2025. وإذا خرجت فنزويلا فعلا، بعد خروج الإمارات، فلن يتغير منحنى المخزونات في روتردام أو سنغافورة خلال أسابيع، لكن معنى المنظمة سيتغير في عواصم المنتجين: من ناد يوزع الأرباح عبر تقييد الكمية، إلى بقايا تنسيق يعجز عن منع أعضائه من السباق إلى السوق. عندئذ لا تسقط أوبك دفعة واحدة، بل تتحول من صانع سعر إلى لاعب بين لاعبين، وهذا في حد ذاته ما يمكن أن نطلق عليه نهاية حقبة «أوبك».

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع