
يُعدّ منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، منذ تأسيسه في تسعينيات القرن الماضي، أحد أبرز المنصات التي توظّفها روسيا لعرض رؤيتها التنموية وجذب الشركاء وطرح بدائل للتعاون الاقتصادي الدولي. ولم يَعُد المنتدى مجرد ملتقى لرجال الأعمال والمستثمرين، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية الروسية، تتقاطع فيها حسابات الاقتصاد الكلي مع اعتبارات السياسة الخارجية وإعادة تموضع موسكو في نظام دولي يتجه نحو مزيد من الانقسام والتنافس بين المراكز الكبرى.
وتنعقد نسخة عام 2026، المقررة في الفترة من الثالث إلى السادس من يونيو (حزيران) في مركز “إكسبو فوروم” للمؤتمرات والمعارض، تحت شعار “الحوار البراغماتي طريق إلى مستقبل مستقر”، وهو شعار لا يخلو من دلالة، إذ يعكس محاولة روسيا تقديم المنتدى بوصفه منصة لإعادة تعريف العلاقات الاقتصادية الدولية على أسس عملية واقعية بعيدًا عن منطق الاستقطاب الأيديولوجي. غير أن قراءة المنتدى قراءة متوازنة تقتضي النظر إليه بوصفه مرآة تعكس، في آن واحد، قدرة الاقتصاد الروسي على التكيف، ومحدودية الخيارات المتاحة أمامه في ظل بنية دولية ضاغطة.
ينعقد منتدى عام 2026 في ظل استمرار العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ عام 2022، والتي طالت القطاعات المالية والتكنولوجية والطاقوية، وأدّت إلى انقطاع شبه كامل عن مصادر التمويل والتكنولوجيا الغربية. وقد دفعت هذه الضغوط الاقتصاد الروسي إلى إعادة توجيه جذرية لتجارته الخارجية نحو الشرق والجنوب، فتراجع وزن السوق الأوروبية لصالح الصين والهند ودول الخليج وآسيا الوسطى، وتعمّقت الحاجة إلى بناء سلاسل إمداد بديلة أقل عرضة للضغوط الخارجية.
وفي موازاة ذلك، فرضت العقوبات على روسيا أولوية مزدوجة: تعميق التصنيع المحلي وتطوير القدرات التكنولوجية الوطنية من جهة، وتقليص الاعتماد على الواردات الغربية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، يُقدَّم المنتدى أداةً لعرض قدرة الاقتصاد الروسي على الصمود والتكيف، لكنه في الوقت نفسه لا يُخفي وجود تحديات بنيوية حقيقية في مجالات الاستثمار طويل الأجل، والوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، واستقرار سلاسل التوريد، وكلفة التمويل في ظل بيئة نقدية مشدودة.
ومن ثمّ، فإن أي تقييم رصين للمنتدى ينبغي أن يتجنب المبالغة في تصويره دليلًا قاطعًا على متانة الاقتصاد الروسي، كما ينبغي ألّا يختزله في مجرد حدث رمزي بلا أثر، بل أن يقرأه باعتباره تعبيرًا عن لحظة انتقالية تتقاطع فيها الفرص مع القيود.
يتوزّع البرنامج الأساسي للمنتدى على خمسة محاور تتكامل في رسم صورة النموذج التنموي الذي تسعى موسكو إلى بنائه. يتناول المحور الأول، المعنون “الاقتصاد العالمي بين المواجهة والتعاون”، تحولات الأسواق الدولية وصيغ الشراكة الجديدة واستراتيجيات الاستثمار وهندسة النظام المالي المقبل، وهو محور يعكس وعي روسيا بأن إعادة تشكيل العولمة لم تعد مسألة نظرية، بل واقعًا تتشكل ملامحه عبر تكتلات وعملات وممرات تجارية بديلة.
أما المحور الثاني، “الاقتصاد الروسي بين التحولات الهيكلية والعودة إلى مسار النمو”، فيتمحور حول البحث عن نموذج تنموي جديد يقوم على السياسة الصناعية والاستثمار والأدوات المالية طويلة الأجل ودور القطاع الخاص، وهو المحور الأكثر دلالة على الإقرار الضمني بأن مسار النمو السابق المعتمد على تصدير المواد الأولية لم يعد كافيًا.
وتعكس المحاور الثلاثة الأخرى انتقال الاهتمام نحو أبعاد أكثر بنيوية وطويلة المدى؛ فمحور “التكنولوجيا التي تحدد المستقبل” يضع الذكاء الاصطناعي والروبوتات والسيادة الرقمية في صلب الأولوية، بوصفها شرطًا لأي تنافسية مستقبلية. أما محور “جودة الحياة والتنمية الحضرية” فيربط التطور التكنولوجي بتحسين البيئة المعيشية وتنمية الأقاليم واقتصاد التراث. ويختم محور “الإنسان في مركز التنمية” المنظومة بالتركيز على البعد الاجتماعي، أي التعليم وسوق العمل والتحديات الديموغرافية.
واللافت في هذا التوزيع أنه يحاول الجمع بين الاقتصاد الكلي والسياسة الصناعية والتحول الرقمي والبعد الإنساني في إطار واحد، وهو ما يكشف عن سعي روسيا إلى تقديم رؤية تنموية شاملة لا تقتصر على أرقام النمو، بل تطمح إلى صياغة نموذج اجتماعي اقتصادي متكامل.
يحتل ملف التوطين الصناعي والتكنولوجي موقعًا مركزيًا في برنامج المنتدى، وتعكسه الجلسات المخصصة للمناهج الجديدة في الاقتصاد الروسي القائمة على الإنتاج المحلي والابتكار. وقد تحوّل التوطين من خيار اقتصادي إلى قضية استراتيجية وجودية بالنسبة إلى روسيا، إذ كشفت العقوبات هشاشة الاعتماد على الواردات في قطاعات حساسة كالإلكترونيات والطيران والمعدات الصناعية الدقيقة.
ومن هنا، تتقاطع في هذا المسار موضوعات متعددة: تطوير الإنتاج المحلي القادر على استبدال الواردات، وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وإصلاح التعليم بما يلائم احتياجات سوق العمل الجديدة، ودعم ريادة الأعمال الشبابية، وتوسيع التعاون الدولي مع شركاء غير غربيين في نقل التكنولوجيا وتوطينها. ويضطلع الدور الحكومي بأهمية بالغة في هذا الإطار، عبر سياسات الدعم والتمويل التفضيلي والحماية المؤقتة للشركات الروسية الناشئة.
غير أن التحدي الجوهري الذي تطرحه استراتيجية التوطين يكمن في الفارق بين مجرد استبدال الواردات وبين إنتاج اقتصاد ابتكاري تنافسي؛ فالاكتفاء بإحلال منتجات محلية أقل جودة وأعلى كلفة محل الواردات قد يؤمّن قدرًا من الاستقلالية، لكنه لا يضمن القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وهو ما يجعل نجاح التوطين مرهونًا بمدى ارتباطه بابتكار حقيقي ورفع للإنتاجية، لا بمجرد سدّ الفجوات.
يتجاوز المنتدى وظيفته الاستثمارية إلى دور أوسع بوصفه منصة للدبلوماسية الاقتصادية، تسعى موسكو من خلالها إلى توسيع شبكتها من الشراكات خارج المركز الغربي التقليدي. ويتجلى هذا التوجه بوضوح في اختيار المملكة العربية السعودية ضيف شرف لنسخة عام 2026، بالتزامن مع الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو اختيار يحمل دلالة مزدوجة على أهمية منطقة الخليج في حسابات موسكو الطاقوية والمالية والسياسية.
وتسعى روسيا عبر المنتدى إلى ترسيخ شراكاتها مع الصين والهند ودول الخليج وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، عبر صيغ من الحوارات التجارية الثنائية والجلسات المتخصصة المخصصة لكل منطقة. ويعكس حضور وفود من نحو مئة وأربعين دولة وإقليمًا في النسخة السابقة، وإبرام أكثر من ألف اتفاق، حجم الرهان الروسي على المنتدى أداةً لكسر العزلة وبناء شبكة تعاون موازية.
غير أن قراءة هذا البعد قراءة متوازنة تستدعي التمييز بين الزخم الكمي للاتفاقات المعلنة وبين قيمتها النوعية الفعلية، إذ إن جزءًا من هذه الاتفاقات يظل في حدود مذكرات التفاهم وإعلانات النوايا، فيما يبقى التحدي الحقيقي في تحويلها إلى استثمارات منفّذة وشراكات تكنولوجية عميقة قادرة على تعويض الانقطاع عن المصادر الغربية.
لا يقتصر أثر المنتدى على المستوى الاقتصادي الكلي، بل يمتد ليطال مدينة سانت بطرسبورغ ذاتها، التي تتحول خلال أيام انعقاده إلى مركز لوجستي ودبلوماسي مكثف. وتشهد المدينة في هذه الفترة استعدادات واسعة تشمل البنية التحتية للنقل والاتصالات والأمن.
فعلى صعيد النقل، تشغّل السكك الحديدية الروسية قطارات “سابسان” مزدوجة المقطورات بين موسكو وسانت بطرسبورغ لاستيعاب التدفق المتزايد للمشاركين، كما تُفرض قيود مؤقتة على حركة الشاحنات ووسائل التنقل الفردية الصغيرة في قلب المدينة لأسباب أمنية وتنظيمية. وعلى صعيد المطارات، يطلق مطار بولكوفو، بالشراكة مع أحد المصارف الكبرى، خدمات للتسجيل والصعود إلى الطائرة عبر التحقق البيومتري على رحلات النقل المكوكي بين العاصمتين، في خطوة تعكس التوجه الروسي نحو رقمنة الخدمات.
ويتوقع المطار استقبال نحو نصف مليون مسافر خلال أيام المنتدى، مقارنة بنحو ثلاثمئة ألف في النسخة السابقة، وهو مؤشر على حجم الحدث ووزنه. ولا ينبغي قراءة هذه التفاصيل بوصفها ترتيبات تقنية محضة، بل باعتبارها جزءًا من عملية أوسع يتحول فيها المنتدى إلى رافعة لتحديث البنية التحتية للمدينة وتعزيز صورتها الدولية وتنشيط سياحتها الاقتصادية والثقافية، بما في ذلك الفعاليات المرافقة مثل مهرجان “مواسم بطرسبورغ” الثقافي.
من الخطأ اختزال البرنامج الثقافي والفعاليات الجانبية للمنتدى في كونها عناصر ترفيهية هامشية، إذ تؤدي هذه الفعاليات وظيفة جوهرية في صناعة العلاقات الاقتصادية ونسج شبكات النخب السياسية والتجارية. فاللقاءات المسائية غير الرسمية والحفلات الثقافية والعروض الفنية تشكّل فضاءً موازيًا تُبنى فيه الثقة وتُعقد فيه التفاهمات التي يصعب إنجازها في القاعات الرسمية.
ومن هذا المنظور، يمثّل البعد الثقافي امتدادًا للدبلوماسية العامة الروسية، إذ يتيح لموسكو تقديم نفسها دولة قادرة على الجمع بين الثقل الاقتصادي والعمق الثقافي والحضور الدبلوماسي. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة في سياق العزلة الغربية، إذ تسعى روسيا عبر هذا المزج بين الاقتصاد والثقافة إلى ترميم صورتها الدولية وإبراز انفتاحها على شركائها الجدد في الجنوب العالمي.
على الرغم من الزخم الذي يحيط بالمنتدى، فإن قراءة متوازنة تستلزم الوقوف عند التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد الروسي والمنتدى معًا. فاستمرار العقوبات الغربية يجعل من جذب استثمارات غربية كبيرة أمرًا شبه مستحيل في المدى المنظور، بما يحرم الاقتصاد الروسي من مصادر تمويل وتكنولوجيا يصعب تعويضها بالكامل من الشركاء البديلين.
ويطرح الاعتماد المتزايد على الصين معضلة استراتيجية، إذ قد يتحول التعاون مع شريك أقوى اقتصاديًا إلى علاقة غير متكافئة تنطوي على مخاطر التبعية. كما يظل نقص الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في أشباه الموصلات والمعدات الدقيقة، عائقًا أمام طموحات التوطين.
ويُضاف إلى ذلك ضغوط سوق العمل ونقص اليد العاملة الماهرة والتحديات الديموغرافية، فضلًا عن الضغوط التضخمية وكلفة التمويل المرتفعة. ويبقى السؤال الأعمق متعلقًا بمدى قدرة استراتيجية التوطين على إنتاج اقتصاد تنافسي حقيقي لا يكتفي باستبدال الواردات، بل يطوّر منتجات قادرة على المنافسة عالميًا.
ومن ثمّ، فإن المنتدى يعكس الفرص والقيود في الوقت نفسه، ولا يصح تقديمه دليلًا مطلقًا على قوة الاقتصاد الروسي، كما لا يصح تجريده من أثره الفعلي.
لا يمكن فهم منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لعام 2026 بوصفه مؤتمرًا اقتصاديًا معزولًا عن سياقه، بل ينبغي قراءته مرآةً تعكس التحولات العميقة في الاقتصاد الروسي وفي بنية العلاقات الدولية الراهنة. فالمنتدى يعبّر عن سعي روسيا الحثيث إلى بناء نموذج تنموي أكثر استقلالًا، يقوم على أربع ركائز متشابكة: التوطين الصناعي، والتطور التكنولوجي، والشراكات غير الغربية، والدبلوماسية الاقتصادية.
غير أن المنتدى ذاته يكشف، في الوقت نفسه، أن هذا الطريق محفوف بالتحديات، وأنه يحتاج إلى ما هو أبعد من الشعارات والاتفاقات المعلنة. فبناء اقتصاد تنافسي مستقل يتطلب استثمارات ضخمة طويلة الأجل، وجودة مؤسسية وحوكمة رشيدة، وابتكارًا حقيقيًا يتجاوز منطق سدّ الفجوات، وقدرة فعلية على المنافسة في الأسواق العالمية، لا على الاكتفاء بالسوق الداخلية.
وبهذا المعنى، يقف المنتدى عند مفترق دقيق: فهو، من جهة، شهادة على مرونة الاقتصاد الروسي وقدرته على إعادة التموضع، ومن جهة أخرى اختبار لمدى جدية المشروع التنموي البديل الذي تطرحه موسكو، وهو اختبار لن تُحسم نتائجه في قاعات المنتدى، بل في قدرة الاقتصاد الروسي على ترجمة طموحاته إلى إنجازات ملموسة في السنوات المقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير