
أعرب المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، اليوم الأربعاء، 8 أبريل (نيسان) 2026، عن ارتياح الكرملين للتوصل إلى هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران الليلة الماضية، ليغلقا بذلك صفحة بالغة التوتر في المواجهة العسكرية الجارية الآن بين البلدين.
رحّب بيسكوف بقرار عدم الاستمرار في التصعيد المسلح، وأكد أن روسيا دعت منذ البداية إلى نقل الأزمة إلى المسار السياسي والدبلوماسي. وفي السياق نفسه، يأمل الكرملين أن تفتح هذه الهدنة المجال أمام ترتيب اتصالات مباشرة بين الطرفين، وأنها ربما تتيح لواشنطن إعادة توزيع اهتمامها نحو ملفات أخرى، من بينها بالطبع أوكرانيا.
وبالطبع، فإن الصياغة التي استخدمها المتحدث الرئاسي الروسي في التعليق على الاتفاق الأمريكي–الإيراني هي صياغة تقليدية في الخطاب الدبلوماسي الروسي، وهي في القراءة الروسية لا تعني أكثر من تثبيت موقف موسكو والكرملين المبدئي القديم، ولا تعني بحال الاحتفاء باتفاق جديد.
وفي واقع الأمر، وحتى لحظة كتابة هذه السطور عصر الأربعاء، 8 أبريل (نيسان) الجاري، لا يمكن بحال وصف ما جرى باعتباره اختراقًا دبلوماسيًا، بقدر ما هو توازن للخوف، في رأيي الشخصي طبعًا، والذي غلب في اللحظة الأخيرة على عقل صانع القرار الأمريكي، ليقينه بصلابة الخصم واستعداده.. للانتحار في الفهم الأمريكي.. أو.. الاستشهاد الجماعي في العقيدة الإيرانية الشعبية والنخبوية.
إن ما نحن بصدده الآن هو عملية كبح اضطراري لتصعيد عسكري بلغ حدًا لم يكن يمكن التحكم فيه إذا تجاوزه. الفكرة الأساسية التي أرمي إليها هنا، من واقع المتابعة لتطورات الأحداث، هي أن التهدئة الأمريكية–الإيرانية لم تكن نتيجة تفاهم سياسي بين الطرفين، وإنما بلا شك نتيجة ضغط كبير جدًا ومعقد: ضغط الأسواق، وضغط الطاقة، وضغط المخاطر في مضيق هرمز.
بمعنى أدق، ما فرض التهدئة لم يكن الإرادة السياسية لطرفيها، بل كلفة استمرار الحرب، ومن هنا غلبة توازن الخوف عليهما. لذلك، في هذا السياق، لا يبدو تراجع ترامب مفاجئًا في تقديري، بل على العكس، ومن وحي ما قرأته في التحليلات الروسية تعليقًا على الاتفاق، تشكّل لدي انطباع بأن هذا المسار كان متوقعًا؛ بمعنى أن الجميع بدأ يتعامل مع ترامب على أنه يرفع سقف التهديدات تدريجيًا حتى يصل إلى حافة المواجهة الشاملة، ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.
وهذا في الواقع فهم حقيقي، لكن مع ذلك لا يمكن أن تسلم الجرة في كل مرة، وخصوصًا ونحن أمام شخص مهووس مثل نتنياهو يزن في أذن ترامب ليل نهار. ومع ذلك، ما يلفت الانتباه ليس التراجع نفسه، بل آليته. ما أقصده هو أن الوساطة الباكستانية التي ظهرت فجأة في المشهد تبدو، في سياق ما يجري في حرب إيران، وكأنها مخرج تم اختياره بعناية شديدة في اللحظة الحرجة جدًا، وليست مجرد مبادرة عفوية.
لقد جاءت هذه الوساطة على شكل قناة فُتحت في توقيت مناسب جدًا لحفظ ماء وجه ترامب وواشنطن، وسمحت له، أي لترامب، بالانتقال من منطق الإنذار إلى منطق التهدئة دون إعلان هزيمة صريحة، مع أنه، بحكم كل النتائج التي لدينا بعد شهر وعشرة أيام من الحرب على إيران، مهزوم وخاسر.
وفي هذا الإطار، أستدعي تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، الساخرة، التي أدلت بها لوكالة سبوتنيك صباح اليوم، فقد كشفت فيها، في رأيي، النبرة الحقيقية الكامنة خلف الدبلوماسية الروسية. فزاخاروفا لم ترحب بالهدنة كما فعل بيسكوف مثلًا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث قالت بلغة تملؤها الشماتة والتشفي: “إن النهج القائم على التصعيد العدواني والإفراط في الخطاب الهجومي قد مُني بهزيمة واضحة”.
وعطفت على ذلك بالقول إن “الرهان على مزيد من العدوانية وتصعيد الخطاب عبر وسائل التواصل لتحقيق نصر سريع فشل مجددًا” (في إشارة إلى سيل التغريدات التي يطلقها ترامب على منصته “تروث سوشال”).
وأرى في تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ليس مجرد سخرية سياسية، على الرغم من أن هذا هو أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءتها، لكنها في عمقها تعكس التصور الروسي بأن الهدنة التي تم إقرارها ليست سوى دليل على حدود القوة الأمريكية، وليست دليلًا على نجاح هذه القوة.
هذه ليست سخرية سياسية، بل محاولة روسية واعية ومقصودة لتثبيت سردية مضادة لسردية واشنطن، وكأنها تقول، حسب تصوري، إن القوة العسكرية حين تُستخدم دون أفق سياسي تتحول إلى عبء على صاحبها.
في الوقت نفسه، وإذا انتقلنا إلى الضفة الثانية للصراع، نرى أن طهران تعاملت مع اللحظة بطريقة مختلفة تمامًا، فقد أعلنت قائمة شروط واضحة تتضمن السيطرة على مضيق هرمز، واستمرار تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، وسحب القوات الأمريكية.
وهذا الموقف الإيراني لا يبدو عرضًا تفاوضيًا، بل محاولة لفرض أمر واقع وتثبيت قواعد اشتباك. كما أن الشروط الإيرانية لا تبدو بحال شروطًا وسطية، بل هي بكل تأكيد شروط حدّية، وهي، في رأيي، تعكس ثقة إيرانية بأن ميزان الردع لم يعد يسمح بفرض إملاءات أحادية على إيران كما كان يفترض الخطاب الأمريكي الأولي.
وهذا الموقف الإيراني يبدو مدعومًا ليس فقط بالقوة الإيرانية، بل أيضًا بالسندين الصيني والروسي في الخلفية. وإن صح ما يُقال عن دخول صيني قوي على الخط الآن، وخصوصًا على خط التهدئة، وهو ما تشير إليه تطورات اللحظات الأخيرة، فإن ذلك يعني أن المعادلة تتغير بالفعل بعدما وصلت إلى الحد الحرج.
ونقطة أخرى تجدر الإشارة إليها، وهي المفارقة القائمة أمامنا: أن كل طرف من الطرفين يعلن النصر في الوقت نفسه، وكل منهما يستند بالطبع إلى تعريف مختلف تمامًا لمعنى النصر.
ترامب وهيغست ومن على شاكلتهما يقدمون الهدنة كنجاح دبلوماسي جاء على أجنحة ضغط عسكري، بينما يقدمها الحرس الثوري كدليل على فشل هذا الضغط.
ونرى أن هذا التناقض ليس دليلًا على تضارب الوقائع، بل دليل على أن الطرفين يحاولان تغليف تراجعهما في اللحظة الحرجة بصيغة سياسية قابلة للتسويق داخليًا على الضفتين.
أما النتيجة الفعلية فهي توازن الاضطرار أو توازن الخوف، كما عنونت المقال، وليست بحال انتصارًا لأي طرف من الطرفين، على الأقل حتى هذه اللحظة من عمر الصراع.
ولا يزال مضيق هرمز هو العنصر الأكثر حساسية في هذا التوازن، والمعطيات التي لدينا تشير إلى تراجع حاد في حركة الملاحة عبره، وإلى تحول فعلي في أنماط العبور، حيث تشير التقارير الغربية والروسية إلى أن السفن باتت تقترب أكثر من السواحل الإيرانية، وتتحرك داخل مسارات شبه خاضعة لإشراف الحرس الثوري وطهران.
وهذا التطور يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى إعادة رسم العلاقة بين الجغرافيا والقوة الاقتصادية، بمعنى أن الحديث عن فرض رسوم أو تقديم معاملة تمييزية بين دول صديقة وأخرى معادية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تكتيك ضغط، بل هو مؤشر على محاولة فرض قواعد جديدة في أحد أهم الممرات الحيوية في العالم.
وإن استقر الوضع على هذا الشكل بعد انتهاء الحرب، وهي إن عاجلًا أو آجلًا لا بد أن تنتهي، فإن لذلك تداعيات تتجاوز الإقليم إلى النظام الدولي نفسه.
لذلك لا بد أن ننظر إلى الصورة وهي خالية من الأوهام: فلا سلام في الأفق، ولا حرب شاملة في المدى القريب، بعد تجاوز مأزق تهديدات ترامب. نحن أمام حالة وسطى غير مستقرة، يحاول الفاعلون الدوليون والإقليميون إدارة الأزمة، لأن حلها لا يزال بعيد المنال.
والهدنة، بهذا المعنى، وهذا رأي شخصي مبني على تحليل لا معلومات، ليست نهاية الحرب، وإنما مرحلة من مراحلها، ولا ينبغي أبدًا أن ننسى مؤججها الفعلي الذي ليس من مصلحته أن تنتهي الحرب، أو أن تنتهي بهذا الشكل. لذلك تبقى الأسئلة الكبرى في هذه المواجهة معلقة، في انتظار جولة جديدة قد لا تكون أقل تعقيدًا وخطورة مما سبقها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير