مقالات المركز

إلى أين يتجه الصراع الروسي مع الغرب؟ وماذا ننتظر من حرب أوكرانيا؟

من بطرسبورغ.. بوتين وأوريشنيك وحرب المسيّرات


  • 9 يونيو 2026

شارك الموضوع

كان حضور الحرب في قلب المشهد الاقتصادي بقوة ثلاث مرات خلال أسبوع واحد هو أخطر ما جرى على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في نسخته التاسعة والعشرين، خلال الفترة من 3 إلى 6 يونيو (حزيران) 2026.

فلا حجم الاتفاقيات المعلنة، ولا عدد الوفود المشاركة، ولا حتى الرسائل الاقتصادية المهمة بلا شك، والتي أرادت موسكو تمريرها بواسطة هذا المنتدى عن فشل العزلة الغربية التي حاول الغرب تعميمها عليها عالميًا، كانت بمثل هذا التأثير، سواء على الرأي العام في الشارع الروسي، وفق ما لمسته بنفسي، أو ما انعكس في التغطيات الدولية لهذا الحدث المهم.

المرة الأولى التي ذُكرت فيها الحرب كانت في خطاب الرئيس الروسي عن صاروخ “أوريشنيك” الفرط صوتي وقدراته الرهيبة، من واقع كلام بوتين نفسه.

أما المرة الثانية فكانت ممثلة في الهجوم الأوكراني الواسع بالمسيّرات على محيط سانت بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد في يوم انطلاق أعمال المنتدى، والذي أصاب منشآت روسية حيوية داخل المدينة، سواء عسكرية أو خاصة بالطاقة والنفط، وهو الموضوع الذي تناوله بوتين خلال الجلسة العامة بالتعليق.

أما المرة الثالثة فكانت في الهجوم الأوكراني الثاني الواسع على المدينة باستخدام 141 مسيّرة في اليوم الختامي للمنتدى، أي أن المدينة تعرضت لهجومين كبيرين في أقل من أسبوع، وخلال استضافتها مثل هذا الحدث المهم.

وقد كشفت هذه الاستهدافات، ومعها تصريحات بوتين عن رؤيته وتصوره لشكل الحرب والحل، أقول كشفت هذه التطورات الثلاثة معًا عن صورة للمرحلة الجديدة من الصراع؛ تعرض روسيا قدرتها على الصمود والعمل تحت العقوبات، فيما تحاول أوكرانيا أن تثبت من جديد أن العمق الروسي الرمزي والمهم لم يعد آمنًا كما كان، بل وحتى في اللحظة التي تستضيف فيها بطرسبورغ أهم منصات روسيا وبوتين الاقتصادية الدولية.

وذلك يعني أن أحاديث السلام تناقض الواقع الجاري أمام أعيننا على الأرض، سواء في أروقة المنتديات الدولية الفخمة في قلب المدن الكبرى أو على جبهات القتال المباشر.

لقد أصبحت الحرب تمتد بنيرانها وصواريخها، والأهم والأخطر بمسيّراتها، من الخنادق إلى المصافي، ومن القواعد البحرية إلى المطارات المدنية.

والأهم في موضوعنا الحالي هو تأثيرها المباشر على الاقتصاد والمجالين النفسي والسياسي.

في لقاء يوم 4 يونيو 2026 مع رؤساء وكالات الأنباء الدولية هنا في عاصمة روسيا القيصرية، لم يتحدث بوتين عن صاروخ ومنظومة “أوريشنيك” كما اعتاد بشكل دعائي أو لغرض استعراضي.

قال الرئيس الروسي إن موسكو لم تستخدم المنظومة حتى الآن “بالمعنى الكامل للاستخدام القتالي” داخل أوكرانيا، وإن الاستخدامات السابقة كانت أقرب إلى اختبار ميداني لدراسة نتائج انفصال الرؤوس الحربية والكتل القتالية ومدى دقة إصابتها للأهداف.

وعطف على ذلك بالقول إن المسيّرات الروسية دخلت بعد الضربة إلى الموقع المستهدف ودرست النتائج “حتى المليمتر”، لأن ذلك مهم، حسب تعبيره، لاتخاذ قرارات مستقبلية بشأن الاستخدام الكامل للمنظومة ضد أهداف محددة، بما في ذلك داخل مناطق عمرانية.

هنا نحتاج إلى التوقف وإعادة التدقيق بعناية شديدة في كلمة من كلمات بوتين بهذا الخصوص، فهذا الكلام يعني، نعم، أن الرئيس الروسي لم يعلن قرارًا فوريًا باستخدام “أوريشنيك” ضد مدينة أوكرانية، ولم يقل إن روسيا ستقصف مناطق سكنية عشوائيًا. لكنه فعل شيئًا لا يقل أهمية عن ذلك، فهو بهذا التصريح وبهذه الصيغة المستخدمة قد أدخل المنظومة رسميًا إلى بنك الأسلحة الردعية الروسية التي سوف يلجأ الجيش الروسي إلى استخدامها كلما تطلبت الحاجة والضرورة.

كما أن بوتين وضع “أوريشنيك” في قلب النقاش الدولي، وربط بين التجربة السابقة لاستخدامه واحتمال الاستخدام المستقبلي الأوسع له.

وهذه فهمتها أنا من الرئيس الروسي كلغة تهديد واضحة بالردع، ولكن من دون انفعال أو تهويل.

ومعنى هذا الكلام هو أن موسكو تحاول بناء طبقة جديدة تمزج فيها بين الردع التقليدي باستخدام الصواريخ الفرط صوتية التقليدية، وتلك التي تدخل ضمن نطاق الردع النووي.

لقد اعتمدت روسيا منذ بداية الحرب على القوة البرية والصواريخ التقليدية، ثم دخلت المسيّرات، ومعها التلويح النووي غير المباشر، على الخط.

وأنا أتحدث هنا عن تصريحات ومواقف بوتين تحديدًا، وليس المسؤولين الروس الآخرين.

أما اليوم فإن منظومات مثل “أوريشنيك” تمنح الكرملين أداة ضغط مختلفة. وما أرمي إليه هنا أن “أوريشنيك” يظل، من الناحية القانونية، سلاحًا تقليديًا، لكنه في الوقت نفسه يحمل أثرًا سياسيًا، والأهم نفسيًا، قريبًا من أدوات الردع الكبرى.

وبهذه الطريقة يمنح “أوريشنيك” بوتين والكرملين القدرة على رفع مستوى التهديد المخيف دون القفز مباشرة إلى العتبة النووية.

اختيار الرئيس الروسي لتوقيت ومكان إصدار هذا التصريح لا يقل أهمية عن مضمونه. فقد جاء بعد أسابيع من تصاعد الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي، وبعد وصول المسيّرات إلى كل من موسكو وسانت بطرسبورغ ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية والمهمة في المدينتين.

كما أنه جاء أيضًا في ظل نقاش غربي مستمر بشأن توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا وزيلينسكي.

وهنا تكمن أهمية توقيت وشكل رسالة بوتين، فهو أراد أن يقول لهم بوضوح: إذا استمرت الحرب في الاقتراب من العمق الروسي بهذا الشكل، والتأثير على الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والذي بدوره لا محالة سينعكس على الوضع السياسي الداخلي، وبالتالي على وضعية بوتين والكرملين، وبناء على هذا الفهم فإن الرد الروسي قد يتحرك بدوره إلى مستوى أعلى من ذلك الذي اعتدنا عليه خلال أربع سنوات ونيف من الحرب.

لكن بعد ذلك بيومين فقط جاءت هجمات 6 يونيو الأوكرانية باستخدام 141 مسيّرة على بطرسبورغ، وبعد يوم واحد من تصريحات بوتين خلال الجلسة العامة عن رفضه لقاء زيلينسكي، لتؤكد أن الصراع دخل فعلًا مرحلة جديدة.

كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيانها الرسمي يوم 6 يونيو الجاري إسقاط 376 مسيّرة أوكرانية إجمالًا خلال الليل فوق عدة مناطق روسية. وأكدت أن السلطات الروسية اضطرت إلى فرض قيود مؤقتة على مطار بولكوفو، وهو المطار الرئيسي في بطرسبورغ، والذي كانت الوفود الزائرة قد بدأت تغادر منه بعد انتهاء أعمال الأيام الرئيسية للمنتدى.

كما تحدثت السلطات الروسية عن سقوط حطام مسيّرات ووقوع حرائق وأضرار في بعض المناطق والمقاطعات. ففي الجنوب الروسي اندلع حريق في منشأة نفطية في منطقة أوست-لابينسك الواقعة في إقليم كراسنودار بعد تعرضها لهجوم بالمسيّرات.

أما هيئة الأركان الأوكرانية فقد أعلنت أن الهجمات استهدفت منشآت مرتبطة بأسطول البلطيق وقاعدة كرونشتادت ومستودعات وقود ومنشآت لوجستية وعسكرية.

لكن، ورغم هذا الإعلان الأوكراني، ومن واقع فهمنا أن الحرب الإعلامية التي تدور رحاها بين الطرفين لا تقل حدة عن المواجهات العسكرية المباشرة، تجدر الإشارة إلى أن المؤكد روسيًا هو وقوع هجوم واسع وإسقاط أعداد كبيرة من المسيّرات، وأن ذلك اضطر السلطات الروسية إلى فرض قيود طيران مؤقتة. كما أقرت بوقوع حريق في منشأة نفطية في الجنوب.

أما حجم الأضرار العسكرية الفعلية في تلك المنشآت فلا يزال يحتاج إلى صور أقمار صناعية أو بيانات رسمية إضافية أو تأكيدات مستقلة.

ومع ذلك نقول إنه حتى إذا كانت الخسائر المادية محدودة، فإن القيمة السياسية للهجوم كبيرة.

والسبب في ذلك أن كرونشتادت، لمن يعرفها بالطبع، ليست نقطة عادية على الخريطة الروسية. إنها البوابة البحرية لسانت بطرسبورغ، ومركز تاريخي واستراتيجي مرتبط بأسطول البلطيق، وجزء من منظومة حماية العاصمة الشمالية لروسيا.

وبالتالي فإن مجرد وصول المسيّرات الأوكرانية إلى هذه المنطقة، وإلحاق أضرار رأيتها بعيني ولو عن بعد كما رآها غيري من آلاف الزوار، وحقيقة أنها بلغت المدينة في أسبوع انعقاد منتدى بطرسبورغ الاقتصادي، يجعلها تحمل رسالة أوكرانية، ومن ورائها بالطبع، وبلا شك، رسالة أوروبية إلى بوتين تحديدًا. فهذه مدينة مسقط رأسه، وهذا منتداه الأثير، وها هم يقولون له إن الحرب قادرة على ملاحقتك وملاحقة روسيا في أكثر لحظات عرضها للقوة والاستقرار.

وهنا تتجلى أمام أعيننا المفارقة الكبرى.

وما أقصده بها هو الأرقام التي أعلنها أنطون كوبياكوف، مساعد الرئيس الروسي ورئيس اللجنة التنظيمية لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، في المؤتمر الصحفي الختامي الذي أعلن خلاله حصاد المنتدى.

فقد صرح كوبياكوف، في المؤتمر الصحفي الذي كنت بين حضوره، بأن المنتدى اختتم أعماله بحصيلة شملت توقيع 1084 عقدًا واتفاقًا ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية بلغت 6.6 تريليون روبل، أي ما يعادل نحو 90 مليار دولار بسعر الصرف الحالي. وقال إن الأرقام المسجلة لدى اللجنة تؤكد مشاركة أكثر من 24 ألف شخص في نسخة هذا العام من المنتدى.

وهنا ما قصدته أنا أعلاه بكلمة “المفارقة الكبرى”. وأقصد من وراء ذلك القول إن موسكو أرادت تقديم هذه الأرقام باعتبارها دليلًا على أن الغرب لم ينجح في عزلها، وهذه حقيقة موضوعية، وأنها قادرة على بناء شبكة اقتصادية بديلة مع آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهذه أيضًا حقيقة موضوعية.

وقد تسألون: وأين المفارقة فيما تقول يا سعد؟

وأجيبكم: نعم، الأرقام لافتة بحق، والحضور كان كبيرًا ومتنوعًا بحق، والتنظيم كان رائعًا بحق، لكن مع ذلك جاءت المسيّرات الأوكرانية في يوم انطلاق أعمال المنتدى ويوم ختامه لتقول، عبر أعمدة الدخان التي رأيناها وأصوات الانفجارات التي سمعناها، إن القدرة على تنظيم المنتدى لا تعني أن الحرب بعيدة عن مراكز الثقل الروسية التي يتباهى بها بوتين ويفتخر بها بعد أربع سنوات ونيف من حرب ضروس وعقوبات لم تتعرض لمثلها دولة أخرى في التاريخ الإنساني المسجل منذ أن بدأ الإنسان التضييق على أخيه الإنسان ومعاقبته بالمقاطعة وعدم الاتجار معه بيعًا وشراءً.

وهذا هو جوهر المسألة بالنسبة لروسيا في الوقت الراهن، حسبما أفهمه أنا.

فالاقتصاد الروسي، وفق كل الشواهد والأدلة، لم ينهر، نعم، لكنه يعمل تحت ضغط مركب، من العقوبات إلى استهداف عناصر بنيته التحتية ومنشآته المهمة بالمسيّرات.

كما أن الدولة تحاول تثبيت صورة الصمود، غير أن الحرب تقترب كل يوم من العمق الرمزي والحيوي.

وبهذا لم تعد العقوبات هي الضغط الوحيد على روسيا، بل بات الضغط عسكريًا أيضًا، ويمس الطاقة والمطارات والموانئ والقواعد، فضلًا عن المدن الرمزية الكبرى.

إن هذه التطورات تفرض على موسكو ضرورة إيجاد حل لمعادلة صعبة، وهي: كيف تعرض نفسها كقوة صاعدة في نظام عالمي جديد يتشكل، وفق كل التصريحات التي صدرت عن المشاركين في المنتدى، والذين يمثلون تنوعًا جغرافيًا واسعًا جدًا من مختلف أنحاء العالم، بينما تضطر في الوقت نفسه إلى حماية فضائها الداخلي من حرب مسيّرات من الواضح أنها ستكون طويلة الأمد.

في الجلسة العامة للمنتدى يوم 5 يونيو 2026، وكنت كذلك من بين حضورها وبالقرب من منصتها، حاول بوتين تقديم الإطار السياسي والاقتصادي لهذه المرحلة التي دخلها الصراع بين روسيا وأوروبا من خلال أوكرانيا.

وإذا بدأت بالاقتصاد، احترامًا للسياق، فالمنتدى رغم كل شيء هو منتدى اقتصادي، وهو أهم منتديات روسيا الاقتصادية الدولية، فإن الرسالة الاقتصادية الأساسية لبوتين كانت أن روسيا لا تنتظر رفع العقوبات ولا عودة العلاقة القديمة مع الغرب.

تحدث الرئيس الروسي عن تآكل الثقة في الدولار واليورو نتيجة تجميد الأصول الروسية، كما تحدث عن انتقال الاقتصاد العالمي من نموذج تهيمن عليه أقلية غربية إلى بنية أكثر تعددية.

وهذا الخطاب، بالطبع، عند قراءة ما بين سطوره، نفهم أنه ليس اقتصاديًا فقط، وإنما محاولة من جانبه لرسم صورة مختلفة لموقع روسيا داخل النظام الدولي. بمعنى أنه أراد بذلك أن يقول إنها ليست دولة محاصرة كما يدعي الغرب وإعلامه كل يوم، بل هي دولة أُجبرت على إعادة التموضع وقد نجحت في هذا التحدي، والأهم أنها ترى في هذا التحول فرصة استراتيجية وليست خسارة مطلقة أو شاملة.

لكن الموضوعية التي نتحدث عنها دائمًا تقتضي منا الإقرار، بناء على التقارير الاقتصادية التي راجعتها من أجل مواكبة أعمال المنتدى وفهم ما يدور في جلساته، بأن الاقتصاد الروسي ليس أمام طريق سهل.

صحيح أن المنتدى أعلن أرقامًا كبيرة، لكن 6.642 تريليون روبل، وهو الرقم المحدد الذي أعلنه كوبياكوف وأشرت إليه أعلاه، أو ما يعادله بالدولار، أي نحو 90 مليار دولار، لا تعني تدفقات نقدية فورية إلى الاقتصاد الروسي.

إذ إن جزءًا كبيرًا من هذه الاتفاقيات، حسبما كنت شاهدًا عليه من مراسم التوقيع خلال الأيام الأربعة للمنتدى، كان عبارة عن مذكرات تفاهم ومشروعات طويلة الأجل واتفاقات مشروطة بالتنفيذ والتمويل والبيئة الاستثمارية.

كما أن الاقتصاد الروسي لا يزال يواجه قيودًا حقيقية، مثل نقص العمالة، وارتفاع تكلفة الائتمان، وضغوط الميزانية، وتراجع بعض مصادر الريع التقليدية، فضلًا عن الحاجة إلى دورة استثمارية جديدة قادرة على تحويل شعار “السيادة التكنولوجية” إلى إنتاج فعلي، وهذا ما قاله معظم المحللين المهنيين والخبراء الاقتصاديين الموضوعيين خلال الجلسات النقاشية أو في التقارير المكتوبة.

لذلك فإن الأهمية الحقيقية للمنتدى ليست في الرقم وحده، وإنما في الاتجاه.

بمعنى أن موسكو لا تقول فقط إنها صمدت.

هي تقول إنها انتقلت من سؤال: كيف ننجو من العقوبات؟ إلى سؤال: كيف نبني اقتصادًا يعمل طويلًا داخل بيئة عقوبات من الواضح أنها ستستمر معنا طويلًا؟

وهذا تحول مهم، فالتكيف مع العقوبات وغياب الاستثمارات الغربية، وإن كان بعضها قد عاد يطرق الأبواب الروسية مجددًا، وهذا أيضًا ما لمسناه في هذا المنتدى، أقول إن هذا التكيف لم يعد كافيًا.

المطلوب الآن، من واقع ما يقوله الروس، هو بناء منظومة إنتاج وتمويل وتجارة أقل ارتباطًا بالغرب، وأكثر اعتمادًا على الشرق وما بات يُصطلح على تسميته “الجنوب العالمي”، على أن يكون ذلك بواسطة العملات الوطنية وعبر سلاسل الإمداد البديلة.

لكن التحدي كبير، فمن المعروف أن التنمية الاقتصادية مرتبطة مباشرة بالأمن، وأخذًا في الاعتبار متغير المسيّرات الجديد، أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.

فلا يمكن الحديث عن موانئ واستثمارات ومصافٍ وممرات لوجستية دون الحديث في الوقت نفسه عن القدرة على حمايتها وتأمينها.

وهذا هو معنى اقتصاد الحرب الطويلة، فهو ليس اقتصادًا متوقفًا أو راكدًا أو جامدًا، لكنه اقتصاد يعمل وهو ينفق، مضطرًا، جزءًا متزايدًا من طاقته على الحماية والتأمين والتعبئة والتكيف.

في الشق السياسي لكلمته وإجاباته على أسئلة مديرة الجلسة، الصحفية الهندية المهنية والمحترفة واللطيفة بكل ما في هذه الأوصاف من معنى، جمع بوتين في خطابه بين عرض القوة الروسية الآخذة في التصاعد وفتح باب التفاوض وعدم إغلاقه تمامًا بالضبة والمفتاح.

فأكد أن روسيا مستعدة للتسوية، لكنه ربط ذلك، كالعادة خلال السنة الماضية بالكامل، ومنذ دخول ترامب على الخط، بضرورة قبول كييف “الوقائع” القائمة على الأرض في الميدان، وخصوصًا في الدونباس، ومعالجة “الأسباب الجذرية” للصراع.

وهذا الكلام معناه، حسب فهمي له ولما يكرره بوتين دائمًا في هذه المسألة، أن موسكو والكرملين لا يريان أن وقف إطلاق النار غير المشروط بداية صحيحة للسلام.

فهذه، من وجهة نظر بوتين ووزارة الدفاع الروسية، لن تكون إلا هدنة تمنح الأوروبيين الوقت والفرصة لإعادة تسليح أوكرانيا وإعادة كرة الحرب من جديد، ولكن بوطأة أكبر على روسيا.

لذلك يطرح بوتين منطقًا مختلفًا، وهو أن التفاوض لا يتناقض مع استمرار القتال، لأن الميدان هو الذي يصنع شروط التسوية.

وهذا، يا سادة، هو الفارق الجوهري بين الرؤية الروسية والرؤية الغربية ـ الأوكرانية للحل.

وهنا جوهر الخلاف، وهما لن يلتقيا، في رأيي، في المدى المنظور على الأقل.

فالغرب، في جناحه الأوروبي على وجه التحديد، ومعه إدارة زيلينسكي أيضًا على وجه التحديد، يريدان وقفًا لإطلاق النار أولًا، ثم إطلاق عملية التفاوض بعد ذلك.

أما الكرملين وموسكو فيريدان تفاوضًا يأخذ في الاعتبار نتائج الميدان أولًا، ثم ترتيبات التسوية لاحقًا.

ولهذا السبب تحديدًا رفض بوتين عمليًا فكرة لقاء مباشر مع زيلينسكي في الظروف الحالية، وليس نكاية بزيلينسكي أو مناكفة له كما يفعل الأطفال أو صغار العقول، بحسب رؤية بوتين ومؤيديه.

بوتين لن يلتقي زيلينسكي، هذا رأيي الشخصي، وحتى لو نضجت الظروف.

فبوتين يعتقد أن لقاء القادة يجب أن يكون تتويجًا لاتفاقات جاهزة ليتم التوقيع عليها. لكنه يرى أيضًا أن زيلينسكي ليس رئيسًا شرعيًا لأوكرانيا الآن، وفقًا لتفسير موسكو للدستور الأوكراني، ولذلك فإنه حتى لو نضجت الظروف، فلن يكون زيلينسكي نفسه هو الشخص المؤهل قانونيًا للتوقيع باسم دولة أوكرانيا على مثل هذا الاتفاق.

نعم، قد يحضر في مكان التوقيع المفترض أو المحتمل، هذا إن وصلنا أصلًا إلى هذه المرحلة.

وليس من الوارد أيضًا، حتى إن حدث ذلك، أن يجلس معه بوتين.

لقد دخل الصراع مرحلة الاستنزاف المفتوح، يا ناس. لم تعد الجبهة وحدها هي المسرح الحاسم.

فأوكرانيا تضرب منشآت الطاقة والموانئ والقواعد ومستودعات الإمداد والمطارات.

وروسيا ترد بضرب مصانع المسيّرات والبنية العسكرية والطاقة والنقل ومراكز القيادة داخل أوكرانيا.

والغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي، وإن كان الأوروبي أكثر انخراطًا الآن، يضغط بالعقوبات والتمويل والسلاح.

وروسيا ترد على ذلك بتوسيع شراكاتها شرقًا، مع الصين تحديدًا، نكاية بواشنطن ودولتها العميقة التي راهنت، ولا تزال، على تدمير اقتصاد موسكو وإخراج الناس إلى الشارع في ثورة عارمة ضد بوتين، فروسيا هي بلد الثورات، بل ولكي تصل الأمور إلى حد قتله.

كما أنها ترد جنوبًا بتعزيز العلاقات مع أفريقيا وآسيا والعالم العربي، وبدعم إيران كذلك، فضلًا عن بناء أدوات ردع جديدة، مثل منظومة صواريخ “أوريشنيك” وأخواتها التي لا نعرف عنها بعد الكثير.

وفي هذه المرحلة فإن اعتقادي الجازم أن السؤال ليس: من يربح المعركة؟

لأن هذا السؤال أقل دقة، في رأيي، من سؤال آخر هو: من يستطيع تحمل الكلفة مدة أطول؟

وأحيلكم للحصول على أفضل فهم واقعي للموقف الروسي إلى حديثي الخاص الذي سجلته للتلفزيون العربي من داخل منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي مع ألكسندر دوغين، أحد صقور موسكو المعاصرين، والذي يصفه الروس أنفسهم بالمفكر والفيلسوف.

وقد استهدفته الاستخبارات الأوكرانية بمحاولة اغتيال في السنة الأولى للحرب، بل في أشهرها الأولى، عندما قُتلت ابنته الوحيدة، بينما نجا هو من العملية. ومنذ تلك الواقعة خصص له الكرملين حراسة خاصة لا يتحرك من دونها.

تراهن أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، ومن ورائها الاستخبارات البريطانية بطبيعة الحال، على أن ضرب العمق الروسي سيخلق ضغطًا سياسيًا ونفسيًا واقتصاديًا على موسكو.

لكن بوتين والكرملين يراهنان على أن الكتلة السكانية والصناعية والاقتصادية الروسية، إضافة إلى التقدم على الجبهة، وإن كان بطيئًا، ستجعل عامل الوقت يعمل لصالحهما.

وفي هذا السياق لا يجب قراءة تلويح بوتين بـ”أوريشنيك” كسلاح منفصل عن هجمات المسيّرات، فالاثنان جزء من منطق واحد، وهو توسيع بنك الردع الروسي ردًا على الضغط الأوكراني ـ الأوروبي المتزايد.

فأوكرانيا توسع بنك أهدافها داخل روسيا، وروسيا تلوّح بأنها تملك أدوات أعلى للرد داخل أوكرانيا، بشكل يفوق طاقة المجتمع الأوكراني والقدرات العسكرية الأوكرانية على التحمل.

إذن، كل طرف يحاول إقناع الآخر بأن التصعيد لن يحقق له مكسبًا مجانيًا.

والخطر هنا أن هذا النوع من الردع المتبادل لا يخفض التصعيد بالضرورة، وإنما قد يجعله أكثر تكرارًا وانتظامًا.

الجزئية الأكثر خطورة في تصريح بوتين هي حديثه عن احتمال استخدام “أوريشنيك” ضد أهداف محددة داخل مناطق عمرانية.

وهذا يعني أن روسيا ستقول إن المقصود أهداف عسكرية أو صناعية أو مراكز قيادة داخل بيئة حضرية.

أما أوكرانيا والغرب فبكل تأكيد سيقولان إن ذلك يفتح الباب أمام تهديد المدن.

ونعود نحن مجددًا إلى معضلة الروايتين، اللتين توجد بينهما دائمًا منطقة رمادية خطيرة.

وخطورة هذه المنطقة أنها تسمح لكل طرف ببناء شرعيته الخاصة؛ فموسكو تتحدث عن شرعية الهدف، بينما تتحدث كييف عن خطر استهداف المدن.

وبناء على هذا التصور الذي تناولته بالتحليل، يبدو أن الكرملين يريد أن يثبت خمس رسائل دفعة واحدة من وراء هذا الإعلان.

الأولى إلى أوكرانيا: ألا تراهنوا على أن ضرب العمق الروسي سيجبر موسكو على وقف غير مشروط لإطلاق النار.

والثانية إلى الغرب: أن استمرار الدعم العسكري لكييف سيقابله رفع تدريجي لمستوى الردع الروسي.

أما الثالثة فهي إلى الداخل الروسي، حتى يدرك بوضوح أن هذه الحرب طويلة، وأنه لا ينبغي خداع النفس بتمني العودة إلى ما كان عليه الحال قبلها، لكن الدولة، ومع ذلك، ما زالت تعمل وتنتج وتنظم منتدياتها وتوقع اتفاقاتها.

الرسالة الرابعة موجهة إلى دول الجنوب العالمي، وفيها تقول روسيا إنها ليست معزولة، بل أصبحت تتحرك بحرية وثقة كبيرتين داخل شبكة دولية بديلة.

أما الرسالة الخامسة والأخيرة فهي إلى أوروبا العجوز، المصابة ــ من وجهة النظر الروسية ــ بهوس هزيمة روسيا، ومفادها أن موسكو لا تعتبر الاتحاد الأوروبي وسيطًا محايدًا، وأنها تدرك جيدًا أنه طرف أساسي في الحرب، ويسعى إلى تثبيت سياسة إلحاق الهزيمة الاستراتيجية بروسيا.

لقد تحول منتدى سانت بطرسبورغ هذا العام، في قراءتي الشخصية له، والتي أبنيها استنادًا إلى مشاهدتي وحضوري له على مدى دورات وسنوات عديدة، من حدث اقتصادي كبير ومهم بالنسبة لروسيا إلى مسرح للحرب بمعناها الواسع.

فداخل قاعاته تحدث بوتين عن عالم متعدد الأقطاب، وعن اقتصاد روسي يتكيف مع عقوبات الغرب ولا ينتظر عودته، والأهم عن ردع جديد قد يغير معادلات كثيرة اسمه “أوريشنيك”.

وخارج قاعات وأجنحة المنتدى حلقت المسيّرات فوق لينينغراد، وهددت كرونشتادت، وأربكت مطار بولكوفو، وأشعلت منشآت نفطية في بطرسبورغ وفي الجنوب.

سيكون صيف 2026 صيفًا ساخنًا، هذا أمر واضح، لأن الحرب ستكون حرب العمق بامتياز.

وبالتأكيد لن تختفي معارك الجبهة، لكنها، كما أصبحت روتينية، سوف تستمر روتينية، ولن تكون وحدها معيار الحسم، إلا إذا سقطت بقية مناطق وأراضي دونيتسك، وبالتالي الدونباس بالكامل، بيد الروس.

وبالطبع لا تعني تصريحات بوتين أن روسيا ستستخدم “أوريشنيك” غدًا ضد كل مدينة أوكرانية.

كما لا تعني هجمات المسيّرات أن أوكرانيا أصبحت قادرة على شل العمق الروسي.

لكن الحدثين، عند جمعهما معًا، يعنيان أن الحرب خرجت من إطارها الجغرافي الضيق ودخلت مرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة ضرب الأعماق.

والأعماق هنا جاءت بصيغة الجمع لأنها لن تقتصر على العمقين الروسي والأوكراني فقط.

فكلما طال أمد الحرب، وكلما ازدادت كلفة الاستنزاف على الطرفين، اتسع نطاق الأهداف التي تُعد جزءًا من “العمق” الواجب التأثير فيه أو الضغط عليه أو ردعه.

وهنا تكمن، في تقديري، أخطر دلالات ما شهدناه في بطرسبورغ خلال أيام المنتدى.

فروسيا تقول إنها قادرة على مواصلة الحرب، والاستمرار في التكيف الاقتصادي، وتطوير أدوات ردع جديدة.

وأوكرانيا تقول إنها قادرة على نقل الحرب إلى الداخل الروسي، وإثبات أن المسافة الجغرافية لم تعد توفر الحماية التي كانت توفرها سابقًا.

أما أوروبا، فتبدو أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بضرورة مواصلة دعم كييف، فيما لا تظهر موسكو أي استعداد لتقديم التنازلات التي يطالب بها الغرب.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون: متى تنتهي الحرب؟

بل: كيف ستبدو الحرب عندما تنتقل بصورة أكبر من الجبهات إلى الأعماق؟

وهل ستنجح أدوات الردع الجديدة، سواء كانت صواريخ فرط صوتية مثل “أوريشنيك” أو أسراب المسيّرات بعيدة المدى، في فرض توازن جديد يفتح الباب أمام التسوية؟

أم أنها ستقود إلى مرحلة أكثر خطورة من التصعيد المتبادل؟

حتى الآن لا يملك أحد إجابة قاطعة.

لكن ما يمكن قوله بثقة، بعد أسبوع قضيته في بطرسبورغ بين جلسات المنتدى وأروقته ومؤتمراته الصحفية، هو أن روسيا لا تتصرف كدولة تعتقد أن الحرب أوشكت على نهايتها، كما أن أوكرانيا لا تتصرف كدولة اقتربت من القبول بالأمر الواقع.

ولهذا يبدو أن صيف 2026 لن يكون مجرد فصل جديد من فصول الحرب، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة منها، مرحلة يصبح فيها الصراع على الأعماق، وليس على خطوط الجبهة فقط، أحد أهم محددات مساره ومستقبله.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع