
كتب جون بولتون، أحد أبرز رموز المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، مقالاً بمناسبة الذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي، ليواصل به سلسلة مقالاته وتصريحاته الأخيرة، وآخرها مقاله في صحيفة وول ستريت جورنال، مدافعاً مجدداً عن الفكرة التقليدية للاستثنائية الأميركية، والتي اعتبر فيها أن الاتفاق مع إيران يهدد الأمن الأميركي ويقوض الردع.
حاول بولتون، في مقاله المنشور يوم 5 يوليو 2026، إعادة تقديم الرواية التقليدية للدور الأميركي في العالم. يبدأ المقال من الثورة الأميركية بوصفها “معجزة”، وينتهي بالتأكيد أن الولايات المتحدة ما تزال مضطرة إلى قيادة النظام الدولي في مواجهة روسيا والصين والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
وغارقاً حتى أذنيه في فكرة أن أميركا ليست مجرد دولة كبرى، وأن ثورتها ليست كسائر الثورات، يحاول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق إقناعنا بأن الولايات المتحدة، التي يجسد تاريخها، خلال القرن الماضي على الأقل، مثالاً صارخاً على استباحة دماء الآخرين، خصوصاً من غير البيض، تمتلك حقاً دائماً ومؤبداً في قيادة العالم.
ولا يكتب بولتون هذا الكلام بصفته مؤرخاً، وإنما بصفته أحد أبرز منظري المدرسة التي حكمت السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة؛ تلك المدرسة التي بنت تصورها على أن انهيار الاتحاد السوفيتي منح الولايات المتحدة تفويضاً مفتوحاً وشيكاً على بياض لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤيتها وعقيدتها، أو، لأكون أكثر دقة، وفق مطامعها ورغباتها.
وهذه هي المدرسة نفسها التي افتعلت حرب العراق وأشعلتها زوراً وبهتاناً، وهي ذاتها التي أيدت قصف يوغوسلافيا، وأقنعت العالم، عبر إعلامها المضلل، بأن ذلك كان من أجل الإنسانية. وهي نفسها التي دعت إلى إسقاط النظام السوري، ولم يكن يعنيها، ولا يزال، ما يحدث للشعب السوري، ولا حتى المطالب العادلة التي خرج من أجلها. وهي أيضاً المدرسة نفسها التي طالبت، لعقود، بضرب إيران، ثم وجدت نفسها فجأة أمام عالم مختلف تماماً.
وبالنسبة إليّ، ليست الثورة هي القضية على الإطلاق، وإنما ما بعدها. ففي اعتقادي الراسخ، من حق أي شعب أن يحتفل بثورته الوطنية، ومن الطبيعي تماماً أن ينظر الأميركيون إلى استقلالهم باعتباره اللحظة المؤسسة لدولتهم الحديثة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الذاكرة الوطنية إلى مبرر دائم للتدخل في شؤون الآخرين.
يحاول بولتون إقناعنا بأن الولايات المتحدة لا تتدخل لأنها تريد ذلك، وإنما لأنها مضطرة، كما أنها لا تقود العالم لأنها الأقوى فقط، بل لأنها تحمل رسالة تاريخية. وهذه هي، تحديداً، فكرة “الاستثنائية الأميركية”، التي أصبحت اليوم موضع نقد واسع، ليس فقط في موسكو وبكين، وإنما داخل الولايات المتحدة نفسها، لدى عدد من المفكرين الواقعيين، بل وحتى لدى بعض السياسيين، مثل بيرني ساندرز.
ويخبرنا تاريخ الولايات المتحدة، الذي أقل ما يمكن أن يوصف به أنه تاريخ أسود، بأن ما يسميه أنصار هذه المدرسة بـ”الدور الحاسم” الذي لعبته الولايات المتحدة لم يقتصر على النجاحات، وإنما امتد إلى سلسلة طويلة من الإخفاقات التي أعادت تشكيل العالم بصورة معاكسة لما أرادته واشنطن.
فمسيرتها تخفي تاريخاً طويلاً من الحروب والتدخلات التي لم تكن، في أغلبها، دفاعاً عن الأمن الأميركي، وإنما كانت، في كثير من الأحيان، تعبيراً عن رغبة في إعادة تشكيل الآخرين بالقوة.
ففي يوغوسلافيا عام 1999، قاد حلف شمال الأطلسي (الناتو) حملة قصف استمرت من 24 مارس إلى 10 يونيو، خارج تفويض واضح من مجلس الأمن، وأدت إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية في البلقان، ولا تزال موسكو تنظر إليها بوصفها لحظة تأسيسية لانهيار الثقة بينها وبين الغرب.
وفي العراق عام 2003، خدعت الولايات المتحدة العالم كله بعرض وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كولين باول، أمام مجلس الأمن، ثم شنت حرباً مدمرة قضت على الدولة العراقية وأدخلتها في دوامة من الفوضى. وبعد ذلك، خلصت تقارير ودراسات غربية إلى أن الأساس الذي قامت عليه الحرب كان خاطئاً، بل إن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أكد أن مقدمات الغزو استندت إلى معلومات غير موثوقة، وأن الفرضيات الأساسية لم تكن صحيحة. وهكذا اتضح أن الحرب قامت على فرضية امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، وهي الفرضية التي ثبت عدم صحتها.
أما في أفغانستان، ففي مفارقة لافتة، انتهت أطول حرب أميركية في تاريخ الولايات المتحدة بعودة حركة طالبان إلى السلطة. وفي ليبيا أدى إسقاط النظام إلى انهيار الدولة، وفي سوريا فشلت مشاريع تغيير النظام كافة. بل إن حروب أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن تُظهر، وفق أرقام مشروع “تكاليف الحرب” في جامعة براون، أن هذه الحروب، التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001، أسفرت عن مقتل أكثر من 940 ألف شخص بصورة مباشرة خلال الفترة بين عامي 2001 و2023، بينهم أكثر من 432 ألف مدني، فضلاً عن أعداد أكبر من الضحايا غير المباشرين نتيجة تدمير الاقتصاد والبنية الصحية والبيئة. وهذه، في النهاية، أرقامهم هم.
ثم جاءت الحرب الأخيرة مع إيران، وهنا تحديداً يصبح مقال بولتون وثيقة سياسية أكثر منه قراءة تاريخية. فحرب إيران هي الغائب الحاضر؛ إذ يتحدث المقال عن ضرورة استمرار القيادة الأميركية، لكنه يتجنب التوقف عند هذه الحرب الفاشلة تحديداً. وهذا التجاهل مفهوم تماماً، لأن الحرب الإيرانية تمثل، بالنسبة للمحافظين الجدد، واحدة من أكبر الانتكاسات الفكرية التي تعرض لها مشروعهم خلال العقدين الأخيرين من الهيمنة الأميركية.
وعلى الرغم من أن مشروع العدوان على إيران كان واضحاً منذ البداية، وكما ذكرت في أكثر من مقال سابق ضمن هذا الملف، فإن تغيير النظام الإيراني وتفكيك الدولة، ومن ثم تغيير التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط بلا رجعة، كان الهدف الأول والأسمى لعدوان ترمب ونتنياهو على طهران.
أما بقية أهداف الحرب، فقد جاءت في مرتبة لاحقة، وفي مقدمتها وقف تخصيب اليورانيوم، وإنهاء البرنامج النووي، ثم البرنامج الصاروخي، وصولاً إلى إنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني وتقويض مكانة إيران الإقليمية والدولية.
لكن النتيجة جاءت مختلفة تماماً. فبعد أربعين يوماً من القصف الشامل والمتواصل، لم يسقط النظام، وإنما قُتل الشيخ الكبير، الذي شكل مقتله انتصاراً رمزياً لإيران، ولم يغادر اليورانيوم الإيراني البلاد، بل أصبح اليوم المعضلة الرئيسية في المفاوضات الجارية بعد توقيع مذكرة التفاهم في 8 يونيو الماضي. أضف إلى ذلك أن البرنامج الصاروخي لم يتوقف، بل أصبح خارج إطار النقاش والتفاوض تماماً.
ولم تتراجع طهران عن معظم شروطها الأساسية، وانتهت الأزمة، بصورة مؤقتة بالطبع، إلى مذكرة تفاهم فتحت باب مفاوضات شديدة الصعوبة بالنسبة لواشنطن، وفق كل ما يصلنا من معلومات وتحليلات، بدلاً من فرض الاستسلام على خامنئي الابن والحرس الثوري.
وهنا تحديداً تتجلى الفجوة التي يتجاهلها خطاب بولتون وسائر الصقور. فعندما تتحدث واشنطن عن “الدور الحاسم”، تتحدث موسكو وبكين عن “تكلفة الهيمنة”. وحين تقول الولايات المتحدة إنها تقود العالم الحر، يرد خصومها بأن القيادة لا تعني القصف والعقوبات والحصار وتغيير الأنظمة بالقوة والخداع وعلى حساب دماء الشعوب ومستقبل مجتمعاتها.
والأخطر أن بولتون يضع روسيا والصين والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل في خانة واحدة، باعتبارها جميعاً تهديدات تستوجب استمرار هذا الدور الأميركي المزعوم.
وهذه الصياغة ليست بريئة؛ إذ تدمج القوى الكبرى المنافسة للولايات المتحدة، والتي باتت تهدد هيمنتها المنفردة منذ مطلع التسعينيات وحتى بداية العقد الحالي، مع تهديدات أمنية غير دولية، بحيث تصبح روسيا والصين، لمجرد رفضهما الهيمنة الأميركية، جزءاً من قائمة الخطر العالمي.
ولذلك فإن صياغات بولتون وأمثاله ليست مجرد قراءة للأمن الدولي، وإنما محاولة لتجريم التعددية القطبية التي يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ على ترسيخها. فروسيا لا ترى نفسها تهديداً لأنها ترفض النظام الدولي، وإنما لأنها ترفض النظام الذي تحتكره واشنطن. والصين لا تعتبر صعودها تهديداً، بل عودة طبيعية لقوة حضارية واقتصادية إلى موقعها العالمي.
لقد انتهت الأحادية القطبية، وصعود الصين وروسيا وقوى أخرى نقل العالم إلى بيئة متعددة الأقطاب، أكثر اضطراباً، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعبيراً عن ميزان القوة الحقيقي. والمفارقة أن الأحادية القطبية نفسها أسهمت، بصورة غير مباشرة، في تسريع هذا التحول، بعدما دفعت الصين وروسيا إلى ترسيخ مكانتهما بوصفهما مركزين رئيسيين للقوة السياسية والاقتصادية.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي أقصدها. فبولتون يكتب عن أميركا، في ذكرى استقلالها، بوصفها قوة للحرية. لكن الواقع يخبرنا بأن معظم الشعوب التي عايشت التدخلات الأميركية لا تتذكر الحرية أولاً، وإنما تتذكر العقوبات والحصار والانقلابات والقواعد العسكرية، وشروط صندوق النقد الدولي، وضغوط الديمقراطية الانتقائية، فضلاً عن الاغتيالات والقتل العشوائي والاستهداف المباشر للقادة والرؤساء.
وليس من قبيل المصادفة أن تأتي هذه المقالة في لحظة يتراجع فيها التصور العالمي للولايات المتحدة. فقد وصفت صحيفة “لوموند” الفرنسية الذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي بأنها مناسبة يغلب عليها القلق وخيبة الأمل أكثر من الفخر الوطني، في ظل نقاشات أميركية داخلية حول تآكل المعايير الديمقراطية وهشاشة الضوابط الدستورية داخل الولايات المتحدة.
كما نشرت صحيفة “الغارديان” تقريراً موسعاً أشارت فيه إلى أن صورة الولايات المتحدة عالمياً تدهورت بصورة ملحوظة، وأن الحلفاء والخصوم باتوا ينظرون إليها باعتبارها أكثر تقلباً وأقل موثوقية، خصوصاً في ظل سياسات ترمب خلال ولايته الثانية.
وبالعودة إلى إيران، نرى أن طهران كانت، خلال هذه الأيام، تبني بهدوء شديد سردية موازية لا تقل تأثيراً عن أي عملية عسكرية أميركية. لكن الصواريخ لم تكن هذه المرة هي السلاح، ولم تكن حاملات الطائرات، ولا حتى المفاوضات، بل كانت الرموز.
وفي الوقت نفسه الذي امتلأت فيه واشنطن بالألعاب النارية والخطابات الرسمية عن الديمقراطية والحرية والقيادة العالمية، كانت شوارع طهران تمتلئ بملايين المشاركين، أفواجاً تلو أخرى، في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، خامنئي، الشيخ الكبير الذي قُتل في الحرب، في مشهد استحوذ على اهتمام وسائل الإعلام الدولية، وأعاد توجيه النقاش العالمي من الاحتفال بالقوة الأميركية إلى الحديث عن تماسك النظام الإيراني وقدرته على التعبئة.
وسواء كان توقيت مراسم التشييع مخططاً له بعناية، أو أن طهران أحسنت استثمار الظرف السياسي، فإن النتيجة كانت واضحة؛ وهي أن الحرب دخلت مرحلة جديدة، مرحلة لن تُحسم فيها المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بالصواريخ وحدها، وإنما بالصورة والرمز والسردية أيضاً.
وأرى، من موقع المراقب، أن ما قامت به طهران خلال الأيام التي سبقت الاحتفال الأميركي يمثل عملية جيوسياسية عميقة وبالغة الدهاء. فما شاهدته على مدار اليومين الماضيين، وحتى لحظة كتابة هذه السطور (الساعة 17:22 بتوقيت موسكو)، لم يكن، في تقديري الشخصي، مجرد مراسم دينية.
فكل ما جرى، ولا يزال يجري، في هذه المراسم لا يستهدف الداخل الإيراني وحده، وإن كان معنيّاً بها أيضاً، وإنما يوجه رسالته الأساسية إلى الخارج، وتحديداً إلى دول ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية وأدبيات العلاقات الدولية بـ”الجنوب العالمي”.
وتقول هذه الرسالة، بلغة الصورة والصوت: “انظروا جيداً… لدينا مجتمع قادر على الالتفاف حول فكرة دينية وسياسية مشتركة، رغم سنوات طويلة من العقوبات والحصار والضغوط العسكرية.”
إن الصورة التي خرجت من طهران، ولا تزال تتدفق منها، كافية، في رأيي، لإرباك السردية الغربية التقليدية التي قامت طوال سنوات على فرضية أن النظام الإيراني يقف على حافة الانهيار الداخلي.
ولعل أبرز ما يؤكد ذلك تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، عندما قال: “لقد تفاجأت بوجود كل هؤلاء الإيرانيين في مراسم توديع خامنئي.” ثم أضاف: “كنت أعتقد أن الناس هناك تكرهه.”
ويا للمفارقة.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً لا يحتاج، في الأصل، إلى إجابة: إذا كان النظام الإيراني بهذه الدرجة من الضعف، كما حاولت الولايات المتحدة وإعلامها، والإعلام الذي يردد سرديتها دون تمحيص، تصويره، فمن أين جاءت هذه القدرة على التعبئة؟
ومع ذلك، ينبغي الابتعاد عن العواطف، واحترام مقتضيات الموضوعية، والتمييز بين الصورة والواقع. فالحشود الكبيرة التي شاهدها العالم في طهران لا تعني بالضرورة غياب المعارضة، كما أن المشاركة في مراسم الحداد لا تعني تلقائياً التأييد الكامل للنظام الإيراني. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف أن أدوات إنتاج الشرعية داخل الجمهورية الإسلامية تختلف جذرياً عن الأدوات التي اعتادت النخب الغربية قياس الأنظمة السياسية من خلالها.
وبحكم وجودي في روسيا، أستطيع أن أنقل كيف تنظر موسكو إلى هذه المراسم وهذه الظاهرة الدينية الإيرانية. فالكرملين لا يتعامل معها باعتبارها مجرد دعاية إيرانية، وإنما بوصفها مثالاً على تغير طبيعة الصراع الدولي.
والفكرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من الحرب الإيرانية، في هذا السياق، هي أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإدارة النظام الدولي، إذ أصبحت القدرة على إنتاج الرواية السياسية وإقناع المجتمعات بها لا تقل أهمية عن امتلاك الصواريخ.
ولهذا السبب تنظر موسكو، ومن واقع متابعتي، إلى الحرب الإعلامية والثقافية باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، وليست مجرد نشاط دعائي.
ومن ثم، فإن نجاح إيران في فرض صورتها على أجندة الإعلام الدولي خلال الأيام التي سبقت الاحتفال الأميركي يمثل، بلا شك، نجاحاً مهماً في أحد ميادين الصراع غير العسكري، حتى وإن لم يؤد وحده إلى تغيير موازين القوى.
ولا يفوتني، في هذا المقام، التوقف عند الصين، فدورها في كل ما يجري لا يمكن التقليل من أهميته. وأرى، من واقع قراءتي، أن بكين لا تعطي الرمزية الأولوية نفسها التي تمنحها للنتائج العملية. لذلك ترى القيادة الصينية أن النفوذ العالمي لم يعد يقاس بعدد حاملات الطائرات، على الرغم من امتلاكها قوة بحرية متنامية، وإنما بات يقاس أيضاً بالقدرة على إنتاج نموذج سياسي واقتصادي وثقافي يجد من يتبناه، وهي قدرة لا تقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية.
ولهذا تركز بكين على خطاب الحق في التنمية، والسيادة الاقتصادية، ورفض العقوبات الأحادية، أكثر من تركيزها على المواجهة العسكرية المباشرة. وفي تقديري، ينظر الرئيس شي جين بينغ إلى ما حدث بين واشنطن وطهران باعتباره دليلاً إضافياً على أن القوة الصلبة وحدها لم تعد كافية.
وأختم بالقول إن الأزمة ليست في إيران، بل في واشنطن. وإذا كان المقال الذي كتبه جون بولتون قد أريد له أن يكون احتفاءً بمرور 250 عاماً على الاستقلال الأميركي، فإنه صدر في لحظة أصبحت فيها الولايات المتحدة نفسها تعيش نقاشاً عميقاً حول مستقبل دورها العالمي.
وقد لعبت الحرب على إيران دوراً لا يستهان به في تعميق هذا النقاش، ولا أرى أنني أبالغ إذا قلت إن الأيام الـ128 التي مرت منذ انطلاق العدوان على إيران قد أسهمت بالفعل في إعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة فيه، أو أنها أوشكت على ذلك.
فالحرب مع إيران انتهت إلى مذكرة تفاهم، لا إلى تغيير النظام، والصين أصبحت المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، وروسيا ما تزال لاعباً رئيسياً، بل أصبحت، من وجهة نظر موسكو، أكثر قدرة على الصمود اقتصادياً رغم العقوبات، وأكثر خبرة عسكرياً بعد مواجهة طويلة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) بصورة غير مباشرة، عبر الدعم العسكري الغربي الواسع لأوكرانيا، الذي شمل أيضاً دولاً من خارج الحلف، مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
وأضف إلى ذلك استمرار توسع تكتل بريكس، واتساع الدعوات داخل دول الجنوب العالمي لإصلاح النظام الدولي. وفي خضم كل هذه التحولات، يحاول بولتون، الذي يبدو أنه لا يزال أسير مرحلة سابقة، الدفاع عن عالم مضى، أكثر مما يصف العالم الذي يتشكل أمامنا اليوم.
ولا أقصد بذلك أن إيران حققت انتصاراً كاملاً، أو أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها العالمية بصورة نهائية، فأنا لا أتحدث بمنطق الأمنيات أو العواطف، ولا أدعي أن موازين القوى انقلبت رأساً على عقب.
لكنني أعتقد، وبقدر كبير من اليقين، أن ما جرى خلال الأشهر الأخيرة كشف حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن المنافسة الدولية لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض وحدها، وإنما أصبحت تدور، بالقدر نفسه، حول السيطرة على السردية.
ومن ينجح في فرض روايته على الرأي العام العالمي، يربح، بلا شك، جزءاً مهماً من معركته، حتى قبل أن تُحسم عسكرياً على الأرض، أو سياسياً خلف أبواب غرف التفاوض المغلقة.
نعم، ما تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، لكن العالم الذي كانت تستطيع فيه أن تكتب وحدها قصة النظام الدولي لم يعد قائماً. وما جرى في طهران خلال الأيام الماضية يشير إلى أن واشنطن لم تعد وحدها من يصوغ الرواية، كما أن موسكو وبكين وطهران لم تعد تكتفي بالرد عليها، بل أصبحت تنتج سردياتها الخاصة، وتسعى إلى المنافسة على تشكيل وعي العالم، وهي، في تقديري، المعركة الحقيقية التي ستطبع القرن الحادي والعشرين.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير