تقدير موقف

من أمن الممرات إلى أمن الشبكات.. هل تعيد أزمة هرمز تشكيل معادلة القوة في الخليج؟


  • 30 أغسطس 2026

شارك الموضوع

لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد أزمة مرتبطة بتعطل حركة الملاحة أو ارتفاع تكلفة نقل الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية، بل تحولت إلى اختبار أوسع لطبيعة البنية التي قام عليها أمن الخليج خلال العقود الماضية، والتي اعتمدت بدرجة كبيرة على ضمان حرية الملاحة عبر الممرات البحرية، وعلى وجود قوة عسكرية قادرة على حماية هذه الممرات ومنع تعطيلها.

بعد أشهر من التصعيد الأمريكي الإيراني وما صاحبه من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بدأت تظهر تحركات خليجية تتجاوز فكرة التعامل مع الأزمة بوصفها ظرفا مؤقتا، إلى البحث عن ترتيبات طويلة الأجل تقلل من حجم الاعتماد على مضيق هرمز. وفي الثامن والعشرين من أغسطس (آب) 2026، كشفت رويترز عن توجه دول خليجية إلى تسريع استثماراتها في خطوط الأنابيب والموانئ والسكك الحديدية ومسارات النقل البديلة، في محاولة لإعادة توزيع حركة الطاقة والتجارة على أكثر من منفذ.

ولا ترتبط أهمية هذه التحركات فقط بحجم الاستثمارات أو بعدد خطوط الأنابيب الجديدة، بل بما تعكسه من تغير في طريقة التعامل مع مفهوم الأمن ذاته.

فمنذ سنوات طويلة ارتبط أمن الطاقة الخليجي بفكرة حماية الممر الذي تمر عبره الصادرات. لكن التطورات الحالية تشير إلى اتجاه مختلف يقوم على تقليل حجم الضرر الذي يمكن أن ينتج عن تعطيل هذا الممر من الأساس. وبذلك، قد لا يكون التحول الحقيقي الذي أحدثته أزمة هرمز هو البحث عن طريق بديل للمضيق، بل الانتقال من نموذج يعتمد على أمن الممرات إلى نموذج أكثر اتساعا يمكن تسميته أمن الشبكات، بحيث يتم توزيع حركة الطاقة والتجارة بين عدد أكبر من خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البرية والبحرية، بما يقلل قدرة نقطة جغرافية واحدة على تعطيل الجزء الأكبر من التدفقات.

لكن هذا التحول يطرح بدوره إشكالية أخرى.

فكلما اتسعت الشبكة، تراجعت خطورة الاعتماد على نقطة واحدة، لكنها تصبح أيضا أكثر انتشارا جغرافيا وأكثر حاجة إلى الحماية. وبالتالي، فإن تجاوز هرمز لا يعني بالضرورة تجاوز معضلة الأمن، وإنما قد يؤدي إلى إعادة توزيعها من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط والممرات البرية.

ومن هنا يطرح تساؤل رئيس: إلى أي مدى تسهم أزمة هرمز في إعادة تشكيل بنية أمن الطاقة في الخليج، وهل تقود إلى تقليص الاعتماد على المضيق أم إلى إعادة توزيع نقاط الانكشاف الاستراتيجي؟

أزمة هرمز.. من تعطيل الملاحة إلى مراجعة النموذج

تنبع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز من حقيقة أنه لا يمثل ممرا بحريا عاديا، وإنما أحد أكثر الممرات ارتباطا بحركة الطاقة العالمية. فقبل الحرب كان يعبر من خلاله نحو خمس تدفقات النفط العالمية، إلى جانب نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهو ما جعل استقرار الملاحة فيه أحد المحددات الرئيسة لأمن الطاقة الدولي.

لكن هذه الأهمية نفسها هي التي حولت المضيق إلى مصدر للانكشاف.

فكلما زادت نسبة الصادرات التي تمر عبر نقطة واحدة، أصبحت القدرة على تعطيل هذه النقطة أكثر تأثيرا. ولذلك لم يكن إغلاق هرمز أو تقييد حركة الملاحة فيه مجرد ضغط على الدول الخليجية، وإنما امتدت تداعياته إلى شركات الشحن وأسواق الطاقة والتأمين وسلاسل التوريد الدولية.

وقد أظهرت الأزمة الحالية حجم هذا التأثير بصورة أكثر وضوحا.

فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، انخفض متوسط تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر المضيق من نحو 21.6 مليون برميل يوميا خلال الربع الأخير من عام 2025 إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من 2026.

وكشفت الأزمة عن تفاوت واضح بين قدرة الدول الخليجية على التعامل مع التعطيل.

فبينما استطاعت السعودية إعادة توجيه جانب من صادراتها نحو البحر الأحمر، والإمارات نحو الفجيرة، وجدت قطر نفسها أمام هامش حركة أكثر محدودية نتيجة اعتماد صادرات الغاز الطبيعي المسال على منشآت رأس لفان وعلى المرور عبر المضيق.

وقد ظهر حجم هذا الانكشاف بصورة واضحة في السادس والعشرين من أغسطس، عندما كشفت رويترز أن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تراجعت بنحو 96% خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما حول أزمة هرمز بالنسبة إلى الدوحة من أزمة ممر بحري إلى أزمة مرتبطة مباشرة بقدرتها على الوصول إلى الأسواق.

وهنا تحديدا تكمن دلالة التحركات الخليجية الأخيرة.

فإذا كانت الأزمة قد أثبتت أن حماية هرمز عسكريا لا تضمن وحدها استمرار التدفقات بصورة مستقرة، فإن الخيار الآخر هو تقليل حجم الاعتماد عليه.

من حماية هرمز إلى تقليل الاعتماد عليه

لم تبدأ دول الخليج التفكير في الطرق البديلة بعد الحرب الحالية. فالسعودية تمتلك منذ عقود خط الشرق-الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وطورت الإمارات خط حبشان-الفجيرة الذي يسمح بتصدير جانب من النفط دون المرور بالمضيق.

لكن الفرق بين ما سبق الحرب وما يجري حاليا يكمن في حجم الأولوية التي بدأت تحظى بها هذه المشروعات، وفي اتجاهها إلى تجاوز حدود الاستخدام الوطني.

فوفق ما كشفته رويترز في الثامن والعشرين من أغسطس، تبحث الكويت مع السعودية والإمارات إمكانية توسيع شبكات خطوط الأنابيب لاستيعاب جزء من صادراتها، في الوقت الذي تعمل فيه السعودية على زيادة قدرات النقل نحو البحر الأحمر، بينما تسرع الإمارات تطوير بنيتها التحتية في الفجيرة.

وهذا يعني أن خطوط الأنابيب التي أنشئت في الأصل لخدمة صادرات دولة بعينها يمكن أن تتحول تدريجيا إلى جزء من بنية إقليمية أوسع.

وهنا لا تعود القضية مرتبطة بوجود خط أنابيب سعودي أو ميناء إماراتي فقط، بل بإمكانية استخدام هذه البنية لزيادة قدرة دول أخرى على التعامل مع أزمات مشابهة.

وإذا تطور هذا الاتجاه، فقد يؤدي إلى تغير مهم داخل العلاقات الخليجية نفسها.

فالدولة التي تمتلك الممر البديل لا تصبح فقط صاحبة منفذ أكثر أمانا، بل تتحول إلى نقطة عبور لدول أخرى، وهو ما يمنح البنية التحتية بعدا سياسيا يتجاوز قيمتها الاقتصادية. ويمكن أن تنتج محاولة تقليل الاعتماد على هرمز شكلا جديدا من الاعتماد المتبادل بين دول الخليج. لكن الفارق أن الاعتماد الجديد لن يكون متمركزا في نقطة جغرافية واحدة يمكن تعطيلها، وإنما موزعا بين عدة دول ومسارات.

وهذا ما يجعل أزمة هرمز مختلفة عن الأزمات السابقة. فبدلا من أن تدفع فقط إلى زيادة الوجود البحري أو تعزيز قدرات حماية السفن، بدأت تخلق حافزا اقتصاديا وأمنيا لإعادة تصميم حركة الطاقة نفسها.

البنية التحتية كجزء من معادلة الردع

ينظر عادة إلى الردع في الخليج من زاوية القدرات العسكرية، سواء الصواريخ أو الطائرات أو أنظمة الدفاع الجوي أو الوجود البحري الأمريكي. لكن الأزمة الحالية تكشف عن مستوى آخر من الردع يرتبط بالقدرة على امتصاص أثر الهجوم أو التعطيل. فإذا كانت إحدى أدوات الضغط الأساسية في الصراع هي القدرة على وقف صادرات الطاقة أو رفع تكلفة نقلها، فإن وجود طرق متعددة لا يمنع الخصم من تنفيذ التهديد، لكنه يقلل حجم النتيجة التي يمكن أن يحققها.

وهنا يصبح الهدف ليس منع تعطيل أي طريق بصورة كاملة، وإنما منع تعطيل طريق واحد من شل الدولة.

ويمكن ملاحظة هذه المعادلة في الحالة السعودية.

فخط الشرق-الغرب لم يمنع الأزمة في هرمز، لكنه منح الرياض قدرة أكبر على إعادة توجيه جزء من صادراتها إلى البحر الأحمر.

وبالنسبة إلى الإمارات، وفر موقع الفجيرة خارج المضيق هامشا للحركة لم يكن متاحا بالدرجة نفسها أمام دول أخرى. ولذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لهذه الشبكات لا تأتي فقط من قدرتها على زيادة حجم الصادرات، بل من قدرتها على خفض قيمة التهديد ذاته. فكلما تعددت منافذ الدولة، أصبح من الصعب استخدام إغلاق منفذ واحد باعتباره أداة قادرة على تغيير سلوكها السياسي.

ولذلك، تصبح البنية التحتية جزءا من الردع، لكنها لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها القوة العسكرية؛ فالقوة العسكرية تهدف إلى رفع تكلفة الهجوم على الخصم، أما الشبكات البديلة فتهدف إلى تقليل المكاسب التي يمكن أن يحققها من الهجوم. وهذه نقطة مهمة في فهم التحول الجاري.

فأزمة هرمز لم تدفع دول الخليج إلى البحث عن قوة أكبر فقط، وإنما عن قابلية أقل للتعرض للضغط.

تفاوت خليجي في القدرة على تجاوز هرمز

لا يمكن التعامل مع دول الخليج باعتبارها كتلة واحدة تمتلك الخيارات نفسها، فالجغرافيا تفرض تفاوتا واضحا بينها. السعودية تمتلك ساحلين على الخليج والبحر الأحمر، وهو ما يمنحها مساحة أكبر لإعادة توجيه صادراتها. والإمارات تمتلك الفجيرة على خليج عمان خارج المضيق. أما الكويت وقطر فتواجهان وضعا أكثر تعقيدا. ولذلك، فإن الأزمة لا تعيد فقط صياغة العلاقة بين الخليج وهرمز، وإنما قد تعيد توزيع الأهمية الاستراتيجية داخل الخليج نفسه.

فإذا أصبحت السعودية والإمارات قادرتين على توفير منافذ لدول أخرى، فإن وزنهما داخل أمن الطاقة الخليجي سيزداد بصورة تتجاوز حجم إنتاجهما.

ويظهر ذلك بصورة واضحة في المناقشات الكويتية الحالية بشأن استخدام أو توسيع شبكات السعودية والإمارات.

لكن قطر تظل الحالة الأصعب، فالغاز الطبيعي المسال لا يمكن إعادة توجيهه بالمرونة نفسها التي يتحرك بها النفط الخام عبر خطوط الأنابيب، لأنه يحتاج إلى منشآت تسييل وتخزين وتصدير متخصصة.

ولهذا، فإن الأزمة التي تعرضت لها الصادرات القطرية تكشف عن وجود تفاوت داخل الخليج بين الدول القادرة على تنويع مسارات صادراتها بسرعة والدول التي ترتبط بنيتها التصديرية بصورة أكبر بموقعها الجغرافي. وقد يصبح هذا التفاوت أحد العوامل التي تدفع نحو قدر أكبر من التكامل.

فالدول الأكثر انكشافا تحتاج إلى البنية التحتية التي تمتلكها الدول الأقل انكشافا، بينما تستفيد الدول المالكة للممرات الجديدة من زيادة أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.

لكن هذه العلاقة تطرح سؤالا آخر حول مدى استعداد دول الخليج لتحويل شبكاتها الوطنية إلى بنية مشتركة فعلية، وليس مجرد ترتيبات ثنائية تستخدم وقت الأزمات.

هل تتراجع ورقة هرمز في الحسابات الإيرانية؟

يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة الجغرافية التي امتلكتها إيران داخل معادلة الصراع الإقليمي.

فالقدرة الإيرانية على التأثير في المضيق سمحت لطهران بتحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ضغط تتجاوز ميزان القوة العسكري المباشر.

وقد ظهر ذلك مجددا في الثامن والعشرين من أغسطس، عندما أكد الحرس الثوري الإيراني أن طهران لا تزال تفرض سيطرتها على المضيق، رافضا الرواية الأمريكية التي تتحدث عن عودة الملاحة بصورة طبيعية. وبالتالي، لا يمثل هرمز بالنسبة إلى إيران مجرد ورقة عسكرية، وإنما ورقة تفاوضية أيضا.

فكلما ظلت أسواق الطاقة ودول الخليج تعتمد عليه، ظلت تكلفة التصعيد مع إيران مرتبطة باحتمال تعطيل جزء من التجارة العالمية. لكن بناء مسارات بديلة يمكن أن يغير هذه المعادلة تدريجيا.

فإذا أصبحت السعودية قادرة على تصدير كميات أكبر عبر البحر الأحمر، والإمارات عبر الفجيرة، والكويت عبر شبكات جيرانها، والعراق عبر تركيا أو الموانئ الغربية، فإن قدرة إغلاق المضيق على تحقيق شلل واسع ستنخفض. ولا يعني ذلك أن إيران ستفقد ورقة هرمز.

فالقدرات البديلة لا تزال أقل من حجم التدفقات الطبيعية عبر المضيق، وجزء كبير من منشآت الطاقة الخليجية يظل موجودا داخل منطقة الخليج. بالإضافة إلى ذلك، فإن الشبكات البديلة نفسها ليست خارج نطاق الاستهداف. وهنا قد يتغير شكل المنافسة دون أن تختفي.

فكلما تراجع الاعتماد على نقطة واحدة، أصبحت البنية التحتية الموزعة أكثر أهمية. وقد تنتقل معادلة الضغط من التهديد بإغلاق المضيق إلى استهداف الموانئ أو خطوط الأنابيب أو محطات الضخ أو البنية الرقمية التي تدير هذه الشبكات.

وبذلك، لا تفقد إيران ورقة الضغط بصورة كاملة، لكنها قد تفقد القدرة على تركيز الضغط في نقطة واحدة.

وهذا فرق مهم.

هل يعني تجاوز هرمز تراجع الحاجة إلى المظلة الأمريكية؟

إذا كان أمن الخليج قد ارتبط تاريخيا بالدور الأمريكي في حماية الملاحة وضمان تدفق الطاقة، فإن بناء شبكات تقلل الاعتماد على هرمز يطرح سؤالا حول مستقبل هذه العلاقة.

فهل يؤدي انخفاض أهمية نقطة الاختناق إلى تراجع الحاجة إلى الوجود البحري الأمريكي؟

يعد من المبكر الوصول إلى هذه النتيجة، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرات البحرية والجوية والاستخباراتية الأكبر القادرة على التأثير في معادلة الأمن الخليجي، كما أن توسع شبكات الطاقة لا يلغي الحاجة إلى حماية الملاحة. لكن ما يمكن أن يتغير هو طبيعة الوظيفة الأمنية المطلوبة.

ففي النموذج التقليدي، تركز جزء كبير من المعادلة على إبقاء الممرات البحرية مفتوحة. أما إذا انتقلت المنطقة نحو شبكة تضم موانئ البحر الأحمر والفجيرة وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية ومسارات برية عابرة لعدة دول، فإن طبيعة الحماية نفسها تصبح أكثر اتساعا. وسيصبح الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، والاستخبارات، وحماية المنشآت البرية، أكثر ارتباطا بأمن الطاقة إلى جانب الدور البحري.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: فتنويع المسارات قد يقلل الاعتماد على البحرية الأمريكية في مضيق واحد، لكنه لا يعني بالضرورة تقليل الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، بل قد يؤدي إلى إعادة تعريفه. ويدعم هذا الاتجاه الموقف الأمريكي نفسه من مشروعات تجاوز هرمز.

وأبدت واشنطن دعمها خلال الأشهر الأخيرة لبعض المسارات التي تسمح للعراق بتصدير النفط بعيدا عن الخليج، بما في ذلك محاولات إحياء خط كركوك-بانياس. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تنظر بالضرورة إلى تقليل الاعتماد على هرمز بوصفه انتقاصا من دورها. ويمكن أن يخدم ذلك هدفا أمريكيا مباشرا يتمثل في تقليل قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط.

وبالتالي، قد تتقاطع رغبة دول الخليج في زيادة قدرتها على الحركة مع المصلحة الأمريكية في تقليص النفوذ الجغرافي الإيراني، دون أن يعني ذلك نهاية المظلة الأمنية الأمريكية.

البحر الأحمر.. المستفيد الأول أم نقطة الاختناق التالية؟

يمثل الاتجاه نحو البحر الأحمر أحد أكثر نتائج التحول الحالي وضوحا. فكلما ازدادت قدرة السعودية على نقل النفط من شرق المملكة إلى ينبع، ارتفعت أهمية الساحل الغربي للمملكة والبحر الأحمر داخل خريطة الطاقة. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى ارتفاع تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر باب المندب خلال الأزمة، بالتزامن مع إعادة توجيه جزء من الشحنات بعيدا عن هرمز.

لكن هذا الاتجاه يطرح مفارقة أخرى. فالانتقال من هرمز إلى البحر الأحمر لا يعني الخروج من جغرافيا الاختناق، وإنما الانتقال إلى منظومة تضم باب المندب وقناة السويس وخط سوميد.

وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر خلال السنوات الماضية أن هذه المنطقة بدورها ليست معزولة عن الصراعات الإقليمية. ولذلك، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بنقل الاعتماد من مضيق إلى مضيق آخر. وإذا حدث ذلك، فلن تتغير طبيعة المشكلة، بل موقعها فقط.

ولهذا، فإن قيمة الشبكات الجديدة تكمن في تعددها وليس في وجود بديل واحد. فوجود مسار عبر البحر الأحمر، ومسار آخر عبر الفجيرة، ومسارات برية نحو الشمال، يجعل تعطيل أحدها أقل قدرة على وقف التدفقات بصورة كاملة. لكن زيادة أهمية البحر الأحمر تحمل بدورها آثارا تتجاوز دول الخليج.

فكلما ارتفع حجم التجارة والطاقة المتجهة غربا، ازدادت أهمية مصر وقناة السويس وخط سوميد والموانئ المصرية داخل المعادلة الجديدة.

وبالتالي، فإن إعادة تشكيل أمن الطاقة الخليجي يمكن أن تؤدي في الوقت نفسه إلى إعادة توزيع الأهمية الاستراتيجية بين الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

نحو الشمال.. هل يستعيد المشرق دوره كممر بين الخليج وأوروبا؟

لا يقتصر الاتجاه الجديد على السعودية والإمارات والبحر الأحمر. فالعراق يتحرك بدوره نحو تنويع طرق صادراته، سواء من خلال تركيا أو عبر البحث في إعادة تشغيل مسارات قديمة باتجاه سوريا والأردن.

وكشفت التحركات الأخيرة عن مشروعات للربط السككي تمتد بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا.

وهنا تبدأ أزمة هرمز في إنتاج آثار تتجاوز محيط الخليج نفسه. فإذا تحولت هذه المشروعات من خطط منفصلة إلى شبكة مترابطة، فقد يستعيد المشرق جزءا من موقعه التاريخي باعتباره منطقة عبور بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا. فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة أهمية الأردن بوصفه دولة عبور، وتركيا باعتبارها بوابة نحو الأسواق الأوروبية، بينما قد تستعيد سوريا جزءا من أهميتها الجيوسياسية من خلال موقعها في شبكات النقل والطاقة.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن المشروعات ستنجح بسهولة. فالممرات البرية تعبر دولا ذات بيئات سياسية وأمنية مختلفة، وتتطلب مستوى مرتفعا من الاستقرار والتنسيق والاستثمارات.

لكن مجرد عودة التفكير في هذه المسارات تعكس تغيرا في طريقة قراءة الجغرافيا الإقليمية. فالمناطق التي عرفت خلال السنوات الماضية بوصفها ساحات صراع قد تصبح في الوقت نفسه جزءا من محاولات بناء شبكات جديدة للتجارة والطاقة. وهنا يصبح أمن الخليج أكثر ارتباطا بالمشرق وتركيا وشرق المتوسط، وليس بمياه الخليج وحدها.

آسيا تضع حدودا لفكرة “تجاوز هرمز

رغم اتساع البدائل، هناك مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أن الجزء الأكبر من صادرات الطاقة الخليجية لا يتجه غربا، وإنما شرقا نحو آسيا. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أكبر مستوردي النفط والغاز اللذين يمران عبر هرمز. وهذا يعني أن بعض البدائل ليست متساوية في قيمتها.

فخطوط السعودية باتجاه البحر الأحمر تمنح المملكة قدرة كبيرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية، لكنها تجعل الطريق إلى آسيا أطول. أما الفجيرة فتتمتع بميزة مختلفة، لأنها تقع خارج هرمز، لكنها لا تزال تواجه المحيط الهندي والأسواق الآسيوية مباشرة.

وهذا يفسر لماذا قد لا ينتج عن التحول الحالي “طريق بديل” واحد. والأقرب هو ظهور مجموعة من المسارات التي تخدم اتجاهات مختلفة:

  • الفجيرة تكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى آسيا.
  • البحر الأحمر يصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى أوروبا.
  • الروابط البرية نحو تركيا وشرق المتوسط توفر خيارا إضافيا للأسواق الغربية.

ومن هنا تبرز طبيعة التحول بصورة أكبر. فالخليج لا يتحرك نحو الاستغناء عن هرمز، وإنما نحو توزيع المخاطر بين أكثر من اتجاه.

معضلة أمن الشبكات.. نقاط ضعف أقل أم أهداف أكثر؟

على الرغم من المزايا التي يوفرها تنويع المسارات، فإن الانتقال إلى شبكة أوسع لا يعني بالضرورة أن البيئة الأمنية ستصبح أقل تعقيدا. فخط الأنابيب الممتد لمئات الكيلومترات يحتاج إلى حماية، والموانئ تحتاج إلى أنظمة دفاع ومراقبة، والسكك الحديدية العابرة للحدود تعتمد على استقرار الدول التي تمر عبرها. وتعتمد الشبكات الحديثة على أنظمة رقمية يمكن استهدافها إلكترونيا.

ولذلك، فإن أمن الشبكات يحمل تناقضا داخليا. فهو يقلل خطر نقطة الفشل الواحدة، لكنه يزيد عدد النقاط التي تحتاج إلى الحماية. وهذا يعني أن التحول الجاري قد يؤدي إلى زيادة الحاجة إلى التعاون الأمني الإقليمي بدلا من تقليلها. فحماية ناقلة في الممر البحري يمكن أن تقوم بها قوة بحرية، أما حماية خط أنابيب أو شبكة سكك حديدية تعبر أكثر من دولة فتحتاج إلى تنسيق استخباراتي وأمني وسياسي بين جميع الأطراف التي تمر عبرها.

ومن هنا، يمكن أن تنتج البنية التحتية ترتيبات أمنية جديدة دون أن تبدأ باتفاق دفاعي رسمي. فالدول التي تصبح مصالحها مرتبطة بخط واحد تصبح مضطرة إلى التعاون من أجل حمايته. وقد تكون إحدى النتائج غير المباشرة لأزمة هرمز دفع المنطقة نحو أشكال جديدة من الترابط الأمني تنشأ من الحاجة إلى حماية الاقتصاد، وليس فقط من التحالفات العسكرية.

إلى أين تتجه المعادلة؟

في ضوء هذه التطورات، يمكننا تصور ثلاثة اتجاهات رئيسة.

الاتجاه الأول: يتمثل في تحول المشروعات الحالية إلى شبكة خليجية وإقليمية أكثر تكاملا، بحيث تتوسع قدرات السعودية والإمارات، وترتبط بها الكويت ودول أخرى، بالتوازي مع تطوير المسارات نحو البحر الأحمر والعراق وتركيا وشرق المتوسط. وفي هذه الحالة سيظل هرمز مهما، لكنه لن يبقى نقطة الفشل الرئيسة للمنظومة الخليجية بالدرجة نفسها. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تراجع نسبي في قيمة الورقة الإيرانية، وزيادة أهمية السعودية والإمارات بوصفهما عقدتين أساسيتين داخل الشبكة الجديدة.

الاتجاه الثاني: وهو الأكثر ترجيحا على المدى القريب، ويتمثل في استمرار كل دولة في تطوير بدائلها الوطنية، مع ظهور ترتيبات ثنائية محدودة عند الضرورة، دون الوصول إلى شبكة إقليمية متكاملة. وفي هذه الحالة ستتحسن قدرة الخليج على التعامل مع الأزمات، لكن بدرجات متفاوتة.

ستظل السعودية والإمارات في وضع أكثر مرونة، بينما ستستمر الكويت وقطر في مواجهة قيود أكبر.

الاتجاه الثالث: يتمثل في انتقال نقاط الاختناق بدلا من تجاوزها. فمثلا، إذا تحولت التدفقات من هرمز إلى البحر الأحمر دون وجود بدائل أخرى، فقد يزداد الاعتماد على باب المندب. وإذا تركزت التجارة في خط بري واحد، فقد يصبح هو نفسه هدفا عالي القيمة. وفي هذه الحالة تكون المنطقة قد غيرت موقع نقطة الضعف دون أن تغير طبيعة المشكلة.

ولذلك، فإن نجاح التحول الحالي لا يتوقف على بناء خطوط وموانئ جديدة فقط، بل يعتمد أيضا على قدرة الدول على إنشاء شبكة لا يؤدي تعطيل أحد أجزائها إلى تعطيل النظام بأكمله.

وختاما، لا تشير التحركات الخليجية الأخيرة إلى أن المنطقة تدخل مرحلة ما بعد مضيق هرمز، فالمضيق سيظل لسنوات طويلة أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وستظل إيران قادرة على التأثير في أمنه، وسيبقى للولايات المتحدة دور أساسي في حماية الملاحة وفي معادلات الأمن الخليجي.

لكن ما تغير هو أن الاعتماد الأحادي على هرمز بدأ ينظر إليه باعتباره مصدرا للمخاطر وليس مجرد ميزة جغرافية واقتصادية. ولذلك، فإن التحول الأهم قد لا يكون في تجاوز المضيق، وإنما في تقليل قدرة تعطيله على شل حركة الطاقة والتجارة.

وهذا ما يجعل الاستثمارات الحالية مختلفة عن مشروعات البنية التحتية التقليدية. فهي لا ترتبط فقط بتوسيع القدرة الإنتاجية أو خفض تكلفة النقل، بل تبدأ في الدخول ضمن مفهوم أوسع للمرونة والردع.

لكن هذا التحول يحمل حدوده أيضا، فكل طريق جديد يحتاج إلى حماية، وكل ميناء جديد يضيف نقطة جديدة إلى الحسابات الأمنية، وكل شبكة عابرة للحدود تجعل أمن الدولة أكثر ارتباطا باستقرار جيرانها.

وبالتالي، فإن الانتقال من أمن الممرات إلى أمن الشبكات لا يعني تراجع الاعتبارات الأمنية، بل على الأرجح اتساعها. ويظل الفارق الأساسي قائما: ففي النموذج القديم، كانت قدرة طرف واحد على تهديد نقطة جغرافية واحدة كافية لإرباك جزء كبير من تجارة الطاقة الخليجية. أما إذا نجحت دول المنطقة في بناء شبكة متعددة الاتجاهات تمتد من الفجيرة إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى الأردن وسوريا وتركيا وشرق المتوسط، فإن القدرة على توظيف هرمز كورقة ضغط ستظل موجودة، لكنها لن تحمل الوزن نفسه.

وقد تكون النتيجة الأهم للحرب الحالية ليست تغيير السيطرة على مضيق هرمز، وإنما تغيير قيمة السيطرة عليه داخل معادلة القوة. ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة هو ما إذا كان يمكن لدول الخليج الاستغناء عن هرمز، لأن ذلك لا يزال بعيدا عن الواقع، وإنما إلى أي مدى تستطيع بناء بدائل تجعلها أقل تعرضا للضغط عندما يتحول المضيق مرة أخرى إلى ساحة للصراع.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع