القضايا الاقتصاديةمقالات المركز

من “أسطول الظل” إلى الأصول المجمدة.. كيف تختبر العقوبات على روسيا حدود التماسك الأوروبي؟


  • 8 أغسطس 2026

شارك الموضوع

لم تعد العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا مجرد أداة اقتصادية تستهدف تقليص قدرة موسكو على تمويل عملياتها العسكرية، بل تحولت، مع استمرار الحرب، إلى اختبار مزدوج: اختبار لقدرة روسيا على التكيف مع منظومة ضغط ممتدة، واختبار لقدرة أوروبا على تحويل التوافق السياسي إلى سياسة تنفيذية موحدة، من دون أن تتحول كلفة هذه السياسة إلى مصدر انقسام بين الدول الأعضاء. وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال جديد في طبيعة المواجهة؛ إذ لم تعد العقوبات تقتصر على تجميد الأصول وحظر التعامل مع المؤسسات الروسية، بل امتدت إلى ملاحقة السفن المرتبطة بما يعرف بـ”أسطول الظل”، واعتراض بعضها في البحر، واستخدام العوائد المتولدة عن الأصول السيادية الروسية المجمدة لدعم أوكرانيا.

كما تواصل موسكو تطوير أدوات تسمح لها بإعادة توجيه صادرات الطاقة، وتوسيع شبكات النقل خارج المنظومة الغربية، والبحث عن قنوات مالية وتجارية بديلة. كما تضيف الهجمات المتزايدة على السفن والموانئ ومنشآت تصدير الطاقة في البحر الأسود بعدا جديدا للمواجهة، بعدما أصبحت حركة السلع والطاقة نفسها جزءا مباشرا من الصراع. ولذلك، لا تتعلق المرحلة الحالية بمدى تأثير العقوبات في الاقتصاد الروسي، بقدر ما تتعلق بقدرة الاتحاد الأوروبي على بناء منظومة ضغط تجمع بين التشريع والإنفاذ البحري والمالي، وتظل متماسكة في مواجهة أدوات التكيف والرد الروسية.

جاء اعتماد الاتحاد الأوروبي الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات على روسيا في 23 يوليو (تموز) 2026، ليؤكد استمرار بروكسل في سياسة الضغط على موسكو، من خلال استهداف قطاعات الطاقة والتمويل والعملات المشفرة والصناعات العسكرية، فضلا عن توسيع القيود المفروضة على السفن المرتبطة بتصدير النفط الروسي.

كما شملت الحزمة 218 إدراجا جديدا، بواقع 48 فردا و170 كيانا، وهو أكبر عدد من الإدراجات الفردية يعتمده الاتحاد الأوروبي ضمن حزمة واحدة منذ أربع سنوات. كما استهدفت أكثر من مئة مؤسسة مالية ومشغل للعملات المشفرة، وأضافت عشرات السفن المرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي إلى القيود الأوروبية. لكن أهمية هذه الحزمة لا تكمن فقط في عدد الأفراد والكيانات والسفن المدرجة، وإنما أيضا في تزامنها مع انتقال أوروبي تدريجي من فرض القيود إلى محاولة إنفاذها بصورة مباشرة.

ففي 2 أغسطس (آب)، صعدت قوة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي، بقيادة إيطالية، إلى الناقلة “توا بايوه” غرب جزيرة بانتيليريا في البحر المتوسط، للتحقق من قانونية تسجيلها ورفعها علم الكاميرون. وجاءت العملية بعد أقل من أسبوعين على تفتيش ناقلة أخرى مرتبطة بروسيا.

وبرغم أن العملية لم تصل إلى احتجاز الناقلة بسبب حدود التفويض الممنوح للمهمة الأوروبية، فإنها حملت دلالة مهمة، إذ أوضحت أن العقوبات لم تعد مجرد قوائم تصدر في بروكسل، بل بدأت تتحول إلى إجراءات ميدانية في البحر تشمل فحص الوثائق والتسجيل والأعلام التي ترفعها السفن. وترجع أهمية ذلك إلى أن الاتحاد الأوروبي يستطيع إدراج السفن وحظر تقديم الخدمات لها، لكنه يظل مقيدا بقواعد القانون الدولي، واختصاص دولة العلم، والتشريعات الوطنية، وطبيعة التفويض الممنوح للمهام البحرية المشتركة.

لكن عدم احتجاز السفينة لا يعني أن العملية كانت بلا أثر، إذ يمكن استخدام الوثائق والمعلومات التي جُمعت في إجراءات قانونية وطنية لاحقة. كما أن رفع مستوى المخاطر أمام ملاك السفن وشركات التأمين والوسطاء قد يزيد كلفة العمل ضمن شبكات الالتفاف على العقوبات. غير أن الواقعة تكشف، في الوقت نفسه، الفجوة بين التوافق السياسي على فرض العقوبات، والقدرة القانونية والعملية على إنفاذها بصورة موحدة.

أسطول الظل” وحدود السيطرة على تجارة الطاقة

اعتمدت روسيا، منذ تشديد القيود على صادراتها النفطية، على شبكة من الناقلات القديمة أو غامضة الملكية والتسجيل، بهدف نقل النفط خارج جزء من منظومة الخدمات الغربية المرتبطة بالتأمين والتمويل والشحن. وقد سمحت هذه الشبكة لموسكو بإعادة توجيه نسبة كبيرة من صادراتها نحو الأسواق الآسيوية، والحد من تأثير سقف الأسعار والقيود المفروضة على الشركات الغربية.

ولذلك، أصبح استهداف “أسطول الظل” جزءا أساسيا من استراتيجية العقوبات الغربية؛ لأن فاعلية القيود على قطاع الطاقة لا تعتمد فقط على حظر شراء النفط الروسي، وإنما ترتبط أيضا بالقدرة على تعطيل السفن والخدمات والتأمين والتمويل التي تسمح بوصوله إلى الأسواق الدولية. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن موسكو لا تكتفي بالحفاظ على شبكة ناقلات النفط، بل تعمل أيضا على توسيع شبكة ناقلات الغاز الطبيعي المسال، استعدادا للحظر الأوروبي المرتقب على واردات الغاز الروسي المسال. كما أضافت روسيا ثماني ناقلات غاز طبيعي مسال مستعملة، ليصل حجم الشبكة المرتبطة بهذا النشاط إلى نحو 25 سفينة خلال الأشهر الستة الأخيرة، في محاولة لنقل تجربة الالتفاف التي استخدمتها في تجارة النفط إلى قطاع الغاز.

كما أن نقل الغاز الطبيعي المسال أكثر تعقيدا من نقل النفط، إذ يحتاج إلى ناقلات متخصصة، وتقنيات احتواء وتبريد مرتفعة التكلفة، بالإضافة إلى خدمات صيانة وموانئ وتجهيزات يصعب توفيرها بعيدا عن الشركات والمنظومات الدولية الكبرى. ولذلك، قد تتمكن روسيا من توسيع الأسطول عدديا، لكنها تظل أكثر عرضة للقيود التكنولوجية والفنية في قطاع الغاز مقارنة بقطاع النفط. وفي المقابل، تواجه أوروبا معضلة واضحة؛ فإذا ركزت على ناقلات النفط فقط، فقد تنتقل شبكات الالتفاف تدريجيا إلى قطاعات أخرى. أما إذا وسعت نطاق العقوبات ليشمل ناقلات الغاز والخدمات المرتبطة بها، فسوف ترتفع كلفة الإنفاذ، ويصبح نجاح الإجراءات مرتبطا بمدى تعاون دول الأعلام والموانئ والأسواق الآسيوية. ولا تقتصر المخاطر المرتبطة بـ”أسطول الظل” على الالتفاف على العقوبات، بل تمتد إلى السلامة البحرية والبيئة، في ظل أعمار بعض السفن، وضعف الصيانة، وغموض الملكية والتأمين.

وقد أظهر التسرب النفطي من الناقلة “كارولين بيزنجي”، الخاضعة للعقوبات، قبالة سلطنة عمان، أن هذه السفن يمكن أن تتحول من وسيلة لنقل النفط الروسي إلى مصدر تهديد بيئي يتجاوز حدود الحرب في أوكرانيا. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية اتساع البقعة النفطية بالقرب من مناطق ساحلية وبيئية حساسة، وسط تحذيرات من احتمال تدهور حالة هيكل السفينة. ولذلك، تستطيع أوروبا تقديم تشديد الرقابة على هذه السفن باعتباره دفاعا عن سلامة الملاحة والبيئة، وليس فقط جزءا من المواجهة مع موسكو. غير أن هذا البعد لا يلغي الخلافات المتعلقة بالاختصاص القانوني، ولا يجيب عن السؤال المتعلق بمن يتحمل كلفة الإنقاذ والتنظيف والتعويض.

البحر الأسود واتساع المواجهة على طرق التجارة

ازدادت أهمية ملف السفن والطاقة مع تصاعد الهجمات في البحر الأسود، حيث تحولت الموانئ والسفن ومنشآت تصدير النفط والحبوب إلى أهداف مباشرة في الحرب الروسية الأوكرانية. وشهد يوليو (تموز) ارتفاعا في الهجمات على السفن والبنية التحتية للموانئ، بما أثر في صادرات الحبوب والطاقة، ورفع تكاليف الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب. كما تعرضت عمليات التصدير عبر موانئ روسية، من بينها نوفوروسيسك ومنشآت مرتبطة بخط أنابيب بحر قزوين، إلى اضطرابات متقطعة.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يربط بين العقوبات والمواجهة العسكرية بصورة أكثر مباشرة. فالغرب يحاول تقليص العوائد الروسية من خلال الأدوات الاقتصادية والمالية، بينما تستهدف أوكرانيا بعض منشآت التكرير والتصدير التي تمثل مصدرا لتمويل العمليات العسكرية الروسية.

كما تواصل روسيا استهداف الموانئ ومنشآت التصدير الأوكرانية، بما يزيد الضغوط على حركة الحبوب والسلع في الأسواق العالمية. ولذلك، لم تعد طرق تصدير الطاقة مجرد قنوات اقتصادية تتأثر بالعقوبات، بل أصبحت ساحات مواجهة فعلية. ويضيف هذا التحول أعباء جديدة على أوروبا، لأنها لا تواجه فقط مسألة تطبيق القيود على السفن الروسية، وإنما أيضا احتمالات اتساع الاضطراب في أحد أهم الممرات المرتبطة بتجارة الحبوب والنفط.

كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز روسيا وأوكرانيا، وتمتد إلى أسعار الغذاء والطاقة، وإلى الدول المستوردة، الأمر الذي يجعل استمرار المواجهة أكثر ارتباطا بالمصالح الوطنية للدول الأوروبية وشركائها.

الأصول المجمدة وانتقال المواجهة إلى المجال المالي السيادي

إذا كان اعتراض ناقلات “أسطول الظل” يمثل انتقال العقوبات إلى المجال البحري، فإن استخدام العوائد الناتجة عن الأصول الروسية المجمدة يمثل انتقالا أكثر حساسية إلى المجال المالي السيادي. ففي 5 أغسطس (آب)، أعلن الاتحاد الأوروبي استخدام 1.4 مليار يورو من الفوائد المتولدة عن أصول البنك المركزي الروسي المجمدة لدعم أوكرانيا. وكانت الأموال قد حُولت إلى الاتحاد الأوروبي في 3 أغسطس (آب)، في إطار توظيف العوائد النقدية المتراكمة على الأصول الروسية الخاضعة للتجميد. ولا يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بمصادرة أصل رأس المال الروسي بصورة مباشرة، وإنما باستخدام الفوائد والعوائد الناتجة عنه.

ويمنح هذا التمييز الاتحاد الأوروبي مساحة قانونية أكبر، لأنه يسمح بتوظيف هذه العوائد من دون الانتقال الكامل إلى مصادرة الأصول السيادية. لكنه يفتح، في الوقت نفسه، نقاشا أعمق بشأن حدود استخدام هذه الأموال، وتأثير ذلك في الثقة بالنظام المالي الأوروبي، واحتمال تعرض الأصول الأوروبية داخل روسيا لإجراءات مقابلة. ولا يمكن النظر إلى هذا التطور باعتباره إجراء ماليا منفصلا عن بقية منظومة العقوبات، إذ يحاول الاتحاد الأوروبي من خلاله ربط الأموال الروسية بكلفة الحرب في أوكرانيا، وتحويل التجميد من أداة وقائية إلى أداة تمويلية. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الدول الأوروبية على الحفاظ على توافقها بشأن الفارق بين استخدام العوائد ومصادرة الأصل.

فبعض الدول قد تقبل استخدام الفوائد المتراكمة، لكنها تتحفظ على الانتقال إلى مصادرة الأموال نفسها، بسبب المخاطر القانونية والمالية، ومخاوف تعرض المؤسسات الأوروبية لإجراءات انتقامية روسية. ومن هنا يصبح ملف الأصول المجمدة اختبارا آخر للتماسك الأوروبي، لأن الانتقال من تجميد الأصول إلى توظيفها يتطلب اتفاقا على توزيع المخاطر القانونية والسياسية بين الدول والمؤسسات الأوروبية.

موسكو والرهان على التباينات الغربية

تدرك روسيا أن قدرتها على مواجهة العقوبات لا تعتمد فقط على التكيف الاقتصادي أو تطوير ناقلات وأسواق جديدة، وإنما تعتمد أيضا على اختبار صلابة المعسكر الغربي بمرور الوقت. فكلما اتسع نطاق العقوبات، وانتقل من استهداف روسيا مباشرة إلى معاقبة السفن والوسطاء والدول والشركات التي تتعامل معها، ازدادت دائرة المتضررين، وارتفعت احتمالات اصطدام السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية الوطنية.

ويظهر ذلك في الجدل الأميركي بشأن مشروع عقوبات يسمح بفرض رسوم تصل إلى 100% على الدول الكبرى المستوردة للنفط والغاز الروسيين، أو الدول التي تساعد موسكو على الالتفاف على القيود. فعلى الرغم من حصول المشروع على دعم إجرائي واسع داخل مجلس الشيوخ، فإنه يواجه اعتراضات تتعلق بتأثير الرسوم في التضخم والأسعار، واتساع الصلاحيات الممنوحة للرئيس الأميركي، واحتمال الإضرار بالعلاقات مع الصين والهند وبعض الحلفاء الأوروبيين والآسيويين.

أما بالنسبة إلى أوروبا، فيضيف هذا المسار ضغوطا جديدة، إذ قد تجد الحكومات الأوروبية نفسها مطالبة بدعم أدوات أميركية أكثر تشددا، في الوقت الذي تسعى فيه إلى حماية شركاتها وأسواقها وعلاقاتها التجارية مع الدول المستوردة للطاقة الروسية.

ويمكن قراءة الرهان الروسي على عامل الزمن، فموسكو لا تراهن فقط على قدرتها على إيجاد سفن وأسواق وقنوات تمويل بديلة، وإنما تراهن أيضا على أن استمرار الحرب وارتفاع كلفتها قد يؤديان إلى ظهور تباينات أكبر داخل الاتحاد الأوروبي، وبين أوروبا والولايات المتحدة. ولا يعني ذلك أن الوحدة الأوروبية بدأت في الانهيار. فقد استطاع الاتحاد الأوروبي اعتماد الحزمة الحادية والعشرين، رغم صعوبة المفاوضات والاعتراضات التي سبقتها، كما بدأ تنفيذ بعض جوانب العقوبات في المجالين البحري والمالي.

غير أن الخلاف لم يعد يدور فقط حول ضرورة الضغط على روسيا، بل أصبح يتعلق بوسائل هذا الضغط، وكلفته، وحدوده القانونية. فالدول الأوروبية لا تتساوى في نظرتها إلى التهديد الروسي، ولا في اعتمادها على الطاقة والتجارة والشحن، ولا في قدرتها على المشاركة في عمليات الإنفاذ البحري أو تحمل مخاطر الدعاوى المرتبطة بالأصول الروسية. وقد أظهرت مفاوضات الحزمة الأخيرة أن بعض الدول سعت إلى استثناءات تحمي مصالح شركات الشحن أو بعض الواردات، ما يشير إلى أن استمرار الإجماع الأوروبي أصبح يحتاج إلى مساومات أكثر تعقيدا. وقد يكون التحدي الأكبر أمام أوروبا هو الحفاظ على وحدة سياسية في ظل تنفيذ غير متساو، لأن العقوبات تصبح أقل فاعلية عندما تتحول إلى شبكة من الاستثناءات الوطنية، أو عندما تقتصر عمليات التنفيذ الفعلي على مجموعة محدودة من الدول.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل سياسة العقوبات الأوروبية على روسيا

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل سياسة العقوبات الأوروبية على روسيا.

السيناريو الأول: بناء منظومة أكثر تكاملا للإنفاذ، تجمع بين توسيع قوائم العقوبات، واعتراض السفن، وتشديد الرقابة على التأمين والخدمات البحرية، واستخدام عوائد الأصول المجمدة لدعم أوكرانيا. ويمكن لهذا المسار أن يرفع كلفة الالتفاف على العقوبات، لكنه يتطلب توافقا قانونيا وعسكريا وماليا طويل الأمد، كما يزيد احتمالات الرد الروسي، سواء من خلال إجراءات تستهدف الأصول الأوروبية، أو عبر توسيع شبكات النقل والتمويل البديلة.

السيناريو الثاني: استمرار التشدد السياسي مع تنفيذ انتقائي. وفي هذه الحالة، ستواصل أوروبا إصدار حزم العقوبات واستخدام عوائد الأصول، لكنها ستحصر اعتراض السفن أو احتجازها في الحالات التي تتوافر فيها مخالفات واضحة، مع استمرار بعض الاستثناءات المرتبطة بالمصالح الوطنية. وهنا لا تنهار سياسة العقوبات، لكنها تصبح أكثر تفاوتا بين الدول، وأكثر اعتمادا على قدرة كل دولة على الإنفاذ البحري والقانوني.

السيناريو الثالث: تحول العقوبات إلى مصدر تباين أوروبي وأطلسي. وقد يحدث ذلك إذا توسعت الرسوم الأميركية الثانوية، أو ارتفعت أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، أو وقعت أزمة بحرية كبيرة، أو صعدت روسيا إجراءاتها ضد المصالح والأصول الغربية. وعندها قد يستمر الإجماع السياسي على دعم أوكرانيا والضغط على موسكو، لكنه لا ينعكس بالضرورة في توافق كامل بشأن أدوات الضغط، أو حدودها، أو توزيع كلفتها.

وأخيرا، تكشف التطورات الأخيرة أن العقوبات المفروضة على روسيا دخلت مرحلة جديدة. فاعتراض ناقلات “أسطول الظل” يعني انتقال المواجهة إلى البحر، واستخدام عوائد الأصول المجمدة يعني انتقالها إلى المجال المالي السيادي، بينما يظهر توسع شبكة ناقلات الغاز قدرة موسكو على استباق القيود وإعادة بناء أدواتها. كما أن تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن ومنشآت الطاقة في البحر الأسود يجعل الفصل بين العقوبات والمواجهة العسكرية أكثر صعوبة، إذ أصبحت طرق نقل النفط والغاز والحبوب نفسها جزءا من الصراع.

غير أن هذه التطورات لا تعني أن أوروبا نجحت في إغلاق ثغرات العقوبات. فعدم احتجاز الناقلة التي جرى تفتيشها يكشف حدود التفويض القانوني، والخلاف بشأن الأصول المجمدة يوضح حساسية الانتقال من استخدام العوائد إلى مصادرة الأصل، كما أن توسع أسطول الغاز يبين قدرة روسيا على نقل أساليب الالتفاف من قطاع إلى آخر. ولا يعني استمرار التباينات أن الموقف الأوروبي قد انهار، فقد أثبت الاتحاد الأوروبي قدرته على اعتماد حزمة واسعة من العقوبات، واستخدام عوائد الأصول، والبدء في تنفيذ بعض القيود ميدانيا.

لكن استمرار هذا المسار سيتوقف على قدرة الدول الأعضاء على توزيع الكلفة والمخاطر، وتوحيد قواعد الإنفاذ، ومنع المصالح الوطنية من تحويل العقوبات إلى منظومة متفاوتة التطبيق. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لم يعد قدرة أوروبا على إضافة أسماء وسفن جديدة إلى قوائم العقوبات، بل قدرتها على بناء نظام ضغط مستدام يجمع بين القانون، والتمويل، والرقابة البحرية، ويظل متماسكا عندما تبدأ موسكو في تطوير أدوات الرد والتكيف.

وهنا، قد لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل يمكن أن تزداد العقوبات على روسيا؟ بل قد يكون السؤال الأهم: إلى أي مدى سيكون الاتحاد الأوروبي قادرا على تحويل العقوبات من توافق سياسي إلى سياسة تنفيذية موحدة، من دون أن تتحول كلفتها إلى الثغرة التي تراهن موسكو عليها؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع