مقالات المركز

ما أهمية زيارة رئيس دولة الامارات في هذا التوقيت إلى روسيا؟

ملفات طاولة بوتين وبن زايد في قاعات الكرملين


  • 31 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: atalayar.com

يدرج الكرملين زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى موسكو، 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ضمن إطار أوسع يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي، ففي القراءة الروسية الرسمية، وغير الرسمية، تعكس هذه الزيارة موقع دولة الإمارات بالنسبة لموسكو والكرملين وبوتين بوصفها شريكًا عمليًّا يمكن الوثوق به في مرحلة تتسم باضطراب هيكلي في النظام الدولي، مع تراجع قابلية الغرب على احتكار مسارات الشراكات الاقتصادية والسياسية.

بالنسبة لروسيا جاءت الزيارة في توقيت مهم؛ فموسكو التي تعمل منذ 2022 على إعادة توجيه ثقلها الاقتصادي والتجاري والاستثماري نحو آسيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي، تنظر إلى الإمارات بوصفها إحدى أكثر النقاط استقرارًا ومرونة في هذا الفضاء الجديد. والعلاقة بين البلدين، في التحليلات الروسية، لم تُبن على ردود فعل ظرفية؛ بل على مسار تراكمي بدأ منذ ما قبل الأزمة الأوكرانية، وتعمق بعدها، دون أن يتأثر بالضغوط الغربية، أو مناخ الاستقطاب الحاد.

الكرملين -حسبما تقول لنا المصادر المطلعة- ينظر إلى محمد بن زايد بوصفه قائدًا يمتلك رؤية إستراتيجية طويلة المدى، ويفصل بين إدارة المصالح الوطنية وبين الاصطفافات الأيديولوجية. وهذا التصور مهم لبوتين؛ لأنه يمنح الحوار الروسي-الإماراتي قيمة خاصة، لأنه حوار مع طرف يعرف ما يريد، ويملك القدرة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ملموسة.

وإذا تحدثنا عما يريده الكرملين من وراء هذه الزيارة، فنقول -بلغة تحليلية موضوعية- إن زيارة رئيس الامارات تأتي في توقيت وظيفي مهم لروسيا؛ فموسكو تحتاج الآن -بشدة- إلى شريك خليجي قادر على أداء ثلاثة أدوار متزامنة دون صدام مباشر مع الغرب:

1- قناة أعمال وتمويل واستثمار قابلة للتوسع رغم العقوبات.

2- منصة وساطة واتصال في ملفات الحرب الأوكرانية.

3- صمام إقليمي لتخفيف أخطار الانفجار في الشرق الأوسط، خصوصًا مع عودة ملف إيران إلى حافة التصعيد.

بالطبع هذه القراءة لم تذكر حرفيًّا في البيانات الرسمية، لكننا نستنتجها من ترتيب المحادثات؛ فقد بدأت -عكس البرتوكول المتبع- بجلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، ثم استمرار التفاوض على انفراد (سجال أو حديث وجهًا لوجه)، وامتداد اللقاء إلى عدة صيغ، فقد شمل فطورًا وغداء عمل.

اقتصاديًّا، الكرملين يتعامل مع أبو ظبي بوصفها أكبر شريك تجاري عربي لروسيا، والأرقام هنا مهمة ليس للتباهي؛ بل هي رسالة سياسية للغرب قبل السوق.

وفق البيانات المرجعية المنشورة في روسيا، ارتفع حجم التبادل في 2021 إلى 5.36 مليار دولار (+64.5% عن 2020)، ثم تجاوز 9 مليارات في 2022، وبلغ رقمًا قياسيًا 11.2 مليار دولار في 2023، ثم قرابة 10 مليارات في 2024، مع توقعات بأن يكون أعلى من 10 مليارات بنهاية 2025.

ملف الاستثمارات هو بيت القصيد في الحساب الروسي؛ لأنه يعالج أثر العقوبات أكثر مما يعالج التبادل التجاري نفسه.

وتشير البيانات المنشورة في روسيا -نقلًا عن مؤسسات إماراتية- أن حجم رأس المال الروسي في اقتصاد الإمارات تجاوز 30 مليار دولار (حتى 2024)، في حين بلغت الاستثمارات الإماراتية في روسيا 16.8 مليار دولار، مع تنفيذ أكثر من 60 مشروعًا عبر شراكات الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة مع جهة استثمارية كبرى في الإمارات، وتسجيل نحو 4 آلاف شركة روسية في الإمارات.

ومن هذه النقطة ترسل الزيارة رسالتين؛ الأولى للداخل الروسي بأن مسارات التمويل والاستثمار لم تُغلق، والثانية للغرب بأن شبكة الشركاء البديلة في الجنوب العالمي تعمل وتُنتج أرقامًا.

وإذا انتقلنا إلى الحديث عمّا دار خلف الأبواب المغلقة، فمن الصعب الادعاء بوجود محتوى مُسرب يمكن الوثوق به، كما أنه لا توجد محاضر منشورة على نحو تفصيلي يمكن الإحالة إليها؛ لكن توجد مؤشرات قوية على ثلاث حزم ناقشها بوتين وبن زايد بعمق، مرتبة حسب الأولوية:

الحزمة الأولى هي أوكرانيا، فهي الملف الأهم والأكثر إلحاحًا للكرملين، وناقشاها بصفتها ملفًا قابلًا للإدارة عن طريق أبو ظبي. وهنا أستند إلى ما قالته الصحافة الروسية الكبرى، فقد ركزت على امتنان بوتين للإمارات لاستضافة محادثات ثلاثية في أبو ظبي الأسبوع الماضي، وتحضيرها لاستقبال جولة ثانية منها خلال أيام قليلة، كما شكر حاكم الإمارات على دورها في عمليات التبادل للأسرى من ناحية إنسانية.

الموقف الروسي هنا -حسب فهمي له- لا ينظر إلى أبو ظبي على أنها وسيط “محايد” بالمعنى الأخلاقي فحسب؛ بل وسيط “مفيد ونافع”، يملك علاقات عمل جيدة مع كل من موسكو وواشنطن وكييف، ويضمن ترتيبات لوجستية وأمنية بعيدة عن أوروبا، وبذلك يبعد الرمزية الأوروبية بأي شكل من الأشكال عن هذا الملف، وهو ما يريح الكرملين تكتيكيًّا.

الحزمة الثانية هي الشرق الأوسط، وبالتحديد إيران. بوتين نفسه صرح علنًا أنه يريد مناقشة توترات إيران مع محمد بن زايد، وهو تصريح يشي بأن موسكو لديها ما تقوله، أو ما تريد أن تعرفه بدقة، خصوصًا أنها لا ترى الملف الإيراني منفصلًا عن أمن الخليج، والأهم عن أسواق الطاقة، وحسابات واشنطن خلال المدى القصير.

وبمستوى الخطاب السياسي، ركزت التغطيات على فلسطين وغزة، حيث نقلت الصحافة الروسية عن بوتين كالعادة حديثه عن إقامة دولة فلسطينية بأنه مسألة مبدئية؛ ما ينسجم مع تموضع روسيا التقليدي في الملف الفلسطيني، ويخدم خطابها الأوسع عن القانون الدولي مقابل الانتقائية الغربية.

الحزمة الثالثة هي الطاقة والأسواق، حتى لو لم تُعلن كل تفاصيلها؛ فالعلاقة الروسية الإماراتية تحمل بطبيعتها ظل “أوبك+”، وما يعنيه ذلك من تنسيق سياسي واقتصادي يتجاوز تقلبات الأسعار إلى إدارة المخاطر الجيوسياسية.

وفي الخلفية القريبة، كانت هناك أيضًا اتصالات روسية- إماراتية عام 2025 تناولت أوكرانيا و”أوبك+” معًا، وهو نمط يوضح كيف يربط الكرملين بين مساري الأمن والطاقة في قنواته مع أبو ظبي.

وعليه، فالمرجح أن الحديث المنفرد بين بوتين وبن زايد تناول -بلا شك- مسألة سقف التنسيق النفطي في 2026، والخطوات والإجراءات التي يمكن أو ينبغي لموسكو وأبو ظبي تبنيها من أجل منع انفلات السوق إذا انفجرت جبهة إيران، وأدى ذلك إلى تعطل الممرات البحرية المهمة لتصدير النفط.

إجمالًا، يمكن استنتاج أن زيارة بن زايد الجديدة إلى روسيا تعني -في ميزان موسكو والكرملين وبوتين- تثبيت ما يمكن وصفه بالشراكة التشغيلية مع الإمارات، وهي شراكة لا تقوم على المجاملات، التي تظهر إعلاميًّا وبقوة، سواء من شكل الاستقبال ومراسمه، واختيار قاعات الكرملين البهيجة بعناية، لكنها مع ذلك في جوهرها تقوم على مقايضة واضحة، تمنح في إطارها روسيا أبو ظبي مساحة تأثير دولي أوسع عن طريق أداء دور الوساطة، وتنسيق الاتصالات، خصوصًا بشأن أوكرانيا، مقارنة مع اطراف أخرى سعت -ولا تزال- إلى أداء هذا الدور.

كما أنها تفتح أمامها فرصًا نوعية في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، مقابل أن تظل الإمارات قناة مستقرة ومنخفضة الضجيج لإدارة المخاطر، مخاطر العقوبات على المال الروسي والتجارة الروسية، ومخاطر الانزلاق الإقليمي في ملف إيران، ومخاطر تعثر قنوات التفاوض في ملف غزة.

والأرقام التي تكررها المصادر الروسية، مع بلوغ حجم التبادل التجاري مستوى يلامس أو يتجاوز 10 مليارات، فضلًا عن رأس مال روسي في الإمارات يتجاوز 30 مليارا، و4 آلاف شركة روسية تعمل في أسواق الإمارات، لا يمكن -بحال- النظر إليها على أنها مجرد إنجازات؛ وإنما هي في القراءة الواقعية أدوات ردع ناعم، تقول لنا إن موسكو، بعد أربع سنوات من مساعٍ غربية لم تتوقف لكسر اقتصادها، ومن ثم زعزعة استقرارها الداخلي دون الحاجة إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع آلتها العسكرية الرهيبة، نجحت -ولا تزال- في إعادة بناء شبكة مصالحها بعيدًا عن الغرب، وإن لدى أبو ظبي حصة متنامية في هذه الشبكة، ولا مصلحة لها في كسرها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع