
أعلنت وزارة الخارجية الروسية، في بيان مقتضب مساء الثلاثاء 5 مايو (أيار) 2026، أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أجرى مكالمة هاتفية مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، ناقشا خلالها العلاقات الثنائية بين البلدين ووضعها الحالي، وأين وصلت عملية التطبيع الخاصة بها. كما وضع الوزيران جدول الاتصالات المقبلة بين البلدين، وأجريا ما وصفه البيان الروسي بـ “مزامنة الساعات”، وهو تعبير دبلوماسي روسي يُستخدم كثيرا، وعادة ما يُقصد به مراجعة مواقف الطرفين تجاه قضايا محددة، وتحديد نقاط الالتقاء والافتراق بينهما.
أهمية هذه المكالمة بين وزيري خارجية دولتين بحجم روسيا والولايات المتحدة، بكل ما هما منخرطتان فيه من أزمات وحروب تمس الأمن والاقتصاد العالميين، تكمن في أنها الأولى بين كبيري دبلوماسية البلدين بعد صمت استمر ستة أشهر.
ما أرمي إليه هو أنه، وعلى الرغم مما يشهده العالم من توترات وأزمات وصراعات ونزاعات، يكون البلدان طرفين فيها أو لهما مصالح مرتبطة بها، فإن هذين الرجلين لم يتحدثا مع بعضهما البعض منذ ستة أشهر، أي منذ مكالمتهما العاصفة الأخيرة التي أفشلت، حينها، لقاء ترمب–بوتين المحتمل في بودابست.
لذلك، يجانبنا الصواب إذا اعتبرنا هذه المكالمة مجرد تواصل دبلوماسي معتاد بين قوتين نوويتين، وإن بدت كذلك في الظاهر. فتوقيتها، وطبيعة الملفات المطروحة خلالها بحسب ما تخبرنا به البيانات الرسمية، فضلا عن كون الجانب الروسي هو المبادر بطلبها وإجرائها، بما لذلك من دلالة دبلوماسية وسياسية، يجعلنا نعتقد أن تعقيدات المشهد الدولي الحالي بلغت درجة من العمق دفعت دبلوماسيا “بأنف عال” مثل لافروف إلى التنازل والاتصال بروبيو.
العالم، وكما تابعنا جميعا طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ظل يدور سياسيا وإعلاميا حول أوكرانيا، رغم العدوان الإسرائيلي الغاشم والسافر واللاإنساني على غزة. لكنه، ومنذ مطلع العام الجاري، ومع تحركات ترمب البهلوانية ومغامراته، بدءا من خطف مادورو وزوجته من فنزويلا، ثم إشعاله شرارة الحرب مع إيران، بدأ يجد نفسه تدريجيا أمام مركز توتر جديد يمتد من الخليج إلى مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على الطاقة والاقتصاد والميزان العسكري الدولي.
جاء الاتصال الروسي–الأمريكي بينما كانت أزمة مضيق هرمز تتصاعد بوتيرة خطيرة، بسبب إعلان الرئيس الأمريكي عن عمليته الجديدة المسماة “مشروع الحرية”. كما أعلنت الولايات المتحدة نيتها طرح مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي تحت عنوان “حماية حرية الملاحة”، يتضمن مطالب مباشرة لإيران بالكشف عن الألغام المزروعة في مجرى المضيق، ووقف ما تصفه واشنطن بعمليات التعطيل وفرض الرسوم، لكنه في باطنه ليس إلا سعيا لشرعنة استخدام واشنطن القوة ضد إيران.
وردت طهران على هذه الخطوة الأمريكية بإعلان آلية جديدة لتنظيم المرور عبر المضيق، تقوم على الإخطار المسبق والحصول على موافقة إلكترونية بخط السير المسموح به، مع ضرورة الالتزام بقواعد تحددها السلطات الإيرانية.
وهنا، من الواضح أن الصراع أصبح يتجاوز مسألة إغلاق المضيق أو فتحه. نحن الآن، بهذه الصورة التي تتشكل ملامحها بوضوح أمام أعيننا، بصدد الحديث عمن يملك حق تحديد ما هو “العبور الشرعي” داخل هذا الممر البحري، الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم، وفق ما أثبتته أحداث الشهرين والأسابيع الماضية لكل الناس، الذين كان أغلبهم لا يعرف حتى موقع هذا المضيق على الخريطة.
ترمب، وبعد مغامرته الفاشلة، يحاول إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبلها، أي إنه يرغب في تثبيت مفهوم حرية الملاحة بصيغته التقليدية التي تضمن تدفق التجارة والطاقة دون قيود سيادية إيرانية محلية. لكن طهران والحرس الثوري يريان أن من حقهما، بعد ما لحق بهما من أذى ودمار، والأهم بعد صمودهما الأسطوري في وجه القوة الغاشمة الأكبر في العصر الحديث، بل في كل العصور من حيث محددات القوة وما تملكه، أن تفرضا واقعا جديدا يجعل المرور خاضعا لشروط طهران الأمنية والسيادية.
وبين هذين المشروعين يقف المجتمع الدولي في موقف المتفرج العاجز عن فرض أي حل على الطرفين.
وفي هذا السياق، فإن المكالمة الهاتفية بين لافروف وروبيو تكتسب بعدا يتجاوز ملفات العلاقات الثنائية التي جاءت كإكليشيه في بيان الخارجية الروسية. إن موسكو، حسب فهمي، لا تنظر إلى هذه الاتصالات بوصفها محاولة لإحياء تفاهمات كبرى مع واشنطن. ما أعتقده هو أنه عندما يتنازل لافروف ويطلب الاتصال بروبيو، بعد المكالمة العاصفة الأخيرة بينهما قبل ستة أشهر، فإنه يسعى إلى منع انزلاق الأزمات المتعددة التي يكون البلدان طرفين مباشرين فيها، وخاصة أوكرانيا والآن إيران، إلى نقطة تصادم مباشر.
ومن هنا أعود لعبارة “مزامنة الساعات” التي وردت بوضوح في بيان الخارجية الروسية، والتي شرحت معناها في مقدمة هذا المقال. فالخارجية الروسية لم تستخدمها هذه المرة كتعبير بروتوكولي تقليدي، وإنما قصدت بها موسكو أن تقول إنها تدرك أن مستوى المخاطر بات يحتاج إلى تنسيق على مستوى رأسي المؤسستين الدبلوماسيتين، لفهم حدود التصعيد، لا لتسوية الخلافات.
وما يعزز لدي هذا الانطباع ما وصلني من معلومات عن أن مكالمة لافروف وروبيو امتدت لأكثر من ساعة.
وفي هذا الصدد أيضا، يصبح من المهم الإشارة إلى تطور قد يكون، في اللحظة الراهنة، أخطر وأهم بالنسبة إلى موسكو من هرمز وما يدور حوله. وما أقصده هو ما استشفيته من تحليلات روسية تعليقا على الاتصال بين وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة، من أن المكالمة تضمنت أيضا تحذيرا شديد اللهجة نقلته موسكو إلى واشنطن بشأن احتمالات تصعيد أوكراني، هدد به بشكل مباشر زيلينسكي نفسه، خلال احتفالات عيد النصر والعرض العسكري في الساحة الحمراء بقلب موسكو يوم 9 مايو (أيار).
يسود اعتقاد متزايد في موسكو بأن الجانب الأوكراني قد يحاول، بوحي وإيعاز من أطراف أوروبية، تنفيذ هجمات نوعية، أو على الأقل عمليات رمزية، خلال هذه المناسبة السنوية ذات الأهمية البالغة بالنسبة إلى الروس. والاحتمالات تدور حول استهدافات بالطائرات المسيّرة، أو حتى باستخدام وسائل بعيدة المدى مثل صواريخ “فلامنجو”، التي توصف بأنها صواريخ أوكرانية حديثة، مع أنها، وكما يخبرنا الخبراء العسكريون العارفون، ليست إلا صواريخ بريطانية دخلت إلى أوكرانيا مفككة، ثم جُمعت ودُهنت وبدأ إطلاقها لاستهداف العمق الروسي.
الهدف بالطبع من هذه العمليات الأوكرانية المحتملة خلال عيد النصر هو إحداث أثر نفسي وسياسي، نظرا إلى أن الإجماع يشير إلى أن القيمة العسكرية المباشرة لمثل هذه الهجمات تكاد تكون معدومة.
وفي الوعي الروسي، وكما أشرت في مقال سابق، لا يمكن اعتبار عيد النصر في التاسع من مايو (أيار) احتفالية عادية أو تقليدية. فهو يشكل جزءا من الشرعية التاريخية للدولة الروسية الحديثة نفسها. والمساس به هو مساس برمز الهيبة والسيادة وضرب للذاكرة التاريخية.
ومن هذا الفهم، فإن أي محاولة لاستهداف موسكو أو تعطيل مراسم العرض العسكري ستُترجم على الفور باعتبارها استهدافا أوكرانيا، يقف خلفه الأوروبيون الغربيون، للرمزية الوطنية، وليست مجرد عملية عسكرية من العمليات الجارية ضمن الحرب الممتدة منذ أكثر من أربع سنوات.
ومن هنا أيضا، يحمل نقل هذا التحذير إلى واشنطن على لسان لافروف، في حديثه إلى روبيو، رسالة روسية مباشرة مفادها أن موسكو تعتبر الولايات المتحدة، بوصفها الداعم الرئيسي لزيلينسكي وكييف، مسؤولة عن منع أي تصعيد قد يدفع الأمور إلى مرحلة أكثر خطورة.
وليس صدفة، في هذا السياق، التهديد الخطير الذي أطلقته وزارة الدفاع الروسية مؤخرا، بأن قلب العاصمة الأوكرانية كييف سيكون في مرمى الصواريخ الروسية المدمرة، وهو ما امتنعت عنه موسكو، لاعتبارات إنسانية، طوال سنوات الحرب، في حال وقوع استفزازات أوكرانية خلال احتفالات عيد النصر في موسكو.
لذلك، يمكننا أيضا اعتبار الاتصال الهاتفي بين لافروف وروبيو، مساء الثلاثاء 5 مايو (أيار) الجاري، محاولة روسية لمنع ما يمكن وصفه بـ “المفاجأة الاستراتيجية”، أي تقليل احتمالات حدوث تطور غير محسوب قد يفرض على بوتين والكرملين اللجوء إلى رد واسع النطاق، وذلك في لحظة دولية بالغة التوتر.
وفي هذا الإطار، يصبح هذا الاتصال أداة بيد الكرملين لنقل التحذيرات المباشرة إلى واشنطن، لا مجرد وسيلة للحفاظ على قنوات الاتصال، فكما أشرت، امتنع لافروف عن الحديث مع روبيو لستة أشهر كاملة.
لقد كانت أوكرانيا خلال الأعوام الماضية تمثل أولوية مطلقة، أو شبه مطلقة، للغرب، لكن أزمة الخليج، التي تمس أولويات أخرى تسبق أوكرانيا وأهم بالنسبة إلى الغرب من كييف وزيلينسكي، مثل إسرائيل والنفط والغاز، بدأت تفرض نفسها على دوائر القرار والأسواق، وبالطبع على الرأي العام. فالتوتر في مضيق هرمز لا يتعلق بساحة حرب بعيدة، كما بات واضحا للجميع. هرمز هو شريان طاقة عالمي، وأي تأثر به ينعكس مباشرة وتلقائيا على أسعار النفط، وبالتالي على استقرار التجارة الدولية وأسعار السلع والخدمات. وهذه هي ملفات الاقتصاد، وهذه هي مشكلات الحياة اليومية.
وفي هذا الإطار، وعودة إلى عنوان المقال، قد لا يبدو الحديث عن أن أزمة هرمز أصبحت تزاحم أو حتى تغطي على أوكرانيا مبالغة إعلامية. بل إن هذا توصيف قصدت به الإشارة إلى كيفية تبدل الأولويات في سياسات الدول والرأي العام عندما يصبح الأمر مرتبطا مباشرة بـ “لقمة العيش”.
والمشهد الذي أمامنا يتحدث عن نفسه: أين أصبحت أوكرانيا الآن في أولويات واشنطن؟ هناك بلا شك عملية إعادة ترتيب للأولويات. نعم، لا جدال في أن الحديث عن اختفاء أوكرانيا من المشهد سيكون غير دقيق وغير موضوعي، لكنها، بلا شك أيضا، لم تعد كل المشهد أو المشهد الوحيد.
إن صانع القرار الأمريكي ونظيره الأوروبي باتا مضطرين إلى توزيع الانتباه والموارد بين أكثر من ساحة، وأصبحا مضطرين إلى تعديل الأولويات وإعادة ترتيبها، في وقت تتزايد فيه الأزمات، وترتفع كلفة كل أزمة مقارنة بسابقتها.
وسيكون من المبالغ فيه أيضا الاعتقاد بأن موسكو تقرأ هذه التحولات باعتبارها دليلا قاطعا على تراجع قدرة الولايات المتحدة على التركيز الاستراتيجي في عدة جبهات في وقت واحد. لكن ما لا شك فيه أن الكرملين يقرأ الصورة بشكل صحيح، وأن بوتين يفهم أن ترمب وواشنطن لا يستطيعان توجيه كل التركيز الاستراتيجي إلى جبهة واحدة، وخصوصا جبهة أوكرانيا.
وكلما اتسعت رقعة الأزمات التي تنخرط فيها واشنطن، أو للدقة التي تُجر إليها جرا، ازدادت الضغوط على مواردها الاقتصادية والعسكرية، وقبلهما السياسية. وهذا، بلا شك، يوسع هوامش المناورة أمام خصومها الرئيسيين، روسيا والصين. وما يحدث في الخليج الآن لا يمكن إلا أن يبعث الارتياح في موسكو وبكين، رغم السلبيات المصاحبة لذلك بالنسبة إلى الطرفين.
ولا شك أيضا في أنه سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن انهيارا أمريكيا يلوح في الأفق، فذلك ينتمي إلى فضاء الرغائبيات. لكن ما نشهده الآن، بكل ملامحه وانعكاساته، يقول إننا بصدد مرحلة تتآكل فيها فعالية الهيمنة الأمريكية الأحادية الممتدة منذ نحو أربعة عقود في الشؤون الدولية.
نعم، تحاول واشنطن إدارة هذه المسارات المتوازية عبر مواصلة تقديم الدعم لأوكرانيا، وإن بزخم أقل كثيرا من السنوات الماضية، وفي الوقت نفسه، وبعد فشل المغامرة الإيرانية، تحاول احتواء التصعيد في الخليج قبل أن يقضي على ما تبقى من سمعتها ومصالحها في المنطقة، كما تحاول أيضا إنقاذ أسواق الطاقة.
لكنها باتت غير قادرة على منع توسع النفوذين الروسي والصيني بالقدرة نفسها التي كانت تمتلكها قبل الدخول في مصيدة هذه الأزمات المستنزفة. فتعدد المسارات والأزمات ومحاولات إدارتها لا يعكس دائما قدرة على التحكم، بل يكشف أحيانا، وهذا ما يبدو لنا الآن، عن غياب مسار قوي يمكن الركون إليه منفردا.
لذلك، فإن تطورات اليوم الأربعاء 6 مايو (أيار) 2026، منذ ساعات الصباح، وخصوصا ما نقله موقع “أكسيوس” الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بشأن اقتراب واشنطن وطهران من اتفاق مبدئي على مذكرة قصيرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب، تمثل تطورا بالغ الأهمية في سياق القراءة التي قدمتها أعلاه، بل تأتي كاستنتاج منطقي لها.
التسريبات، إن صحت بالطبع، تقول إن الاتفاق ينص على تعليق إيران تخصيب اليورانيوم، دون تحديد مدة زمنية واضحة، مقابل رفع العقوبات الأمريكية ورفع القيود المتبادلة على العبور في مضيق هرمز، مع توقع واشنطن تلقي الرد الإيراني خلال ثمان وأربعين ساعة.
وهذا التطور، إن صح، يعكس بالتأكيد وصول الطرفين إلى قناعة مشتركة بأن الوضع القائم لم يعد يحتمل الاستمرار بهذه الصورة لفترة أطول، فإما اتفاق ينهي الجمود، أو انتقال إلى تصعيد مفتوح يغير هذا الواقع بالقوة لمصلحة أحد الطرفين. لكن كلا الطرفين لا يبدو واثقا من شكل النتيجة إذا اضطرا إلى العودة مجددا للمواجهة العسكرية المفتوحة.
لا أحد يعرف إلى أين ستميل الكفة، وهنا تكمن المعضلة. والاتصال بين لافروف وروبيو لا يبشر بانفراجة، لا في الدونباس ولا في هرمز، وإنما يمثل محاولة لمنع لحظة قد يصبح فيها سوء التقدير، الناتج عن غرور القوة ووهم السيطرة، أسوأ من قرار الحرب أو القصف نفسه.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير