تقدير موقف

ما بين فرساي ولوزان وإسلام آباد.. المفاوضات للسلام لا تقل خطورة عن الحرب


  • 5 أبريل 2026

شارك الموضوع

أرادوا سلامًا عادلًا، فصنعوا أسوأ حرب في التاريخ”. هكذا يمكن أن نختزل المفارقة المركزية لمؤتمر السلام في باريس عام 1919. لم يكن المؤتمر مجرد اجتماع دبلوماسي لإنهاء الحرب العظمى، بل كان محاولة طموحة لإعادة رسم خريطة العالم كله وفق مبادئ جديدة يقودها ثلاثة رجال يمثلون ثلاث رؤى متناقضة: ويلسون المثالي، وكليمنصو الثأري، ولويد جورج البراغماتي. غير أن النتيجة النهائية لم تكن «سلامًا بدون منتصرين» كما تمنى ويلسون، ولا «سلامًا بالحديد والنار» كما أراد كليمنصو، بل سلامًا مشوهًا زرع بذور حرب أكثر دموية ووحشية بعد عشرين سنة فقط.

يعيد التاريخ نفسه اليوم، لكن في سياق شرق أوسطي معاصر يتسم بالتعقيد الجيوسياسي. ففي خضم الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في فبراير (شباط) عام 2026 وأربكت أسواق الطاقة العالمية، وشهدت هجمات إيرانية على بلدان الخليج العربي والأردن، تبرز الوساطة الثلاثية (تركيا، ومصر، وباكستان)، مع انضمام الصين كضامن رئيسي، كمحاولة جديدة لإنهاء النزاع. لكن يمكن الإشارة إلى أن المفاوضات التي تمارس فيها إسلام آباد دور الوسيط الرئيسي، والولايات المتحدة وإيران كطرفي الصراع المباشرين، مع دعم صيني متزايد من خلال مبادرة الخمس نقاط المشتركة، تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية جسيمة. وإن لم تُراعَ المطالب الأمنية لكل الأطراف، ولا سيما دول الخليج العربي، فإنها قد تتحول إلى «مؤتمر لوزان جديد» يعيد إنتاج الأخطاء التاريخية نفسها: سلام ظاهري يخفي بذور حرب إقليمية أوسع وأشد تدميرًا.

ولكي نفهم خطورة هذه المفاوضات، يجب أن نعود إلى الدروس التاريخية لمؤتمر باريس ولمعاهدة لوزان. في باريس 1919، تجاهل المنتصرون الواقع الاجتماعي–الاقتصادي لألمانيا المهزومة، ففرضوا عليها شروطًا قاسية أدت إلى الانهيار الاقتصادي والغضب الشعبي الذي استغله هتلر. وكانت إحدى أبرز العيوب البنيوية في نظام فرساي غياب الولايات المتحدة عن عصبة الأمم. فقد بنى ويلسون كل رؤيته على هذه المنظمة الدولية الوليدة، لكنه عاد إلى واشنطن ليجد مجلس الشيوخ يرفض التصديق على المعاهدة بأغلبية ساحقة بقيادة هنري لودج. وبذلك وُلدت عصبة الأمم مقطوعة الذراع الأقوى، عاجزة عن فرض قراراتها، مما جعلها، في أحسن الأحوال، ناديًا للنقاش، وفي أسوأ الأحوال شاهدًا على صعود الدكتاتوريات في ثلاثينيات القرن.

وفي قلب أوروبا، كان الخطأ الأكبر هو معاملة ألمانيا كمجرمة وحيدة ومدينة أبدية في آن. فبند مسؤولية الحرب (المادة 231) لم يكن مجرد نص قانوني، بل كان إعلانًا نفسيًا بأن الشعب الألماني كله مجرم بالوراثة. وعندما أُجبر الوفد الألماني على التوقيع في قاعة المرايا بفرساي — المكان نفسه الذي أُعلن فيه انتصار ألمانيا على فرنسا عام 1871 — تحوّل الشعور بالهزيمة العسكرية إلى شعور بالإذلال الوطني العميق. هذا الإذلال هو الذي جعل نظرية «الطعنة في الظهر» مقنعة لملايين الألمان، ومهّد الطريق لصعود هتلر واندلاع حرب عالمية ثانية.

أما معاهدة لوزان عام 1923، التي أنهت الصراع مع تركيا الكمالية وأعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، فقد تجاهلت المطالب الأمنية والقومية للشعوب غير التركية، مثل الأكراد والعرب، وأسست لنظام حدودي مصطنع اعتمد على المصالح الاستعمارية البريطانية–الفرنسية. وكانت النتيجة صراعات مستمرة وكارثية، أبرزها قضية فلسطين، والنزاعات الحدودية، والتوترات الطائفية التي ما زالت تشعل المنطقة حتى اليوم. وفي كلا الحالتين، كان السلام «المنتصر» سلامًا قصير الأجل، لأنه لم يُبنَ على توازن مصالح حقيقي يضمن أمن الجميع.

ووقّعت المعاهدة في 24 يوليو (تموز) 1923 في مدينة لوزان السويسرية، بين ممثلي الجمهورية التركية الناشئة (بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وترأس الوفد عصمت إينونو) وبين قوى الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، واليونان وغيرها). وكانت لوزان، رسميًا، «معاهدة حل معضلات الشرق الأوسط»، وتضمنت 143 مادة، وأنهت حالة الحرب مع تركيا بعد انتصار حركة الاستقلال التركية في حربها ضد الاحتلال اليوناني والحلفاء. لكنها، في جوهرها، كانت صفقة سياسية أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط وفق مصالح استعمارية براغماتية، متجاهلة تمامًا المطالب القومية والأمنية للشعوب غير التركية، ولا سيما الأكراد والعرب.

والعوار في لوزان مبني على ما سبقها: معاهدة سيفر (10 أغسطس (آب) 1920). كانت سيفر وثيقة قاسية فرضها الحلفاء على السلطنة العثمانية المهزومة، ونصت على تقسيم واسع للأناضول: منح مناطق لليونان (تراقيا والساحل الإيجي)، وإقامة دولة أرمنية مستقلة في الشرق، ووعد بـ«كيان كردي» ذي حكم ذاتي يمكن أن يتطور إلى استقلال (المواد 62–64). كما أقرت نظام الانتداب على سوريا والعراق وفلسطين، وفق اتفاقية سايكس–بيكو السرية (1916). لكن الحركة القومية التركية بقيادة أتاتورك رفضت سيفر رفضًا قاطعًا، معتبرة إياها «خيانة» و«تقسيمًا للوطن الأم». وبعد انتصار الأتراك في حرب الاستقلال (1919–1922)، اضطر الحلفاء — الذين أرهقهم القتال وخشوا تصعيدًا جديدًا — إلى التراجع والتفاوض في لوزان لمدة ثمانية أشهر متقطعة.

كانت نتيجة لوزان «انتصارًا تركيًا نسبيًا» مقارنة بسيفر، لكنها كانت «هزيمة استراتيجية» للاستقرار الإقليمي طويل الأمد. واعترفت المعاهدة بسيادة تركيا على معظم الأناضول وتراقيا الشرقية، وأعادت السيطرة على المضائق (البوسفور والدردنيل) مع نزع سلاحها مؤقتًا (حتى اتفاقية مونترو عام 1936). وتخلت تركيا عن مطالبها في الجزر الدوديكانيزية وقبرص ومصر والسودان، وتركت مسألة الموصل (الغنية بالنفط) لتُحسم لاحقًا (أُسندت إلى العراق الانتدابي البريطاني عام 1925 بقرار عصبة الأمم). وألغت الامتيازات الأجنبية وأعادت ترتيب ديون الدولة العثمانية. كما نصت على تبادل سكاني قسري ضخم بين اليونان وتركيا (حوالي 1.5 مليون يوناني و400 ألف تركي)، مما أكمل عملية «التطهير العرقي» التي بدأت في نهاية العهد العثماني.

لكن الخطورة الحقيقية تكمن فيما تجاهلته لوزان، لا فيما نصت عليه. لم تذكر المعاهدة «الكرد» أو «كردستان»، رغم أن سيفر كانت قد وعدتهم بكيان سياسي. وتحدثت المادة 39 عن حقوق الأقليات في استخدام لغاتهم، لكنها لم تُطبق على الكرد (الذين اعتُبروا «مسلمين» مثل الأتراك)، فأصبحت أداة لسياسة التتريك القومية اللاحقة: منع اللغة الكردية، وقمع الثورات (مثل ثورة 1925، وأحداث 1937–1938). وقُسمت كردستان بين تركيا (الجزء الأكبر)، والعراق، وسوريا (الانتداب الفرنسي)، وإيران، مما أنتج «متلازمة لوزان» — كما يصفها بعض المؤرخين — أي صراعًا كرديًا مستمرًا حتى اليوم، ويُعد أحد عوامل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة للعرب، فقد كرّست لوزان نظام الانتداب الاستعماري: بريطانيا في العراق وفلسطين وشرق الأردن، وفرنسا في سوريا ولبنان. وتجاهلت الوعود البريطانية للشريف حسين (مراسلات حسين–ماكماهون 1915–1916) باستقلال عربي شامل، وأسست لـ«نظام حدودي مصطنع» اعتمد على المصالح الاستراتيجية لا على الواقع الاجتماعي–الطائفي. وأدى ذلك إلى نشوء دول قومية تعاني مشكلات بنيوية، وصراعات حدودية، وقضية فلسطين التي انفجرت لاحقًا. كما أن إلغاء الخلافة عام 1924 — الذي جاء متزامنًا مع لوزان — قطع الرابطة الرمزية التي كانت تجمع المسلمين، ممهدًا لصعود القوميات العلمانية والإسلاموية المتطرفة. وهكذا، تحولت لوزان إلى «مؤتمر سلام» يعيد إنتاج أخطاء باريس 1919: ركز على مصالح المنتصرين (تركيا كقوة صاعدة، وبريطانيا–فرنسا كقوى استعمارية)، وتجاهل «الخاسرين الحقيقيين» — الشعوب غير التركية “العرب والكُرد”. وكانت النتيجة نظامًا إقليميًا غير مستقر، وحروبًا، وتوترات طائفية ما زالت تشعل المنطقة بعد قرن كامل.

تنطبق هذه الدروس التاريخية جزئيًا على المفاوضات الثلاثية الحالية في باكستان. بدأت الجهود الباكستانية باجتماع رباعي في إسلام آباد (ضم باكستان وتركيا والسعودية ومصر) في 29 مارس (آذار) 2026، ثم تطورت مع زيارة وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى بكين في 31 مارس (آذار)، حيث أعلنت الصين وباكستان مبادرة خمس نقاط تشمل: الوقف الفوري للأعمال العدائية، وبدء محادثات سلام فورية، وحماية المدنيين والبنية التحتية، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتعزيز دور ميثاق الأمم المتحدة. ويُرى انضمام الصين «كضامن» عاملًا إيجابيًا ظاهريًا، إذ يمنح الضمانات الدولية التي تطالب بها إيران. لكن هذا التحالف الباكستاني–الصيني، الذي يعتمد على «الشراكة الحديدية» بينهما (بما في ذلك الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني)، يحمل أجندة خاصة تركز على الاستقرار الاقتصادي لمصالح بكين في الطاقة والتجارة، أكثر مما يركز على التوازن الأمني الإقليمي الشامل.

وتكمن الخطورة الأولى في عدم التوازن في تمثيل المصالح. فالمفاوضات الثلاثية (باكستان–الولايات المتحدة–إيران، مع الصين كضامن خارجي) تُغفل إلى حد كبير المطالب الأمنية الجوهرية لدول الخليج العربي، التي تشكل الهدف الأول لأي تصعيد إيراني. فقد عانت السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر لعقود من التهديدات الإيرانية: الدعم للميليشيات الحوثية في اليمن، والهجمات على منشآت أرامكو، والسيطرة شبه الكاملة على مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي، والبرنامج النووي الإيراني الذي يُنظر إليه كتهديد وجودي. وفي الاجتماع الرباعي الباكستاني شاركت السعودية ومصر، لكن المبادرة الخماسية الصينية–الباكستانية لا تذكر صراحة ضمانات أمنية ملموسة لهذه الدول، مثل نزع سلاح الوكلاء الإيرانيين أو آليات تحقق دولية صارمة للبرنامج النووي الإيراني. وإذا أدى السلام إلى رفع العقوبات عن إيران دون هذه الضمانات، فسيُعاد تسليح طهران اقتصاديًا، مما يعزز نفوذها الإقليمي ويشعل جولة جديدة من الحروب بالوكالة.

ثانيًا، يعيد هذا السيناريو إنتاج «السلام المشوه» الذي شهدناه في لوزان. فقد ركزت معاهدة لوزان على مصالح تركيا الجديدة وبريطانيا وفرنسا، متجاهلة الواقع الطائفي والعرقي في الشرق الأوسط. وكذلك قد تركز المفاوضات في باكستان على وقف إطلاق النار الفوري وفتح هرمز لمصالح الصين الاقتصادية (التي تعتمد على نفط الخليج)، لكنها قد تتجاهل مخاوف الخليج من «السلام الإيراني» الذي يسمح لطهران باستعادة قوتها دون تنازلات استراتيجية. وباكستان، حليفة الصين وذات علاقات تاريخية مع إيران، لديها مصلحة في استقرار الحدود والطاقة، لكنها قد تكون غير قادرة على فرض شروط أمنية خليجية موثوقة. أما الصين، فهي تسعى إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط لمواجهة الهيمنة الأمريكية، من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، وهي لا تريد تدمير إيران التي تُعد شريكًا في مشاريعها أو خلق إيران أخرى معادية لها ومتحالفة أكثر مع واشنطن. والنتيجة المحتملة: اتفاق يرضي واشنطن (التي تسعى لتسويق نصر سريع وقليل الكلفة) وطهران (التي تطالب بضمانات وتهدف إلى النجاة من هذه الهجمة العسكرية)، لكنه يترك دول الخليج تشعر بالحاجة إلى الردع، مما يدفعها إلى سباق تسلح نووي أو تحالفات جديدة مع إسرائيل.

ثالثًا، تناقض الديناميكيات الإقليمية. فإذا أصبحت هذه المفاوضات «مؤتمر لوزان جديد»، فإنها ستعيد رسم توازن القوى دون مراعاة الواقع الحقيقي لمصالح دول المنطقة. فالخليج العربي، الذي يشكل قلب الاقتصاد العالمي للطاقة، سيواجه تهديدًا مزدوجًا: إيران المُعاد تسليحها، والنفوذ الصيني المتزايد الذي قد يفضل الاستقرار على حساب الردع. وهذا قد يؤدي إلى انهيار الثقة في النظام الأمني الإقليمي، وزيادة التوترات في البحر الأحمر والخليج، وربما حرب جديدة أكبر تشمل أطرافًا متعددة.

أخيرًا، وفي الختام، يعلمنا التاريخ أن السلام الذي يُبنى على تجاهل مصالح الأطراف الرئيسية — كما حدث مع ألمانيا في 1919 أو العرب في لوزان — لا يدوم، بل ينتج «سلامًا يحمل بذور الحرب»، كما قال المؤرخ إي. إتش. كار عن معاهدة فرساي. ومع ذلك، ليس كل شيء محتومًا. يمكن للمفاوضات الثلاثية أن تتحول إلى نموذج ناجح إذا توسعت لتشمل ضمانات أمنية صريحة لدول الخليج، مثل آليات تحقق نووية دولية، وتفكيك شبكات الوكلاء لإيران، واتفاقات اقتصادية مشتركة تضمن الاستقرار في مضيق هرمز. كما يجب أن يُدمج دور الأمم المتحدة بشكل أعمق، لا كغطاء شكلي، بل كإطار يضمن التوازن «متعدد الأطراف».

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع