
مع مطلع عام 2026، وجد الشرق الأوسط نفسه أمام واحدة من أكثر اللحظات الجيوسياسية اضطرابا منذ نهاية الحرب الباردة. فالتصعيد الإسرائيلي الذي طال غزة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تمددت تداعياته أيضا إلى الضفة الغربية، وحتى لبنان وسوريا واليمن والبحر الأحمر، قبل أن تدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة مع اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في فبراير (شباط) 2026، وما أعقبها من مواجهات وتفاهمات متقطعة ووقف لإطلاق النار لم ينه جذور الصراع. وبذلك تحولت المنطقة إلى فضاء مضطرب؛ وهنا تحديدا تظهر المفارقة اللافتة: فبينما لا تزال الولايات المتحدة أكبر داعم استراتيجي للكيان الصهيوني، فإنه يجد نفسه ميدانيا وسياسيا عاجزا عن تحقيق أي أهداف مرجوة بمعزل عن الحسابات الأمريكية. والأهم أن هذا التحول يتزامن مع تراجع واضح في ثقة الرأي العام الأمريكي ببنيامين نتنياهو، الأمر الذي يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين واشنطن وتل أبيب على المدى البعيد.
واللافت في هذا المشهد أيضا أن العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية نفسها تبدو أمام اختبار غير مسبوق. فمنذ عقود، قامت الاستراتيجية الأمريكية على الدعم غير المشروط للكيان، لما يمثله بالنسبة إلى واشنطن من أحد الثوابت الرئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وإن كانت هذه الحقيقة لا تزال قائمة، فإن واشنطن باتت أكثر استعدادا للضغط على الاحتلال الإسرائيلي عندما تتباين الرؤى فيما بينهما.
شكلت غزة الاختبار الأكبر للمعادلة الأمريكية – الإسرائيلية. فمنذ بداية الحرب، وفرت واشنطن دعما سياسيا وعسكريا واسعا للاحتلال، لكنها واجهت تدريجيا كلفة سياسية وإنسانية متصاعدة نتيجة استمرار الحرب وارتفاع أعداد الضحايا والنازحين وتدمير البنية التحتية.
وفي عام 2026، أصبح واضحا أن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى استمرار الحرب في غزة باعتباره مسارا يمكن أن يستمر بلا نهاية. فقد طرح الرئيس دونالد ترمب خطة أمريكية من 15 نقطة ترتكز على وقف إطلاق النار، ونزع سلاح المقاومة، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من غزة، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وإنشاء قوة استقرار دولية للمساعدة في تثبيت الوضع الأمني وإعادة الإعمار. وبحسب رويترز (Reuters)، فإن الخطة الأمريكية ربطت الانسحاب الإسرائيلي بالتقدم المرحلي في عملية نزع السلاح والتحقق من تنفيذ الالتزامات.
غير أن رفض نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل يكشف جوهر الأزمة الجديدة. فالمشكلة لم تعد فقط في اختلاف واشنطن وتل أبيب حول الوسائل العسكرية، وإنما حول تعريف “النصر” نفسه: هل يعني النصر بالنسبة إلى الاحتلال استمرار السيطرة العسكرية حتى تحقيق نزع كامل للسلاح، أم يعني بالنسبة إلى واشنطن الانتقال إلى صيغة سياسية تسمح بإنهاء الحرب وإعادة تشكيل غزة من خلال ترتيبات أمنية وإدارية جديدة؟
ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة لأنه جاء في لحظة سياسية حساسة لكل من ترمب ونتنياهو. فالرئيس الأمريكي يحتاج إلى إظهار قدرته على إنهاء الحروب وتحقيق اختراقات دبلوماسية في الشرق الأوسط، بينما يحتاج نتنياهو إلى المحافظة على تماسك ائتلافه السياسي في مواجهة تيارات يمينية تضغط باتجاه استمرار الحرب ورفض أي انسحاب. ولذلك أصبحت غزة، بصورة متزايدة، ساحة صراع بين رؤيتين: رؤية أمريكية تريد تحويل الحرب إلى تسوية قابلة للإدارة، ورؤية إسرائيلية ترى أن إنهاء الحرب قبل تحقيق شروط أمنية قصوى يحمل مخاطر استراتيجية.
لم يكن جنوب لبنان مجرد جبهة جانبية في الصراع، بل تحول إلى أحد أهم مؤشرات انتقال الحرب من إطارها المحلي إلى إطار إقليمي. فقد تصاعدت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله على خلفية الحرب مع إيران، قبل أن تدخل واشنطن بصورة أكثر مباشرة في محاولة هندسة ترتيبات لوقف القتال.
وفي يونيو (حزيران) 2026، أعلنت الولايات المتحدة أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تنفيذ وقف لإطلاق النار، مع ترتيبات تتعلق بوقف إطلاق النار من جانب حزب الله وإخلاء عناصره من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وإنشاء مناطق تجريبية تكون فيها السيطرة الأمنية للدولة اللبنانية.
لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن وقف إطلاق النار لم يكن حلا نهائيا. فقد استمرت التوترات والضربات، وأعلن لاحقا عن وقف إطلاق نار جديد بين إسرائيل وحزب الله في يونيو (حزيران)، فيما بقيت القوات الإسرائيلية في أجزاء من جنوب لبنان.
وتكشف هذه التطورات أن واشنطن أصبحت تتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءا من منظومة إقليمية أكبر، لا باعتبارها مشكلة أمنية منفصلة لدى الكيان. فالاستمرار في الحرب اللبنانية يهدد بإفشال أي اتفاق مع إيران، كما يمكن أن يعيد فتح الطريق أمام حرب أوسع تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
تمثل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران نقطة التحول الأكثر أهمية في المشهد الإقليمي الجديد. فقد انتقل الصراع من حرب غير مباشرة بين إسرائيل ومحور إيران إلى مواجهة مباشرة مع الدولة الإيرانية نفسها، بما يحمله ذلك من مخاطر على الطاقة والملاحة والأمن الدولي.
غير أن الحرب كشفت أيضا حدود القوة العسكرية الأمريكية. فبعد أشهر من التصعيد، أصبح موضوع إعادة فتح مضيق هرمز محورا رئيسيا للمفاوضات الأمريكية – الإيرانية، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار إغلاق أحد أهم الممرات النفطية في العالم ستكون له تداعيات على المستوى العالمي. وفي أغسطس (آب) 2026، كانت واشنطن وطهران لا تزالان تتفاوضان حول شروط إعادة فتح المضيق، مع استمرار الخلافات حول العقوبات والرسوم وآليات التفتيش وحركة السفن.
والأكثر دلالة أن الولايات المتحدة نفسها بدأت تواجه تكلفة استراتيجية للحرب. فقد أشارت رويترز (Reuters) إلى أن القوات الأمريكية استهلكت خلال أشهر القتال كميات كبيرة من الذخائر بعيدة المدى، كما أن هناك اعترافا أمريكيا داخليا بأن الخيارات العسكرية المتاحة حاليا للتصعيد قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، لا سيما فيما يتعلق بالقدرات الجوية، وهو ما يثير أسئلة حول قدرة واشنطن على خوض صراعات متزامنة وطويلة الأمد في أكثر من جبهة.
لا يمكن فهم التحولات في الشرق الأوسط بمعزل عن التغير الأكبر في النظام الدولي. فقد دخل العالم منذ نهاية الحرب الباردة مرحلة هيمنة أمريكية واضحة، غير أن العقدين الأخيرين أظهرا صعود قوى قادرة على تحدي هذه الهيمنة، سواء اقتصاديا أو عسكريا أو دبلوماسيا.
الصين وروسيا والهند وقوى إقليمية مثل تركيا وإيران والسعودية لم تعد تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الوحيد القادر على تحديد قواعد اللعبة الدولية. كما أن دولا عديدة في الجنوب العالمي أصبحت أكثر ميلا إلى تنويع علاقاتها الاستراتيجية بدلا من الارتهان لمحور واحد.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت موقعها كقوة عظمى؛ فهي لا تزال تمتلك تفوقا عسكريا وماليا وتكنولوجيا واسعا. لكن الفرق يكمن في أن امتلاك القوة لا يعني القدرة المطلقة على تحويلها إلى نتائج سياسية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الشرق الأوسط. فكل تدخل عسكري أمريكي يواجه شبكة من الفاعلين المحليين والإقليميين الذين يمتلكون أدوات مختلفة للرد: الصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتماثلة، والضغط على الملاحة والطاقة، والنفوذ السياسي، والحرب المعلوماتية.
تتجاوز نتائج الحروب الراهنة حدود غزة ولبنان وإيران. فالمواجهة أعادت تعريف الأمن الإقليمي، وأظهرت أن الدول العربية نفسها لم تعد مستعدة بالضرورة للاعتماد على ضمانات خارجية منفردة.
وفي أغسطس (آب) 2026، برزت مؤشرات على هذا الاتجاه مع توقيع السعودية وباكستان وتركيا اتفاقا دفاعيا في مكة، في خطوة تعكس، بصرف النظر عن مدى قابلية الاتفاق للتحول إلى تحالف عسكري متكامل، اتجاها نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالا عن المظلة الأمريكية.
كما أن أزمة مضيق هرمز أظهرت أن الأمن الإقليمي لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي العالمي. فالدولة التي تسيطر على جغرافيا استراتيجية تستطيع التأثير في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، بما يجعلها لاعبا في السياسة العالمية حتى إذا كانت تواجه تفوقا عسكريا أمريكيا هائلا.
تكشف حروب غزة ولبنان وإيران عن تحول أعمق، فالعالم أمام إعادة اختبار لفكرة القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولحدود التحالف الأمريكي – الإسرائيلي. فالولايات المتحدة لم تتخل بعد عن الكيان، لكن المؤشرات الحالية توضح أن واشنطن أصبحت أكثر اهتماما بتحديد نهاية الحروب وشكل التسويات التي تعقبها.
وفي الجانب الآخر، لم يعد الشرق الأوسط المنطقة التي تستطيع قوة واحدة التحكم بمساراتها بسهولة. إيران، وتركيا، والسعودية، وباكستان، وروسيا، والصين، فضلا عن المجتمعات العربية والرأي العام العالمي، كلها أصبحت عناصر في معادلة أكثر تعقيدا.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئا، فهو أن الحروب نادرا ما تنتهي وفق الحسابات التي بدأت بها. فالقوى الكبرى تستطيع إطلاق الحروب، إلا أنها لا تستطيع دائما التحكم في مساراتها؛ ومن هنا فإن السؤال الأهم فيما يتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط ليس فقط: من ربح الحرب؟ وإنما: من سيضع قواعد النظام الذي سيولد بعدها؟
فإذا كانت مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد قامت على افتراض أن الولايات المتحدة هي الطرف القادر على إدارة النظام الدولي، فإن الحروب الحالية توحي بأن العالم يتجه إلى مرحلة مختلفة: أكثر تعددية، وأكثر اضطرابا، وأقل قابلية للانقياد لقوة واحدة. وربما يكون الشرق الأوسط، بما يحمله من صراعات مفتوحة وممرات استراتيجية وتحالفات، أول مختبر كبير لهذا النظام الدولي الجديد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير