تقدير موقف

ما بعد الحرب على إيران.. هل تصبح تركيا الهدف التالي لإسرائيل؟


  • 20 أبريل 2026

شارك الموضوع

تشهد العلاقات بين تركيا وإسرائيل تحولا نوعيا يتجاوز حدود التنافس الجيوسياسي التقليدي نحو بنية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها إعادة تعريف العدو المركزي، وصعود أنماط جديدة من الصراع على السردية والشرعية، وتموضع ساحات مواجهة غير مباشرة. ففي لحظة إقليمية تتسم بتراجع نسبي لمركزية إيران بعد حرب ضارية من الولايات المتحدة وإسرائيل امتدت لما يقرب من أربعين يوما، يبرز تساؤل جوهري: هل تعيد إسرائيل هندسة تصورها للتهديد عبر نقل تركيا من خانة شريك الضرورة إلى الخصم البديل؟ وإذا كان الصراع لم يعد يدور فقط حول الجغرافيا، بل حول من يمتلك الرواية، فكيف يوظف كل من الطرفين أدوات التنافس الجيوسردي لإعادة إنتاج شرعيته الإقليمية؟ وفي ظل نموذج المواجهة المباشرة في سوريا، هل يمكن لهذا التوازن الهش أن يستمر دون الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب، أم أننا أمام بيئة استراتيجية تراكم شروط التصعيد؟ وأخيرا، هل تمثل هذه الديناميات ملامح أولية لتشكل حرب باردة شرق أوسطية جديدة، أم أنها مجرد مرحلة انتقالية في إعادة تشكيل النظام الإقليمي؟

إعادة تعريف العدو في السردية الإسرائيلية

شهدت البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2026 منعطفا جوهريا في إدراك التهديد الإيراني، حيث انتقلت الجمهورية الإسلامية تدريجيا من موقع “التهديد الوجودي المطلق” إلى “التهديد القابل للإدارة” ضمن معادلات الردع والاحتواء. فبالرغم من الضربات الواسعة التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، وما تبعها من ردود صاروخية إيرانية، فإن هذه المواجهة أفضت إلى إضعاف مركزية إيران كـ”عدو استثنائي” في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

وقد أسهمت الضغوط العسكرية والدبلوماسية المركبة على طهران، إلى جانب انخراط وساطات إقليمية، في ترويض التهديد الإيراني من وجهة النظر الإسرائيلية وتحويله إلى ملف يمكن احتواؤه ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. هذا التحول يفتح المجال، نظريا، لما يمكن تسميته بالفراغ التهديدي، حيث يتراجع تهديد مركزي دون اختفائه، ما يستدعي إعادة تعريف عدو بديل. وفي ضوء هذا الفراغ النسبي، يمكن قراءة التحول في الخطاب الإسرائيلي عبر مفهوم إعادة هندسة العدو، أي إعادة ترتيب سلم التهديدات وفق متغيرات القوة والسلوك، وليس فقط الأيديولوجيا. فبدلا من التركيز الحصري على إيران كفاعل معاد، يتجه التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي نحو فاعلين يمتلكون قدرات مؤسسية أعلى، وهو ما ينطبق على تركيا.

لا يعكس هذا التحول بالضرورة تراجع العداء لإيران، بل إعادة توزيع الانتباه الاستراتيجي نحو تهديدات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للردع التقليدي، مثل تركيا التي تجمع بين العضوية في حلف شمال الأطلسي وسلوك إقليمي تنافسي. ومن ثم، فإن العدو الجديد ليس بالضرورة الأكثر عدائية، بل الأكثر قدرة على تقويض الترتيبات الإقليمية التي تسعى إسرائيل لترسيخها في المنطقة بعد انتهاء حربها على إيران.

فتركيا باتت تصنف في الخطاب الإسرائيلي كخصم استراتيجي بديل، ليس بسبب صدام مباشر، بل نتيجة تداخل ثلاثة أبعاد: البعد الجيوسياسي المرتبط بتوسع النفوذ التركي في شرق المتوسط وسوريا، بما يعكس منافسة مباشرة مع المصالح الإسرائيلية، والبعد العسكري والأمني المرتبط بالتحركات التركية البراغماتية في بيئة إقليمية متفككة، واستعدادها للتموضع كفاعل موازن ومستقل، وليس تابعا للغرب، بينما يتمثل البعد الخطابي والأيديولوجي في تصاعد خطاب تركي نقدي لإسرائيل، خاصة في سياق حربها على غزة وإيران.

في هذا الإطار، يمكن تفسير صعود تركيا كعدو بديل عبر آلية ملء الفراغ التهديدي، حيث يؤدي تراجع حدة تهديد ما إلى إعادة توجيه الإدراك الأمني نحو فاعل آخر يمتلك خصائص تهديدية صاعدة. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية مهمة؛ فتركيا لم تتحول بالضرورة إلى عدو بسبب تصعيد تهديدها لإسرائيل، بل بسبب انخفاض أولوية إيران نسبيا لدى تل أبيب. وتدعم هذه الفرضية تحليلات غربية تشير إلى أن إضعاف إيران خلق فرصة وتهديدا في آن واحد لتركيا، حيث عزز من حضورها الإقليمي وأدخلها في مسارات تنافس مباشر مع إسرائيل. كما أن انخراط أنقرة في الوساطات ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية يمنحها موقعا جوهريا في تشكيل النظام الجديد، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية لمستقبل النظام الإقليمي.

تكشف هذه التحولات عن انتقال أعمق من نموذج العدو المركزي الواحد إلى نموذج التعددية التهديدية، حيث لم تعد إسرائيل تعتمد على عدو واحد، إيران، بل على شبكة تهديدات متفاوتة: تركيا، مصر، السعودية، والفواعل من غير الدول. وفي هذا السياق، فإن إعادة تعريف تركيا كخصم استراتيجي لا يعني إحلالها محل إيران بشكل كامل، بل إدماجها في بنية تهديد أكثر تعقيدا، ما يعني أننا أمام تحول من هرمية التهديد إلى شبكية التهديد، حيث تتوزع الأولويات وفق السياق العملياتي، وليس التصنيف الأيديولوجي الثابت.

من التنافس الجيوسياسي إلى التنافس الجيوسردي

لم يعد التنافس بين رجب طيب أردوغان والرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محصورا في ميادين الصراع التقليدي في سوريا وغزة، بل انتقل إلى مستوى أكثر تجريدا وتأثيرا يتمثل في الصراع على احتكار السردية الشرعية داخل الإقليم. فبينما كانت الجغرافيا تمثل سابقا مركز التنافس على مناطق النفوذ وخطوط الانتشار العسكري، أصبحت اللغة السياسية والأخلاقية أداة مركزية لإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما يمكن توصيفه بالتنافس الجيوسردي، حيث تسعى كل دولة إلى فرض تفسيرها الخاص للواقع الإقليمي بما يمنحها شرعية القيادة أو على الأقل شرعية الاعتراض. فلم تعد القوة تقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضا بالقدرة على تأطير الصراع وإنتاج سردية مقبولة دوليا.

خلال الأيام القليلة الماضية، صعد الجانب التركي من خطابه المعادي لإسرائيل، حيث كرر أردوغان اتهامه لإسرائيل بارتكاب فظائع ضد فلسطين ولبنان، مع الإشارة إلى إمكانية قيام أنقرة بعمل عسكري ضد تل أبيب، بينما وصفت وزارة الخارجية التركية رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه هتلر هذا العصر، واتهم وزير الخارجية التركي Hakan Fidan إسرائيل بأنها تحاول استهداف تركيا بعد انتهاء الحرب ضد إيران. في المقابل، يستمر نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz ووزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir بتصريحات تهاجم أردوغان وتتهمه بإبادة الأكراد.

ولعل الخطاب الإسرائيلي يكشف عن محاولة لإعادة ضبط الإطار الإدراكي للصراع عبر نقل مركز الثقل من البعد الإنساني الذي تروج له أنقرة إلى سردية أمنية وجودية تضع إسرائيل في موقع الدولة المحاصرة في مواجهة أطراف إقليمية مزعزعة للاستقرار. حيث لم تقتصر التصريحات الإسرائيلية على الرد على الاتهامات التركية، بل سعت إلى تفكيك الأساس الأخلاقي لخطاب أردوغان عبر اتهامه بازدواجية المعايير، لا سيما فيما يتعلق بالملف الكردي، وهو ما يعكس توجها لإعادة إنتاج صورة تركيا كفاعل انتقائي يستخدم القضايا الإنسانية أداة نفوذ سياسي. وبهذا المعنى، تتحول السجالات اللفظية إلى آلية لإعادة توزيع الشرعية، حيث تحاول إسرائيل نزع الغطاء الأخلاقي عن خصمها، مقابل تثبيت شرعية أفعالها ضمن إطار الدفاع عن النفس في بيئة إقليمية مضطربة.

ومن زاوية أوسع، يعكس هذا التراشق الخطابي نمطا متقدما من التنافس الجيوسردي، يتجاوز ثنائية الصراع المباشر إلى صراع على تشكيل وعي الفاعلين الدوليين والإقليميين بطبيعة التهديدات القائمة. فبينما تسعى أنقرة إلى تأطير إسرائيل كقوة مهددة للنظام الإقليمي ومصدر لعدم الاستقرار، تعمل تل أبيب على إعادة تعريف تركيا كقوة طموحة ذات نزعة توسعية محتملة، خاصة في ظل التحولات المرتبطة بالحرب على إيران. وفي هذا الإطار، يصبح الخطاب السياسي أداة استباقية لإعادة هندسة بيئة الصراع المستقبلية، ويمتد إلى تقييد خيارات الخصم وتهيئة الأرضية لتبرير سياسات أكثر تشددا في حال انتقال التنافس من المستوى السردي إلى مستويات عسكرية، سواء في مسارح مثل سوريا أو شرق المتوسط.

سوريا ساحة الصراع الجديدة بين تركيا وإسرائيل

تمثل سوريا اليوم إحدى أكثر ساحات التماس حساسية بين تركيا وإسرائيل، حيث يتداخل نمطان مختلفان من الحضور العسكري: نفوذ تركي مباشر وممتد في الشمال السوري، يقابله نمط إسرائيلي قائم على الضربات الجوية الدقيقة في الجنوب ومحيط العاصمة. هذا التوزيع الجغرافي غير المتكافئ لا يلغي احتمالات المواجهة، بل يعيد تشكيلها ضمن إطار المواجهة المحدودة. وتكتسب هذه الساحة خصوصيتها من كونها نقطة تقاطع مصالح بين أنقرة وتل أبيب، ومنطقة تداخل بين عقائد عسكرية مختلفة: تركيا كقوة برية تسعى لتأمين حدودها ومنع تشكل كيانات معادية، وإسرائيل كقوة جوية تعتمد على الضربات الاستباقية لمنع ترسيخ تهديدات استراتيجية لأمنها القومي.

ومن هذا، يمكن توصيف طبيعة التفاعل التركي الإسرائيلي في سوريا عبر مفهوم تجنب الصدام دون وجود تعاون فعلي. فحتى الآن، لا توجد آليات تنسيق معلنة بين الطرفين، إلا أن سلوكهما الميداني يعكس درجة من الإدراك المتبادل لخطوط التماس الحمراء. فعلى سبيل المثال، تركز تركيا عملياتها في نطاقات جغرافية محددة، شمال حلب، إدلب، ومناطق شرق الفرات، بينما تحرص إسرائيل على توجيه ضرباتها نحو أهداف مرتبطة بإيران أو حلفائها في الجنوب والعمق السوري، مع تجنب الاقتراب من مناطق الانتشار التركي، ما يعكس تنسيقا ضمنيا بين الدولتين، حيث يتم تفادي الاحتكاك عبر الفصل الجغرافي والوظيفي دون الحاجة إلى قنوات اتصال مباشرة.

وفي ظل غياب علاقات سياسية مستقرة بين الطرفين، لا يقوم التوازن الحالي على ردع تقليدي قائم على التهديد المباشر، بل على إدارة المواجهة. فكل طرف يدرك حدود تحركه ليس خوفا من رد عسكري مباشر من الآخر، بل نتيجة حسابات أكثر تعقيدا تتعلق بتعدد الفاعلين في الساحة السورية، على غرار روسيا وإيران والفصائل المسلحة المحلية، ما يعكس حالة سيولة استراتيجية يتم فيها اختبار الحدود بشكل مستمر دون تجاوزها. فكل عملية عسكرية، سواء تركية أو إسرائيلية، تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: تنفيذ هدف تكتيكي، واختبار ردود الفعل المحتملة للطرف الآخر. ورغم نجاح هذا النمط من التفاعل بين أنقرة وتل أبيب حتى الآن، إلا أنه يظل هشا وقابلا للانهيار. وتكمن أهمية سوريا في كونها مختبرا ديناميكيا للعلاقة بين تركيا وإسرائيل، فهي تتيح للطرفين اختبار حدود القوة وقياس ردود الفعل وإعادة تعريف قواعد الاشتباك بشكل مستمر.

سيناريوهات العلاقات التركية الإسرائيلية

يتجه التفاعل التركي الإسرائيلي نحو طابع تنافسي طويل الأمد، أقرب إلى حرب باردة إقليمية منخفضة الحدة، متعددة الأدوات، وغير مباشرة في معظم ساحاتها. غير أن هذا لا يفترض غياب التصعيد بطبيعة الحال، ما يطرح عدة سيناريوهات أمام العلاقات التركية الإسرائيلية في المستقبل المنظور، لعل أبرزها ما يلي:

السيناريو الأول: سيناريو الاحتواء المتبادل. يقوم هذا السيناريو على إدارة التنافس عبر آليات غير مباشرة، حيث تسعى تركيا وإسرائيل إلى احتواء بعضهما البعض دون الانخراط في صدام مفتوح، ويتجسد ذلك في توزيع مجالات النفوذ جغرافيا ووظيفيا، مع استمرار التنافس السياسي والإعلامي، واستخدام أدوات الضغط غير العسكرية مثل التحالفات الإقليمية والوساطات، ما يعكس تفضيل الطرفين لاستراتيجية إدارة الصراع بدلا من حسمه.

السيناريو الثاني: سيناريو التصعيد المحدود في سوريا. يفترض هذا السيناريو انتقال التنافس إلى مستوى أعلى من المواجهة المنضبطة داخل سوريا دون الوصول إلى حرب شاملة، وقد يتجسد ذلك في احتكاكات غير مباشرة أكثر حدة، مثل اقتراب مناطق العمليات، أو استهداف غير مقصود لمصالح مرتبطة بالطرف الآخر، أو تصاعد وتيرة العمليات العسكرية لكل طرف في نطاق نفوذ الآخر.

السيناريو الثالث: سيناريو المواجهة العسكرية. يرتكز هذا السيناريو على احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل، سواء بشكل محدود أو متدرج، نتيجة حادث كبير أو سوء تقدير استراتيجي. ورغم أن هذا السيناريو يظل الأقل ترجيحا، إلا أن تأثيره سيكون بالغ الخطورة، نظرا لطبيعة الطرفين كقوتين إقليميتين تمتلكان قدرات عسكرية متقدمة وشبكات تحالف معقدة.

الخاتمة

في المحصلة، تكشف التحولات الراهنة في العلاقات التركية الإسرائيلية عن انتقال جذري من نموذج العدو المركزي إلى بنية تهديد شبكية متعددة المستويات، تتداخل فيها الأبعاد الجيوسياسية مع الجيوسردية، ويتراجع فيها الحسم العسكري المباشر لصالح أنماط أكثر تعقيدا من إدارة التنافس. ففي ظل تراجع نسبي لمركزية إيران، وصعود تركيا كفاعل منافس على مستوى النفوذ والسردية، ومع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة محدودة قابلة للتصعيد، يتبلور تدريجيا نمط حرب باردة إقليمية تقوم على الاحتواء المتبادل، والصراع على الشرعية بقدر الصراع على الأرض. غير أن هذا النمط، رغم قدرته على تأجيل المواجهة، يظل هشا بطبيعته، إذ يعتمد على توازنات دقيقة قابلة للاختلال بفعل سوء التقدير أو التحولات المفاجئة، ما يجعل الإقليم محكوما بمعادلة مركبة: استقرار تكتيكي مقابل سيولة استراتيجية مزمنة، حيث يتحدد مستقبل الصراع ليس فقط بمن يمتلك القوة، بل بمن ينجح في إعادة تعريف قواعدها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع