مقالات المركز

ما بعد البعث.. الجمهورية الثالثة وأخطار الهيمنة التنظيمية


  • 14 يناير 2026

شارك الموضوع

تمثل الجمهورية الثالثة السورية مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة السورية بعد سقوط نظام البعث في ديسمبر (كانون الأول) 2024. هذا الحدث ليس مجرد نهاية حقبة سياسية امتدت عقودًا؛ بل هو لحظة كشف بنيوي للدولة بما راكمته من هشاشة مؤسساتية، وتشوهات وظيفية، وتداخلات بين السلطة والأمن والبيروقراطية. هذه المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام لم تؤدِ تلقائيًّا إلى ولادة دولة جديدة مكتملة الأركان؛ بل أدخلت البلاد في مرحلة سيولة مؤسسية، حيث تضعف القواعد الناظمة للعمل العام، وتذوب الحدود بين القرار السياسي والإدارة التقنية وبين الشرعية القانونية والشرعية الواقعية.

 في الوقت نفسه يشهد النظام الداخلي تراجعًا حادًا في القدرة على مراقبة المؤسسات، وتطبيق المعايير الواضحة للتعيين والمساءلة؛ ما يفتح الباب أمام القوى المحلية والإقليمية لاستثمار الفراغ، إلى جانب إعادة ترتيب الولاءات داخل الدولة. التاريخ السوري الحديث يؤكد أن الفترات الانتقالية التي تلت انهيار الأنظمة الشمولية غالبًا ما تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في بناء مؤسسات فعالة، ومنع تحويل الدولة إلى أدوات للولاء التنظيمي أو الأيديولوجي، وفي الحالة السورية ساعدت سنوات الحرب والفراغ الأمني على تعميق هشاشة الدولة، واستنزاف ثقة المجتمع بالمسؤولين، وفتح المجال أمام نفوذ جماعات تنظيمية يمكنها السيطرة على موارد الدولة من الداخل.

في هذا الإطار يبرز دور جماعة الإخوان المسلمين بوصفها أحد الفاعلين الأكثر قدرة على استثمار هذه المرحلة الرمادية. يختلف هذا النفوذ عن السيطرة السياسية التقليدية، إذ يقوم على إستراتيجية التغلغل داخل المؤسسات العامة، والعمل على إعادة تعريف أولويات الدولة من الداخل بدلًا من المواجهة العلنية، ويعتمد على شغل مواقع تقنية ومهنية في الإدارة المالية والدبلوماسية والإعلام، وإدارة المساعدات، وإعادة الإعمار، والعمل ضمن شراكات مؤقتة مع أطراف محلية ودولية، دون إعلان برنامج سياسي صريح. يهدف هذا النهج إلى بناء شبكة ولاءات داخل الجهاز البيروقراطي؛ ما يتيح التأثير في القرار العام على المديين المتوسط والطويل، ويستفيد من غياب المعايير الواضحة للتعيينات، وضعف أجهزة الرقابة المستقلة، بحيث يصبح الطلب على الخبرة والاستمرارية بوابة لإعادة إنتاج النفوذ الطويل الأمد.

يمكن توصيف هذا النمط من النفوذ على أنه “الدولة الموازية”، وهي شبكات نفوذ تعمل من داخل الدولة الرسمية، وتعيد توجيه السياسات العامة وفق أولويات تنظيمية محددة. هذه الشبكات لا تنازع الدولة على شرعيتها علنًا، لكنها تمارس تأثيرًا فعليًّا من خلال احتكار المعرفة، وإدارة تدفقات المعلومات، وضبط ممرات القرار داخل المؤسسات، وإعادة توجيه الموارد المالية والبشرية وفق الولاء التنظيمي، وليس وفق المعايير المدنية أو المهنية. ساعدت السيولة المؤسسية في سوريا في تكوين هذه الدولة الموازية حيث أصبح من الصعب التمييز بين الكفاءة المهنية والانتماء التنظيمي وبين القرار السياسي والإداري في هذا السياق فإن استمرار التأثير الإخواني يضمن لهم القدرة على حماية مصالحهم التنظيمية حتى في غياب السيطرة العسكرية المباشرة.

تتسم الديناميكيات الداخلية في سوريا بعد سقوط الأسد بطابع إقليمي واضح؛ إذ تؤدي السعودية والإمارات وتركيا والولايات المتحدة دورًا في تشكيل هذا المشهد الداخلي. من الجدير بالذكر أن الموقف السعودي تجاه جماعة الإخوان شهد تعديلًا ملموسًا بحيث تُعامل السعودية “الإخوان” بوصفها شريكًا محتملًا ضمن مقاربة استقرار إقليمي مع فرض رقابة على نفوذهم لتقليل الأخطار الأمنية. هذا الموقف جعل من الممكن للتيار الإخواني العمل ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، مع الحفاظ على شبكة دعم إقليمي، ومراعاة عدم استفزاز الفواعل الأخرى، أو المجتمع الدولي، وهو ما يعكس إستراتيجية تفاوضية دقيقة تتجنب الصدام المباشر، وتستثمر في بناء نفوذ طويل الأمد من خلال المواقع المدنية والدبلوماسية.

شهدت هيئة تحرير الشام خلال السنوات الأخيرة انقسامات حادة بين تيارين رئيسيين؛ الأول هو التيار البراغماتي الذي يُوصَف أحيانًا بالمعتدل، وهو ذو ارتباطات إخوانية، وتمثله شخصيات مثل أبي ماريا القحطاني، وجهاد عيسى (الشيخ أبو أحمد)، ومظهر الويس، وزيد العطار (أسعد الشيباني). هذا التيار سعى إلى إعادة تكييف الهيئة مع الواقع المحلي، والحد من الخطاب والسلوك المتشدد، وبناء علاقات مع فصائل تُصنَّف معتدلة، بالإضافة إلى فتح قنوات تواصل مع تركيا، بما يضمن بقاء الهيئة سياسيًّا وأمنيًّا، ويخفف عزلتها.

في المقابل، برز تيار سلفي جهادي متشدد، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدائرة الجولاني، ويقوده شرعيون معروفون بتشددهم، مثل أنس خطاب، وعبد الرحيم عطون. هذا التيار تمسك بالخط الأيديولوجي الصارم، ورفض أي انزلاق نحو البراغماتية السياسية، أو التنازلات الفكرية، واعتبرها تهديدًا لهوية الهيئة، ومشروعها العَقَدي.

هذا الانقسام لم يبقَ في إطار الخلاف الفكري؛ بل تحول إلى صراع مباشر على النفوذ والقرار داخل الهيئة. وقد تجلى ذلك في سلسلة إجراءات قمعية، أبرزها اعتقال أبي ماريا القحطاني في أغسطس (آب) 2023، ثم اغتياله في أبريل (نيسان) 2024؛ ما شكّل ضربة قوية للتيار البراغماتي. كما أدت محاولة اعتقال جهاد عيسى نهاية 2023 إلى انشقاقه، وهو ما أفقد هذا التيار ما تبقى له من سند عسكري وتنظيمي. بالتوازي، تعرّض مظهر الويس وزيد العطار للاستهداف ضمن حملة تطهير داخلية أواخر عام 2023.

نتيجة لذلك، تراجع نفوذ التيار البراغماتي داخل البنية الصلبة لهيئة تحرير الشام قبيل سقوط النظام، في حين استمر حضوره على نحو محدود في بعض المواقع المدنية والواجهات الدبلوماسية لاحقًا، دون أن يكون له تأثير حاسم في القرار الأمني، أو العسكري.

أبو ماريا القحطاني كان قائدًا براغماتيًّا عمل على فك ارتباط جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة، وتعزيز القبول المحلي للهيئة، وإقامة تحالفات مع العشائر والفصائل المعتدلة، اعتُقل في 2023، ثم اغتيل في 2024؛ ما أضعف التيار الإخواني داخليًّا. جهاد عيسى (الشيخ أبو أحمد) كان نائب قائد حلب، ومسؤول العلاقات الخارجية والتنسيق مع الفصائل المعتدلة، انشق عن الهيئة نهاية 2023 بعد استهداف جناحه، وعُين لاحقًا في منصب معاون رئيس الجمهورية للشؤون العشائرية في الحكومة الانتقالية.

 مظهر الويس (أبو عبد الرحمن) كان الشرعي الشرقي البارز، جمع بين العمل الشرعي والإداري، اعتُقل في حملة التطهير الداخلية، وعاد لاحقًا لتولي منصب وزير العدل في الحكومة السورية الجديدة. زيد العطار (حسام الشافعي، أسعد الشيباني) مسؤول العلاقات الخارجية والسياسية، تعرض للاستهداف في حملة 2023، وأعيد لاحقًا ليصبح وزير الخارجية في الجمهورية الثالثة؛ ما يعكس استمرار نفوذه الإخواني في البنية الدبلوماسية. محمد بشير رئيس حكومة الإنقاذ السابقة كان شخصية مدنية محسوبة على التيار الإسلامي المعتدل، وتمثل نموذجًا للكوادر الإخوانية داخل الإدارة المدنية، دون صدام مع البنية العسكرية للهيئة.

تواجه الجمهورية الثالثة السورية تحديات مؤسساتية متعددة تتمثل في ضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة، وغياب قوانين صارمة للتعيينات والمحاسبة؛ مما يزيد من خطر اختطاف الدولة من الداخل، والتداخل بين السياسة والإدارة. كما أن صعوبة فصل القرار الإداري عن الولاءات التنظيمية والانقسامات المجتمعية والطائفية تجعل أي تمكين غير متوازن معرضًا لإعادة إنتاج الإقصاء والنفوذ الإقليمي. تؤدي السياسات الإقليمية دورًا مهمًا في التأثير بالتوازن الداخلي، وفي الوقت نفسه قد تتجه بعض السياسات الإقليمية الأخرى إستراتيجيًّا للسماح بوجود التيارات الإخوانية ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، مع وضع ضوابط للحد من أي تأثير مفرط على البنية الإدارية والسياسية، بما يسهم في الحفاظ على استقرار المؤسسات، ومنع استغلال الفراغ المؤسسي لصالح ولاءات تنظيمية.

يعتمد نجاح التيار الإخواني على قدرته على البقاء ضمن الحدود المقبولة للمجتمع الدولي، وعدم استفزاز فواعل محلية وإقليمية، وإعادة إنتاج نفسه من خلال مواقع الإدارة المدنية والدبلوماسية، والعمل الاجتماعي دون مواجهة مباشرة مع القوات العسكرية أو الأمنية. كما أن تعزيز قدرات الدولة على الرقابة والمساءلة، ووضع آليات واضحة للتعيينات والمحاسبة يمثل حجر الزاوية في حماية المؤسسات من الهيمنة التنظيمية، وإعادة إنتاج الدولة الموازية؛ ومن ثم فإن توصيات صانعي القرار تتلخص في تعزيز الشفافية الإدارية، وتطبيق قوانين صارمة للتعيينات والمساءلة، وفتح المجال للمجتمع المدني للمراقبة والمشاركة في صنع القرار بما يضمن ألا يتحول الانتقال السياسي إلى إعادة إنتاج للنفوذ التنظيمي في إطار الدولة الجديدة.

يظل التحدي الأكبر في الجمهورية الثالثة السورية هو الموازنة بين السماح للتيارات المدنية والدينية بالعمل ضمن الدولة، ومنع تحولها إلى قوى موازية تسيطر على القرار والموارد، وتعيد إنتاج هيمنة سابقة بطريقة غير علنية. وقد أثبتت التجربة السابقة لهيئة تحرير الشام أن الانقسامات الداخلية، واستهداف الشخصيات المعتدلة يمكن أن يضعف النفوذ الإخواني في الجانب العسكري، لكنه لا يمنع استمراره ضمن المؤسسات المدنية والدبلوماسية؛ ومن ثم يجب على صانعي القرار تعزيز مؤسسات الدولة القانونية والإدارية، ووضع معايير واضحة للفصل بين الولاءات التنظيمية والقرار المؤسسي بما يضمن الانتقال السياسي المستقر، ويقلل أخطار الدولة الموازية، ويتيح فرصًا أكبر للمجتمع المدني والكوادر المهنية للإسهام في إعادة بناء الدولة، دون استغلال الفراغ المؤسسي لصالح ولاءات تنظيمية.

في ضوء هذه المعطيات ينبغي النظر إلى الجمهورية الثالثة السورية بوصفها مرحلة انتقالية حساسة تتطلب إجراءات دقيقة لضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ويجب أن تركز السياسات الداخلية على تعزيز الرقابة والمساءلة، وفتح المجال للمجتمع المدني، مع مراعاة الديناميات الإقليمية والتحولات في نفوذ الجماعات التنظيمية. كما أن استمرار رصد النفوذ الإخواني داخل الدولة الجديدة يشكل مؤشرًا مهمًا لصانعي القرار لتعديل السياسات بما يضمن التوازن بين الحريات المدنية والمراقبة المؤسسية، ويتيح بناء دولة مدنية قادرة على مقاومة الهيمنة التنظيمية، وتحقيق الاستقرار الطويل الأمد في سوريا.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع