مقالات المركز

لماذا تحتاج النخب المصرية والخليجية إلى حوار صريح؟


  • 28 مارس 2026

شارك الموضوع

على مدى عشرات القرون، سجل التاريخ تحولاتٍ كبرى في الهويات الثقافية والعقائدية والاجتماعية لغالبية الأمم.. بل أن بعضها مر بتلك التحولات عدةَ مرات قبل أن يثبت على حالته الراهنة، والتي لا ضمان لبقائها – هكذا – إلى الأبد.. في المقابل ظل عاملٌ واحدٌ عصياً على التغيير: الجغرافيا! ذلك الثابت الصلب هو ما دفع علماء السياسة إلى تأسيس حقل علمي مستقل أُطلقوا عليه اسم “الجيوبوليتيك”، لفهم كيف تؤثر الجغرافيا في تشكيل المصالح والصراعات، وتفرض في النهاية نوعاً من “المصير المشترك” حتى بين ألدِّ الخصوم.

ينبهنا التاريخ إلى محاولات فاشلة لتجاهل الجغرافيا، منها ما جرى في أوروبا عقب سقوط الإمبراطورية الرومانية حين نشأت كياناتٌ سياسيةٌ متنافرة، تقوقعت على نفسها، فكانت النتيجة قروناً من صراعات دموية أوربية – أوربية، بلغت ذروتها في حربين عالميتين وقعتا خلال فترة زمنية متقاربة، وشكلتا معًا ما يُسمى “النصف الأول الدموي من القرن العشرين”.. حينها فقط اضطر الأوربيون إلى الاعتراف باستحالة تجاوز الجغرافيا، وبأنها المغناطيس الذي يجذب الجميع ويوحدهم رغم تباين لغاتهم وثقافاتهم ومذاهبهم الدينية.. في اللحظة المناسبة اختاروا التكامل بدلاً من التناحر، وأسسوا أول كيان جامع لهم تحت مسمى المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) عام 1957، وهو ما مهد لتأسيس الاتحاد الأوروبي (EU) عام 1993.

ثلاثة وثلاثون عاماً استطاع الأوربيون خلالها – وما زالوا- البقاء تحت مظلة واحدة رغم الأزمات العديدة، والسر وراء ذلك: نجاحهم في إدارة الاختلاف، والمثال الأحدث: العلاقة مع موسكو، إذ يدور الجدل بين دول تعتمد على الغاز الروسي كالمجر وسلوفاكيا وأخرى تطالب بتشديد العقوبات على الكرملين كألمانيا وبولندا. لكنه في النهاية جدلٌ صحي بين أفراد أسرة واحدة يعيشون جميعاً تحت سقف بيت واحد.

 عند النظر إلى المنطقة العربية تندهش من أن التاريخ لم يسجل حروباً أو نزاعات سياسية أو طائفية طاحنة كتلك التي وقعت في أوربا، باستثناء تلك المغامرة الكارثية التي أقدم عليها صدام حسين عام 1990 بغزوه دولة الكويت والتي لعبت الدور الأكبر في تداعي النظام الرسمي العربي..

تتمدد 22 دولة عربية على يابسة متصلة من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، تتحدث لغة واحدة، ويجمع الغالبية العظمى من شعوبها دين واحد، وعادات وتقاليد متقاربة، وثقافات متشابهة، وهي شروط موضوعية تفوق بكثير ما لدى أوربا، ناهيك عن ثروات طبيعية هائلة، وأخرى بشرية تتمثل في عدد سكان يناهز نصف مليار نسمة، غالبيتهم من الشباب، ومع ذلك لم تتحول تلك العوامل المشتركة إلى مشروع استراتيجي جامع، بل ظلت – للأسف – رهينة التباينات بين النخب السياسية وسوء الفهم المتبادل وسط الشعوب، رغم غياب عوامل التنافر والصراعات والتاريخ الدموي كما جرى في حقب سابقة للأوربيين.

في الوقت الراهن يقف العرب أمام نفس اللحظة المصيرية التي عاشتها أوربا منتصف القرن العشرين، لكن بصيغة مختلفة، نجدها في تحديات مركبة ومتزامنة تهدد الدولة الوطنية، أبرزها العدوانُ الإيراني الذي يستهدف النموذج الأنجح عربياً على المستوى الاقتصادي والتنموي والتقني في بلدان الخليج العربي، والمشروعُ الإسرائيلي الذي يهدف إلى فرض معادلات الهيمنة والقوة تحت شعارات دينية.

يستدعي هذا الوضع مقاربة بناءة لا تختزل المخاطر في صورة “أبيض وأسود” كما عبر عنه الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد في مقاله الأخير بعنوان “لماذا يدافعون عن إيران؟” الذي ناقش فيه عدم إدراك بعض العرب خارج منطقة الخليج لخطر وعدوانية إيران كونها بعيدة عنهم، واعتبارهم إسرائيلَ الخطر الأوحد، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام استقطاب حاد، عبَّر عنه تراشقٌ إعلامي وشعبي لم يقتصر فقط على المنصات الرقمية، بل وصل إلى دوائر النخب العربية نفسها، التي كان يفترض أن يعلو صوتها بالقول إن من الخطأ اختزال مخاطر الأمن القومي العربي في خطر واحد أو اثنين، والإشارة – على سبيل المثال – إلى مساعي إيران وتركيا لاستعادة أمجادهما السابقة على حساب منطقتنا العربية.

لقد كشف العدوان الإيراني على بلدان الخليج والأردن والعراق أن النخب العربية تخلت عن دورها في قيادة الوعي، بل أصبحت في كثير من الأحيان أسيرة المزاج العام، تنساق خلفه، بينما يُفترض حسب الرئيس الأمريكي الثاني والثلاثون فرانكلين روزفلت، “أن مهمة رجل الدولة – والنخب معه – هي تشكيل الوعي السياسي لا الانقياد له”.

العودة إلى صفحات التاريخ تكشف لنا أيضاً أن القطيعة ليست الحل الأنجع للخلافات البينية العربية.. لنتذكر تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس عقب توقيع اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979 قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها عام 1989.. ولنتذكر أيضاً حرب الثمانية أعوام بين العراق وإيران التي استنزفت دول الخليج، ثم غزو صدام حسين للكويت.. كل ذلك وغيره كثير، يعيد التأكيد على أن الترابط بين الدول العربية ليس عاطفياً فحسب، بل هو ترابطٌ بنيوي واضح في ظل وجود مصالح يستحيل الاستغناء عنها، وجغرافيا لا سبيل للفكاك منها.. من هنا، فإن الحاجة إلى أن نسمع بعضنا بعضا لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، وقد دعوت إلى ذلك من خلال حسابي على منصة إكس تحت عنوان “حوار مصري – خليجي.. صريح وبلا مجاملات” بمشاركة مثقفين وكتّابٍ ودبلوماسيين سابقين، بعيداً عن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بحيث يقوم على أسس أهمها:

  • الاعتراف بتعدد مصادر التهديد، لا اختزالها.
  • الفصل بين الخلاف في التقدير وبين الصراع في المواقف.
  • بناء خطاب عقلاني يوازن بين المصالح والاعتبارات القيمية.
  • إعادة النخب إلى دورها الطبيعي كجسر بين الدولة والمجتمع، لا كصدى للانفعالات الآنية.

مرة أخرى أجدني أكرر الدعوة لعقد ذلك الحوار، على أمل أن نستفيد يوماً ما من تجربة الإتحاد الأوروبي، الذي نجحت شعوبه في تحويل الجغرافيا من قيد مفروض إلى فرصة استراتيجية أحسنت استثمارها. ومن حسن الحظ أن لدينا ضمن القادة وكبار المسؤولين العرب عدد لا بأس به من الشباب، الذين يتشاركون في تطلعات طموحة نحو المستقبل.

ليكن الحوار المنشود أول خطوة في السعي لضبط النقاش العام، بدلاً عن حالة الاستقطاب الشعبوية الراهنة، وكدعوةٍ لإعادة ضبط البوصلة: من الانفعال إلى التفكير، ومن التراشق إلى التفاهم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع