
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991 مرحلة اتسمت بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى الوحيدة، وهو ما دفع العديد من الباحثين إلى توصيف تلك المرحلة بـ”اللحظة الأحادية”. فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، حيث توسع النفوذ الأمريكي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتزايد دور المؤسسات الدولية التي تقودها أو تؤثر فيها القوى الغربية، كما تعززت العولمة الاقتصادية وتنامت الروابط التجارية والمالية بين الدول. وخلال عقدي التسعينيات والألفية الأولى، بدا أن النظام الدولي يتجه نحو قدر من الاستقرار النسبي بين القوى الكبرى، رغم استمرار النزاعات الإقليمية والتدخلات العسكرية في مناطق مختلفة من العالم.
غير أن هذا الاستقرار لم يكن مستدامًا، إذ بدأت مؤشرات التحول تظهر تدريجيًا مع الصعود الاقتصادي والعسكري للصين، واستعادة روسيا جانبًا من قدراتها الاستراتيجية، وتنامي أدوار قوى إقليمية مثل إيران وتركيا والهند، فضلًا عن تراجع الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات العالمية. وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ثم التصعيد العسكري المباشر بين إسرائيل وإيران وما ارتبط به من تطورات إقليمية خلال عامي 2024 و2025، ليكشفا عن تحولات عميقة في طبيعة النظام الدولي، إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة الأزمات منفردة، كما برزت أنماط جديدة من التحالفات والتنافس الجيوسياسي، الأمر الذي أعاد النقاش حول نهاية الأحادية القطبية وبداية مرحلة انتقالية نحو نظام دولي أكثر تعددية وتعقيدًا.
يناقش هذا المقال الأسباب التي أدت إلى اهتزاز النظام الدولي بعد مرحلة الاستقرار النسبي التي أعقبت الحرب الباردة، مع التركيز على ديناميكيات التأثير المتبادل بين الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، وكيف أسهم تزامن الأزمتين في تسريع تراجع النظام الدولي الأحادي وصعود ملامح نظام عالمي أكثر تعددية.
مع انهيار الاتحاد السوفيتي دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من التفوق الأمريكي، إذ امتلكت الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية، وأقوى اقتصاد، وأوسع شبكة تحالفات في العالم. وعززت تدخلاتها العسكرية في حرب الخليج، ثم في البلقان، ولاحقًا في أفغانستان والعراق، صورة القوة القادرة على فرض إرادتها الدولية في غياب منافس استراتيجي مكافئ.
إلا أن هذا الاستقرار كان يحمل في داخله عوامل هشاشته. فقد دفع التوسع المتواصل لحلف شمال الأطلسي شرقًا روسيا إلى إعادة صياغة عقيدتها الأمنية وتعزيز قدراتها العسكرية، انطلاقًا من رفضها اقتراب البنية العسكرية الغربية من مجالها الحيوي. وفي الوقت نفسه، استفادت الصين من العولمة لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبدأت في تحديث قدراتها العسكرية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة. كما كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 عن حدود النموذج الاقتصادي الغربي، وأضعفت جاذبية القيادة الأمريكية لدى عدد من الدول.
وفي موازاة ذلك، اتجهت قوى إقليمية إلى توسيع نفوذها مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة بحروب الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى تزايد استقلالية القرار السياسي لدى العديد من الدول، وظهور توجهات تقوم على تنويع الشراكات بدل الاعتماد على قوة دولية واحدة.
شكلت الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت في فبراير (شباط) 2022، أكبر تحدٍ أمني شهدته أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم تكن الحرب مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى مواجهة استراتيجية بين روسيا والغرب، استُخدمت فيها أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية في آن واحد.
فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزمًا غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، بينما قدم الغرب دعمًا ماليًا وعسكريًا واسعًا لأوكرانيا. وفي المقابل، تمكن الاقتصاد الروسي من التكيف مع جزء كبير من هذه الضغوط عبر إعادة توجيه صادرات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع شركاء مثل الصين والهند، وهو ما أظهر حدود فعالية العقوبات الاقتصادية في تحقيق أهدافها السياسية بصورة كاملة.
كما أبرزت الحرب تراجع قدرة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، على احتواء النزاعات الكبرى أو إنهائها، نتيجة تضارب مصالح الدول دائمة العضوية واستخدام حق النقض، وهو ما عمق أزمة الحوكمة الدولية، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرة النظام الدولي القائم على التعامل مع الأزمات بين القوى الكبرى.
أدت التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، التي بلغت مستوى غير مسبوق من المواجهة العسكرية المباشرة خلال عام 2024، واستمرت تداعياتها الإقليمية في عام 2025، إلى إدخال الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. فقد تجاوز الصراع نمط “حروب الوكالة” الذي ساد لعقود، ليشهد تبادلًا مباشرًا للضربات العسكرية، في ظل استمرار التوتر المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، وتداخل أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وأظهرت هذه التطورات أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط لم تعد تُدار بمنطق الردع التقليدي وحده، بل أصبحت أكثر عرضة للتصعيد السريع، مع تزايد أهمية القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية. كما برزت أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية، في ظل المخاوف من تأثير أي تصعيد على حركة التجارة العالمية وأسعار النفط.
وفي الوقت نفسه، عكست الأزمة حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة، إذ أصبحت إدارة التوازنات الإقليمية أكثر تعقيدًا مع تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية متعددة، من بينها الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهو ما عزز الاتجاه نحو تعددية مراكز التأثير.
يرى الخبراء أنه لا يمكن النظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المرتبطة بإيران باعتبارهما أزمتين منفصلتين، إذ توجد بينهما علاقات تأثير متبادل على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي. فعلى المستوى العسكري، أدى انشغال الولايات المتحدة والدول الأوروبية بدعم أوكرانيا إلى زيادة الضغوط على مواردهما العسكرية والمالية، وهو ما أثر في قدرتهما على إدارة أزمات أخرى بالفاعلية نفسها. وفي المقابل، فرض التصعيد في الشرق الأوسط تحديات إضافية تتعلق بتوزيع القدرات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية بين جبهتين استراتيجيتين.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أسهمت الأزمتان في زيادة التقلبات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وأعادتا الاعتبار لمفهوم الأمن الاقتصادي بوصفه أحد مكونات الأمن القومي. كما دفعتا العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية.
وسياسيًا، عززت الأزمتان الاتجاه نحو تشكيل تحالفات أكثر مرونة تقوم على المصالح المشتركة أكثر من الانتماءات الأيديولوجية، إذ أصبحت الدول تميل إلى بناء شراكات متعددة بدل الارتباط بمحور دولي واحد، وهو ما يعكس تحولات عميقة في بنية العلاقات الدولية.
تشير التطورات التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة إلى أنه يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها ملامح الأحادية القطبية تدريجيًا، لصالح بنية دولية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. فلم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها منفردة في مختلف الملفات الدولية، في حين لم تصل أي من القوى الصاعدة إلى مستوى يؤهلها لقيادة النظام الدولي بصورة منفردة، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يشهدها العالم.
وقد أسهمت مجموعة من العوامل في تسريع هذا التحول، من أبرزها الصعود المتواصل للصين باعتبارها قوة اقتصادية وتكنولوجية متنامية، واستعادة روسيا جانبًا من دورها العسكري والاستراتيجي رغم الضغوط الغربية، واتساع نفوذ التكتلات الاقتصادية والسياسية، وفي مقدمتها مجموعة “بريكس”، إلى جانب تنامي أهمية القوى المتوسطة التي أصبحت تمارس أدوارًا أكثر استقلالية في إدارة علاقاتها الخارجية، بما يحد من قدرة أي قوة منفردة على احتكار إدارة النظام الدولي.
ومن ثم، لا يبدو أن العالم يتجه نحو إعادة إنتاج الثنائية القطبية بصورتها التقليدية التي سادت خلال الحرب الباردة، بل نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتداخل فيه مجالات التعاون والتنافس في الوقت نفسه، وتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والتكنولوجية والجيواستراتيجية، بما يجعل عملية إدارة الأزمات الدولية أكثر تعقيدًا وتعددًا في مستوياتها.
تكشف الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران أن مرحلة الاستقرار النسبي التي أعقبت الحرب الباردة ارتبطت بظروف تاريخية مؤقتة أكثر من كونها تعبيرًا عن نظام دولي مستقر ودائم. فقد أدت التحولات في موازين القوى، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، إلى إضعاف الأسس التي قام عليها النظام الدولي الأحادي بقيادة الولايات المتحدة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
كما أبرزت ديناميكيات التأثير المتبادل بين الأزمتين أن الصراعات المعاصرة أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، بحيث يؤدي التصعيد في منطقة إلى إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية في مناطق أخرى، سواء عبر أسواق الطاقة، أو التحالفات العسكرية، أو مسارات التنافس الجيوسياسي.
ومن المرجح أن تستمر هذه الاتجاهات خلال السنوات المقبلة، بما يعني أن النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة لم تتبلور فيها بعد قواعد توازن جديدة. ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية ترجح استمرار تراجع الأحادية القطبية، مقابل صعود نظام دولي أكثر تعددية وتنافسًا، تتوزع فيه القوة والنفوذ بين عدد أكبر من الفاعلين الدوليين والإقليميين.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير