إستراتيجيات عسكريةتقدير موقف

“عدم الهزيمة”.. محور وثيقة واشنطن للدفاع الوطني


  • 29 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: derechadiario

لا يتوقف الرئيس دونالد ترمب عن الحديث عن قوة الجيش الأمريكي الذي ينفق نحو تريليون دولار سنويًّا، تساوي نحو 3.7% من الناتج القومي الأمريكي، ولا يترك مؤتمرًا دون الحديث عن عظمة اقتصاد بلاده الذي تجاوز 30 تريليونًا بنهاية عام 2025، وهو ما يجعل الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد في التاريخ بوصفه الاقتصاد الأول في العالم منذ عام 1870.

لكن كل ذلك لا يضمن الهيمنة الأمريكية، أو حتى الانتصار الأمريكي في أي معركة قادمة ضد الصين وروسيا بعد أن أكدت كثير من “محاكاة الحروب” التي نُشِرَت عام 2025 أن الجيش الأمريكي سوف يتلقى “هزيمة نكراء” حال الدخول في حرب تقليدية مفتوحة مع الصين. لكن الصدمة الأكبر كانت في تفاصيل “وثيقة الدفاع الوطني الجديدة” لعام 2026، التي جاءت في 25 صفحة، ونشرتها وزارة الحرب الأمريكية في 24 يناير (كانون الثاني) الجاري، التي قالت -بوضوح- إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تحقيق “نصر سريع” على الصين أو غيرها، وأنها تريد فقط “البقاء” في إدارة المنافسة دون أن تتلقى “هزيمة” من المنافسين الرئيسين، وفي المقدمة منهم الصين، بعد أن وصفت “وثيقة الدفاع الأمريكية الجديدة” الصين “بأنها أول قوة عالمية عسكرية” يمكن أن تتحدى الولايات المتحدة، وتقترب منها منذ القرن التاسع عشر.

ولم تختلف الأولويات العسكرية في “وثيقة الدفاع الجديدة” لعام 2026 عن المسارات التي تضمنتها “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” التي نشرها البيت الأبيض في 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي وضعت حماية نصف الكرة الغربي وخليج المكسيك وجزيرة غرينلاند في صدارة الأولويات الأمريكية، لكن عند الحديث عن روسيا والصين كان الأمر مختلفًا تمامًا، وهو ما يقول إننا أمام تغيير شامل في تقييم الولايات المتحدة لقدرتها على المواجهة. فكيف ينظر البيت الأبيض إلى الصين وروسيا في الوثيقة الدفاعية الجديدة؟ ولماذا لم يعد هناك “يقين أمريكي” بالتفوق الكامل والكاسح في أي معركة كما كان يُقال في السابق؟ وهل تترك الوثيقة الدفاعية الجديدة حلفاء واشنطن في أوروبا وشرق آسيا بدون “الغطاء الأمريكي” الذي ظل يشكل ورقة واشنطن الرابحة في صياغة التفاعلات السياسية والأمنية والعسكرية على مدار 8 عقود كاملة؟

تحول جذري

كل رئيس أمريكي جديد تصدر عنه “وثيقة الدفاع الوطني” الأمريكية التي دائمًا تركز على ترتيب الأولويات العسكرية. ومنذ 2001 حتى 2016 كانت الأولويات الأمريكية تتعلق بالحرب على الإرهاب، التي خسرتها الولايات المتحدة بعد أن أنفقت نحو تريليون دولار، وقُتِل فيها نحو 3550 جنديًّا، وفق دراسة أصدرتها جامعة براون الأمريكية في سبتمبر (أيلول) 2021. وبداية من عام 2017 حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دفع الرئيس ترمب بتحديث “مبدأ مونرو”، والسيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي، بما فيها جزيرة غرينلاند التي تنتمي إلى الجرف القاري لأمريكا الشمالية، وطرد منافسي واشنطن من “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة عن طريق دعم الأنظمة المحافظة وأحزاب الوسط، والدفع بإسقاط الأنظمة اليسارية والشيوعية في الكاريبي وأمريكا اللاتينية. ويكشف التدقيق في وثيقة الدفاع الأمريكية الجديدة عن مجموعة من التحولات الإستراتيجية، وهي:

أولًا: تآكل الهيمنة التقليدية

منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، ثم تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، تمتعت الولايات المتحدة “مع حلفائها الغربيين والآسيويين” بهيمنة تقليدية عبر مجموعة من الأدوات العسكرية، مثل حلف “الناتو”، و”تحالف أوكوس”، و”تحالف كواد الرباعي”، والتحالف الاستخباراتي “العيون الخمس”، وحافظت على هيمنة اقتصادية عبر البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ونادي باريس، ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى. وكان الدولار والتكنولوجيا الغربية أبرز أدوات الغرب بقيادة الولايات المتحدة في السيطرة على “الديون” والاقتصاد العالمي.

لكن مع حلول 2026 تأكد لصانع القرار في وزارة الحرب الأمريكية أن كل هذا تآكل مع صعود قوى تكنولوجية، مثل الصين، التي باتت تنافس الولايات المتحدة على مقدرات عالم المستقبل، مثل الذكاء الصناعي، والموارد المعدنية النادرة التي تتحكم الصين فيها بنحو 90%. كما أن روسيا والصين ينافسان الولايات المتحدة بقوة في الفضاء، والفضاء السيبراني، والأسلحة “غير المأهولة”. وكل ذلك أسهم في تضييق “الفجوة” التي كانت الولايات المتحدة تتفوق بها على منافسيها، ومن هنا كان التقدير بأن عدم تعرض الولايات المتحدة لـ”هزيمة واضحة” في المجال العسكري أو التكنولوجي بات هو “الهدف الإستراتيجي” في وثيقة الدفاع الجديدة التي نشرها البنتاجون هذا الشهر.

ثانيًا: مفهوم جديد للأمن القومي

المتغيرات الجديدة وسّعت “مفهوم الأمن القومي”، فلم يعد يقتصر فقط على تحقيق التفوق الأمريكي في مجالات مثل حاملات الطائرات، أو طائرات الشبح من الجيل الخامس، والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية؛ بل بات على الولايات المتحدة أن “تعيد تموضعها” فيما يتعلق بحروب الفضاء، وأسلحة الليزر، والجنود الآليين (الروبوتات).

ثالثًا: الصمود بدلًا من “النصر الخاطف

خير شاهد على هذا التحول النوعي في تقدير قدرات الخصوم والمنافسين تأكيد وثيقة الدفاع الوطني الأمريكية الجديدة على الانتقال من “المنافسة الإستراتيجية” مع الصين وروسيا إلى “إدارة المواجهة الطويلة المدى”. وهنا الهدف واضح، وهو “تجنب الهزيمة”، أو “الاستنزاف” الذي يمكن أن ينتج نتيجة “المنافسة والصراع”. وبات الهدف الأول للولايات المتحدة -وفق هذه الوثيقة- “أكثر تواضعًا” بالإبقاء فقط على “إدارة المواجهة” دون الذهاب بعيدًا إلى المنافسة أو الصراع، انطلاقًا من أن المنافسة مع الصين في مجالات كثيرة وحيوية بدأت بالفعل، وليس أمام الولايات المتحدة سوى “إدارة المواجهة”، خصوصًا في ظل تأكيد وثيقة الدفاع الوطني الأمريكي أن هدف واشنطن في منطقة “الإندو- باسيفيك” هو فقط “عدم هيمنة” الصين أو غيرها على هذه المساحات الشاسعة التي تشكل المصدر الرئيس لنحو 50% من الاقتصاد العالمي؛ ولهذا لا تسعى واشنطن إلى “الانتصار” بقدر سعيها إلى ضمان “عدم خسارة” التوازن الإستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكل هذا يعني أن هدف وزارة الحرب الأمريكية في السنوات المقبلة هو “الصمود العملياتي” بدلًا من “الحسم الخاطف”.”

رابعًا: الردع بالذكاء الصناعي “السيادي

في عام 2022، قدّم البنتاجون رؤية تقوم على ما أسماه آنذاك “الردع الكامل”، كانت تقوم على التنسيق بين المسارات الإستراتيجية المختلفة في الفضاء، وفي البحر، وعلى الأرض. لكن في وثيقة الدفاع الجديدة يتحدث عن “الذكاء الصناعي السيادي”؛ فالتفوق العسكري -على سبيل المثال- سوف يتوقف على “سرعة ودقة” معالجة البيانات التي يتيحها الذكاء الصناعي؛ ولهذا تم الحديث لأول مرة عن “إستراتيجية الردع الخوارزمي”، وهو ما يعني -في نهاية المطاف- أن أي هجوم سيبراني أو فيزيائي سيواجه برد آلي ومنسق يتضمن العقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية المضادة، والتحركات العسكرية المتزامنة.

خامسًا: القطب الشمالي

كل وثائق الدفاع السابقة خلال العقد الماضي كانت تركز على بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي ومضيق ملقا بالإضافة إلى منطقة الخليج العربي والممرات الملاحية في الشرق الأوسط، لكن وثيقة الدفاع الأمريكية الجديدة أضافت أبعادًا جيوسياسية جديدة تركز على ممرات الطاقة شمال الكرة الأرضية، والقطب الشمالي بوصفه مخزنًا كبيرًا للنفط والغاز. وهنا تتأكد القيمة الجيواقتصادية لجزيرة غرينلاند الدنماركية ضمن هذه الرؤية التي تتحدث عن وجود قوي للصين وروسيا في القطب الشمالي، وهو ما يحتم على الجيش الأمريكي الاستثمار في بيئة متطرفة من حيث الطقس، تحتفظ روسيا فيها بمزايا نسبية، حيث تتفوق روسيا على الولايات المتحدة وكل دول مجلس القطب “القطب الشمالي” من حيث الانتشار العسكري، والأصول المدنية لاستخراج النفط والغاز، وكاسحات الجليد النووية، وهو ما يقول إن الولايات المتحدة في تحول كامل من “المناطق المدارية” الحارة إلى “الدائرة القطبية” الشمالية الباردة.

سادسًا: الفضاء ساحة معركة

خلال السنوات الماضية كانت كل النداءات تدعو إلى عدم “عسكرة الفضاء”، لكن في وثيقة الدفاع الجديدة تضع واشنطن الفضاء بوصفه “ساحة حرب رئيسة”، وليس ساحة أو مساحة للدعم كما كان في الماضي. ووفق هذه الوثيقة فإن حماية الأقمار الصناعية التجارية مثل “ستارلينك”، التي يملكها الملياردير إيلون ماسك، باتت جزءًا من الدفاع الوطني، وهو ما يعني أن واشنطن ترى البنية التحتية الرقمية جزءًا رئيسيًّا من سيادتها العسكرية، وهو ما يفتح الباب -لأول مرة- أمام التدخل العسكري لحماية مصالح شركات التكنولوجيا الكبرى.

سابعًا: عدم خنق الصين

انطلاقًا من التحديات السابقة، قالت وثيقة الدفاع الأمريكية الجديدة إنها لا تسعى إلى “احتواء” الصين أو “خنقها”، لكن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع سلسلة الجزر غرب المحيط الهادي لبناء خط دفاع أول عن مصالحها، والمقصود هنا تعزيز العلاقات العسكرية مع اليابان والفلبين وفيتنام وأستراليا وكوريا الجنوبية وجزر المحيط الهادئ.

ثامنًا: روسيا

انتقدت الوثيقة ضمنيًّا حملة التخويف الأوروبية من روسيا، وقالت الوثيقة إن روسيا دولة نووية وتواصل تطوير قدراتها النووية لكن في الوقت نفسه تضم دول الاتحاد الأوروبي أكثر من 500 مليون نسمة مقابل 140 مليون نسمة فقط في روسيا، وهي بذلك تشير إلى إمكانية التعاون الروسي الأوروبي في ضمان أمن أوروبا مستقبلًا.

الواضح أن البشرية تدخل حقبة جديدة من التنافس والصراع اعتمادًا على أدوات ومهارات جديدة، في مقدمتها الذكاء الصناعي، والفضاء، ومصادر الطاقة الجديدة، وهو ما يدفع البيت الأبيض إلى إعادة ترتيب أولوياته التي كانت في السابق تحقيق “انتصار حاسم وسريع” على الخصوم، لكن في ظل التحديات الجديدة فإن سيد البيت الأبيض يكتفي بالعمل على عدم الانزلاق إلى “هزيمة نكراء”.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع