
أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران، في الثامن من مارس (آذار)، عن انتخاب آية الله مجتبى حسيني خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلفًا لوالده آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في ضربة عسكرية أمريكية–إسرائيلية مشتركة على طهران في 28 فبراير (شباط). ويتولى مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عامًا، أعلى سلطة في البلاد في لحظة حرجة تمر بها إيران.
وكان سلفه ووالده، علي خامنئي، قد قاد البلاد لأكثر من ثلاثة عقود منذ توليه المنصب عام 1989. وقُتل خامنئي الأب، عن عمر ناهز 86 عامًا، في طهران في بداية الصراع الحالي. كما أسفرت الضربة أيضًا عن مقتل عدة أفراد من عائلته، بمن فيهم والدة مجتبى وزوجته وابنه.
وجاء هذا الإعلان بعد ساعات قليلة من تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من أن أي مرشد أعلى يتم اختياره دون موافقة واشنطن “لن يظل في السلطة طويلًا”. وكان ترمب قد صرح سابقًا لموقع “أكسيوس” بأن مجتبى خامنئي كان من بين المرشحين البارزين لخلافة والده، لكنه وصف هذا الاحتمال بأنه “غير مقبول”. كما اقترح أن يكون للولايات المتحدة دور في تحديد القيادة القادمة لإيران، مشبهًا ذلك بالتطورات السياسية في فنزويلا.
من جهتها، أصدرت إسرائيل أيضًا تحذيرات صارمة قبل التعيين، مؤكدة أن أي خلف لعلي خامنئي سيُعتبر “هدفًا مؤكدًا للاغتيال”. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا حملتهما العسكرية المنسقة وغير المبررة ضد إيران في 28 فبراير (شباط)، مما أدى إلى مقتل مسؤولين إيرانيين كبار وقادة عسكريين. وحتى 10 مارس (آذار)، بلغت حصيلة القتلى الرسمية 1400 شخص، بينهم 200 طفل، وآلاف الجرحى في إيران. وفي المقابل، أبلغت إسرائيل عن 28 قتيلًا ونحو 3000 جريح، بينما أعلنت الولايات المتحدة عن مقتل سبعة جنود.
يُعد مجتبى حسيني خامنئي، على نطاق واسع، واحدًا من أكثر الشخصيات غموضًا في المؤسسة السياسية الإيرانية. وخلافًا لوالده، حافظ إلى حد كبير على ظهور عام محدود طوال حياته. فهو لم يشغل قط منصبًا حكوميًا رسميًا، ونادرًا ما يلقي خطابات عامة، ولم يجرِ أي مقابلات إعلامية تقريبًا. ولا يوجد في التداول العام سوى عدد محدود من الصور ومقاطع الفيديو الخاصة به. وفي عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه، زاعمة أنه يمثل المرشد الأعلى بصفة رسمية رغم عدم شغله أي منصب منتخب أو رسمي.
هنأ الرئيس مسعود بزشكيان مجتبى خامنئي، قائلًا إن التعيين “يبشر ببدء مرحلة جديدة من الكرامة والقوة للجمهورية الإسلامية”. وصرح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن هذا الاختيار، في ظل “الظروف الراهنة الخطيرة”، من شأنه حماية السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، مع تعزيز الوحدة الوطنية.
كما أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانًا أعرب فيه عن دعمه الكامل لقرار مجلس خبراء القيادة، مؤكدًا استعداده لـ”الطاعة التامة والتضحية بالنفس”. وجرى تداول صور لاحقًا تظهر احتفالات في أجزاء من إيران، حيث رفع مواطنون الأعلام الوطنية وأضاءوا هواتفهم المحمولة في تجمعات عامة.
ومع دخول إيران ما يصفه العديد من المسؤولين بأنه “لحظة تاريخية ووجودية”، يتولى مجتبى خامنئي الآن منصب المرشد الأعلى الثالث للبلاد، مكلفًا بقيادة الجمهورية الإسلامية خلال واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث.
أجرى ستيفن صهيوني مقابلة مع الدكتور محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية – العراق، للحصول على رؤيته الخبيرة حول اختيار القائد الجديد في إيران:
كيف تنظر إلى اختيار المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مجتبى خامنئي؟ وهل كان تعيينه تحديًا للولايات المتحدة والرئيس ترمب؟
محمود الهاشمي: أرى أن الظروف والتحديات التي تواجه إيران والمنطقة حاليًا تتطلب تعيين شخصية محافظة في منصب المرشد الأعلى، خاصة بعد أن أنهت الولايات المتحدة فعليًا مسار المفاوضات والارتباط الدبلوماسي عقب هجومها الأخير على إيران وتبنيها موقفًا إسرائيليًا متشددًا. اللحظة التاريخية الحالية تتطلب أن يشغل المنصب شخص لديه خبرة عميقة في المسار السياسي للثورة الإسلامية منذ نشأتها. وفي ظل هذه الظروف، لا تستطيع إيران تحمل التجريب أو المخاطرة بتعيين شخصية غير مألوفة أو غير خبيرة.
كان مجتبى خامنئي قريبًا جدًا من والده، المرشد الراحل علي خامنئي، مما يعني أنه أكثر دراية بالتفكير والرؤية الاستراتيجية لوالده فيما يتعلق بالمرحلة الحالية والمستقبل. وهذا يطمئن كلاً من المؤسسة الدينية، والنخب السياسية، والمجتمع الإيراني ككل. وبناءً على خلفيته الشخصية ونشاطاته، يبدو أنه كان قد أُعد منذ فترة طويلة لمثل هذا الدور، لا سيما بعد وفاة الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي، الذي كان يُعتبر سابقًا مرشحًا محتملاً للمنصب.
إن تولي مجتبى خامنئي المنصب، والإجماع بين أعضاء مجلس الخبراء الـ 88 على دعمه، يمثل صدمة قوية للولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة بعد اعتراض الرئيس ترمب علنًا على ترشيحه. هذا القرار جزء من استراتيجية أوسع للمواجهة، ويهدف إلى قطع الطريق أمام أي محاولات لإثارة تغيير سياسي داخلي. كما يرسل رسالة واضحة للمعارضة الإيرانية بأن آفاق تأثيرها في المستقبل السياسي للبلاد محدودة للغاية، حيث يُعرف مجتبى بموقفه الحازم وغير المتهاون في هذا الشأن. كما يطمئن التعيين “محور المقاومة” بأن قيم الثورة ستستمر على النهج الأيديولوجي نفسه.
رغم الضربات الإسرائيلية والأمريكية، لا تزال طهران متماسكة وتواصل الرد عسكريًا. كيف تحلل ذلك؟ وهل تعتقد أن واشنطن وتل أبيب قد تُهزمان في هذه المواجهة؟
محمود الهاشمي: المواجهة بدأت فعليًا مع الثورة عام 1979. وأحد الركائز الأساسية للثورة هو العداء للولايات المتحدة وهدف القضاء على إسرائيل. وقد ردت إيران على العقوبات بالسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والأسواق الإيرانية اليوم مليئة بالمنتجات المحلية المنافسة. كما أن تجربة الحرب مع العراق، التي استمرت ثماني سنوات، حفزتها على تطوير قواتها المسلحة.
تمتلك إيران قدرة قوية على امتصاص الصدمات والتعافي السريع بفضل استقرار مؤسساتها على مدار 47 عامًا. ويُذكر أن إيران تجهز خيارات بديلة متعددة للمناصب الحكومية الرئيسية في حال وفاة أي مسؤول كبير. وبعد الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، كثفت طهران جهودها لملاحقة المتعاونين مع الموساد، وبدأت في تحويل البلاد إلى مركز رئيسي لتطوير الذكاء الاصطناعي وترقية قدراتها العسكرية.
في الرد على الهجمات الأخيرة، اعتمدت إيران على عدة مبادئ: اعتبار واشنطن خائنة لعملية التفاوض، وتقديم نفسها دوليًا كضحية للعدوان، مما ساعد في توحيد الشعب الإيراني خلف الحكومة. ركز الرد العسكري الإيراني على تحييد القواعد الأمريكية في المنطقة واستهداف أنظمة الرادار والدفاع الصاروخي. كما تضمنت الاستراتيجية ملاحقة الأفراد العسكريين الأمريكيين في المنطقة لوضعهم تحت ضغط مستمر. واستخدمت إيران أسلحة تقليدية لاستنزاف أنظمة الدفاع قبل إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة متطورة ألحقت خسائر فادحة بإسرائيل، وفق التقييم الإيراني.
وتتبع إيران نهج “الصبر الاستراتيجي” والتحمل، وهو أسلوب متجذر في عقيدتها العسكرية التاريخية.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير