
تدفع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط نقاط الاختناق البحري الحرجة — وخاصة مضيق هرمز ومضيق باب المندب — نحو أزمة محتملة قد تؤدي إلى واحدة من أشد صدمات الطاقة العالمية منذ السبعينيات. وتؤكد التصريحات الأخيرة المنسوبة لزعيم بارز في حركة الحوثيين في اليمن خطورة الموقف.
وصرح المسؤول لـ “رويترز” قائلاً: “نحن في جاهزية عسكرية كاملة مع توفر جميع الخيارات. توقيت أي عمل متروك للقيادة. نحن نراقب التطورات عن كثب ونعرف متى يتطلب الأمر اتخاذ إجراء”.
يظل مضيق هرمز الممر الطاقي الأكثر أهمية في العالم؛ حيث يمر عبره يومياً ما يقرب من 20 إلى 21 مليون برميل من النفط، ما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للبترول. بالإضافة إلى ذلك، يمر نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية عبر هذا الممر.
أما مضيق باب المندب، فيعد رابطاً حيوياً بين البحر الأحمر وخليج عدن، مما يؤثر بشكل مباشر على الوصول إلى قناة السويس وطرق التجارة التي تربط آسيا بأوروبا. وتمر عبر هذا الممر الضيق ما يقرب من 10% إلى 15% من التجارة العالمية. ويشكل هذان الممران معاً ما يصفه المحللون بـ “سلسلة الاختناق البحري” الممتدة من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.
يتضمن السيناريو الأكثر خطورة إغلاق أو تعطل كبير في مضيق هرمز، وتصعيد الحوثيين الذي يستهدف باب المندب، والمواجهة العسكرية المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. مثل هذا التلاقي قد يؤدي فعلياً إلى إزالة ما يصل إلى ربع تجارة الطاقة العالمية، مما يخلق عواقب فورية وبعيدة المدى.
أوقفت شركات الشحن العالمية الكبرى، بما في ذلك “ميرسك” و”سي إم إيه سي جي إم” و”هاباج لويد”، عبورها عبر المناطق عالية المخاطر، واختارت بدلاً من ذلك الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح. يؤدي هذا التحويل إلى إضافة 10 إلى 15 يوماً للرحلة، وتكاليف إضافية تتراوح بين 500,000 إلى مليون دولار لكل سفينة. ومع تأثر مئات السفن، قد تصل التكاليف اليومية الإضافية إلى 200–400 مليون دولار.
تمتد الأزمة إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة، حيث تُقدر الخسائر المالية اليومية كما يلي:
يصل إجمالي الأثر المقدر إلى ما بين 700 مليون دولار و1.5 مليار دولار يومياً، مع تأثير شهري يتراوح بين 20 و45 مليار دولار من الخسائر العالمية. ولا تشمل هذه الأرقام الآثار الثانوية مثل ارتفاع التضخم، والتباطؤ الصناعي، وتقلبات الأسواق المالية.
تمتلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فقط بنية تحتية لخطوط الأنابيب قادرة على تجاوز مضيق هرمز جزئياً. تبلغ سعة خط الأنابيب السعودي (شرق–غرب) 5 ملايين برميل يومياً، بينما تبلغ سعة خط أنابيب الإمارات إلى الفجيرة 1.5 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، يتوفر واقعياً حوالي 2.6 مليون برميل يومياً فقط من القدرة الفائضة، وهي غير كافية لتعويض التعطل الكامل للمضيق.
بينما يظل الإغلاق الكامل والمطول لمضيق باب المندب مستبعداً بسبب الوجود البحري الدولي، أظهر الحوثيون القدرة على تعطيل حركة الملاحة البحرية بشكل كبير. تشمل قدراتهم الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة المسلحة، والقوارب المفخخة. يمكن لهذه التكتيكات رفع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف التأمين، وإجبار السفن على تغيير مسارها — مما يؤدي فعلياً إلى تعطيل التجارة العالمية دون الحاجة إلى إغلاق الممر المائي بالكامل.
تخلق وضعية إيران الاستراتيجية في الخليج، إلى جانب نفوذها غير المباشر عبر قوات الحوثيين في اليمن، آلية ضغط مزدوجة عبر جبهتين بحريتين حرجتين. يرى المحللون أن هذا الهيكل يسمح لطهران بتوسيع الصراع إلى ما وراء الخليج، والضغط على طرق التجارة العالمية، والحفاظ على إنكار معقول.
إذا تعطل المضيقان في وقت واحد، فقد يشهد الاقتصاد العالمي تضخماً حاداً، وركوداً تضخمياً، وارتفاعاً في أسعار الوقود والغذاء. ستواجه أوروبا نقصاً في الإمدادات من آسيا، بينما ستعاني الاقتصادات الآسيوية من تعطل الصادرات. كما ستتضرر مصر من انخفاض حركة المرور عبر قناة السويس، بخسائر يومية تُقدر بنحو 10 إلى 15 مليون دولار.
ستيفن صهيوني: دخلت حركة “أنصار الله” الصراع رسمياً، مما أثار مخاوف بشأن احتمال إغلاق مضيق باب المندب. برأيك، هل يملكون القدرة على إغلاقه؟ وكيف سيكون الرد الأمريكي إذا نجحوا؟
طارق عجيب: القدرة على إغلاق المضيق قائمة طالما توفرت الأسلحة القادرة على الوصول إلى السفن والناقلات المارة. تفتقر هذه السفن، وخاصة التجارية منها، لأنظمة دفاعية خاصة، مما يجعلها أهدافاً سهلة نسبياً. نتيجة لذلك، قد يكون هجوم واحد كافياً لوقف الملاحة، حيث ستخشى الشركات على سلامة أطقمها وحمولاتها، مما يؤدي إلى تعليق العمليات وانسحاب شركات التأمين بسبب المخاطر المعلنة.
هذه ليست حالة قرصنة بسيطة كما كان يحدث قبالة سواحل الصومال. “أنصار الله” يمتلكون صواريخ وأسلحة قادرة على استهداف السفن وتعطيل الملاحة. معالجة هذا الأمر تتطلب تحالفات وأنواعاً مختلفة من الاستجابات قد لا تكون متاحة حالياً. لذلك، فإن احتمال الإغلاق أو التعطيل حقيقي؛ فالأمر لا يتطلب سوى حادثة واحدة لخلق حالة من الذعر الشامل.
أما بالنسبة للرد الأمريكي، فقد رأينا استجابات سابقة أدت في النهاية إلى تفاهمات مع “أنصار الله”. الوضع اليوم مختلف نوعاً ما، ولكن قد يكون من الصعب على الولايات المتحدة فرض أمن كامل في المضيق عبر الوسائل العسكرية البحتة. إن إدخال باب المندب في الصراع سيكون أداة ضغط مكلفة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والاقتصاد العالمي. سيعتمد اتجاه الأحداث في باب المندب على الأرجح على التطورات في مضيق هرمز.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير