
أعلن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مؤخرًا اختبار صاروخي جديد، في رد فعل مباشر على ما يُعد عدوانًا أمريكيًّا، في إشارة إلى العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، التي وصفتها بيونغ يانغ بأنها انتهاك خطير للسيادة. والفكرة الجوهرية لهذا الاختبار تكمن في تعزيز قدرات الدفاع الكورية الشمالية، مما يجعل أي محاولة للغزو غير مجدية، ويؤكد الردع النووي بوصفه أداة رئيسة للحفاظ على الاستقرار. لكن هذه الخطوة تمثل تحولًا إستراتيجيًّا يدفع نحو سباق تسلح إقليمي، ويعزز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، ويزيد عدم الاستقرار بسبب سرعة الصواريخ التي تقلل وقت الرد؛ ما يعني أن اختبارات كوريا الشمالية لصواريخها الفائقة السرعة تعيد تشكيل خريطة الأمن الإقليمي.
أجرت كوريا الشمالية اختبارات لصواريخ بالستية فائقة السرعة، مثل صاروخ “هواسونغ-11″، الذي أصاب أهدافًا على مسافة تصل إلى 1000 كيلومتر فوق البحر الشرقي. أكد كيم جونغ أون أن هذه الاختبارات ضرورية في ظل “الأزمة الجيوسياسية الحالية والظروف الدولية المختلفة”، مشيرًا إلى الضربات الأمريكية على فنزويلا كدليل على “الطبيعة الوحشية والمارقة” للولايات المتحدة. هذا التصعيد يعكس رؤية بيونغ يانغ للعالم، حيث ترى الأخيرة في الإجراءات الأمريكية محاولات لتغيير الأنظمة، مما يدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لتجنب مصير مشابه، ما يعني أن هذه الاختبارات رسالة ردع، تثبت أن كوريا الشمالية قادرة على اختراق دروع الدفاع الصاروخي الأمريكية- الكورية الجنوبية، وتؤكد الاستعداد للإطلاق في أي وقت.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت وسائل الإعلام الكورية الشمالية جهودًا لبناء غواصات نووية، مع إشارة كيم إلى اكتمال القدرة النووية في المؤتمر التاسع للحزب الحاكم، مما يعزز من مكانة كوريا الشمالية كقوة نووية معترف بها ذاتيًّا. وتثير هذه الاختبارات مخاوف بشأن سباق التسلح الإقليمي، حيث أدت الاختبارات إلى تصعيد في شرق آسيا، وغيرت كوريا الجنوبية إستراتيجيتها من الردع بالاحتواء إلى الردع بالعقاب، من خلال تطوير صاروخ “هيونمو-5” المدمر للملاجئ تحت الأرض، والصواريخ البالستية المطلقة من الغواصات، وتسريع عقيدة “سلسلة القتل” لتحييد الإطلاقات الكورية الشمالية مسبقًا. أما اليابان فقد أيدت ضرب قواعد العدو مسبقًا، وحصلت على صواريخ توماهوك الأمريكية، وطورت صواريخ كروز محلية (ترقية النوع 12)، وخططت لنشر مقاتلات “إف-35” لمهام عميقة الضرب في أرض العدو. وفي الوقت نفسه، تبني الولايات المتحدة شبكات تتبع متعددة الطبقات، منها أجهزة استشعار فضائية (مثل HBTSS)، ورادارات أرضية متقدمة مثل (AN/TPY-2) المرتبطة بنظام “ثاد”، ورادارات متقدمة في اليابان، بالإضافة إلى أنظمة رادار مختلفة المسافات لتعامل مع الصواريخ الكورية الشمالية المختلفة.
وهذا التصعيد يعزز التعاون العسكري الثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، مما يجعل أمن شرق آسيا أكثر توجهًا نحو الكتل، ويقلل فرص الحوار الدبلوماسي. ويعكس هذا السباق السياسة الكورية الشمالية في استخدام التكنولوجيا الفائقة لفرض التوازن، حيث تجبر الخصوم على الاستثمار في تقنيات مضادة، مما يزيد الإنفاق العسكري، ويعمق الانقسامات. وتزيد الصواريخ الفرط صوتية من عدم الاستقرار السياسي في المنطقة بسبب سرعتها العالية، التي تصل إلى خمسة أضعاف سرعة الصوت، مما يقلل وقت الرد للدول المستهدفة. وهذا الضغط الزمني قد يؤدي إلى تفسير الإطلاقات كبداية لهجوم نووي، مما يدفع إلى قرارات متسرعة وتصعيد التوترات إلى صراعات. وعلى عكس الصواريخ التقليدية، التي تمنح وقتًا أطول للتقييم، تُدخل الصواريخ الفرط صوتية عنصر عدم اليقين، مما يرفع أخطار الهجمات الاندفاعية والحوادث التي قد تؤدي إلى سيناريوهات حروب شاملة ذات تدميرية واسعة النطاق.
في سياق شرق آسيا، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى، مثل الصين والولايات المتحدة، يصبح “عدم الاستقرار” عاملًا سياسيًّا، ولكنه يعوق الجهود الدبلوماسية، مثل المفاوضات النووية، أو اتفاقيات الحد من التسلح. وهذه التطورات العسكرية الكورية الشمالية المُتسارعة تمثل عصرًا جديدًا في الحرب والأمن، حيث تكشف الاختبارات الصاروخية عن نقاط الضعف في الدفاعات، وتدفع إلى منافسات تكنولوجية، مما يعزز من ديمومة أزمة الأمن في شبه الجزيرة الكورية. وفي سياق آخر، ومن منظور كوري شمالي، تسعى دائمًا بيونغ يانغ إلى فرض مكانتها بوصفها قوة متساوية إستراتيجيًّا، مستفيدة من التوترات الجيوسياسية لتعزيز ردعها. ومن منظور سياسي أوسع، تكشف هذه الاختبارات عن التوترات الأمريكية- الكورية الشمالية المستمرة، حيث تتهم كوريا الشمالية الولايات المتحدة بالوحشية، في حين ترى واشنطن في الاختبارات تهديدًا للحلفاء.
في ضوء هذه المتغيرات يصبح الأمن في شرق آسيا أكثر تركيزًا على النزعة العسكرية، ويقلل دور المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، في حل النزاعات. كما يفتح الباب لتداعيات أوسع، مثل انتشار التكنولوجيا الصاروخية المتقدمة والفرط صوتية إلى دول أخرى، مما يعقد الجهود الدولية للسيطرة على التسلح. في هذا السياق، يصبح الردع النووي لكوريا الشمالية أداة سياسية للحفاظ على السيادة، لكنه يزيد أخطار التصعيد غير المتعمد. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر هذه التطورات في الاقتصاد السياسي في المنطقة، مع تركيز الدول على الإنفاق العسكري بدلًا من التنمية الاقتصادية، لا سيما أن كوريا الجنوبية واليابان تواجهان تحديات سياسية داخلية. فيما يتعلق بكوريا الشمالية، فإن التركيز على التكنولوجيا العسكرية يأتي على حساب الاقتصاد المدني، لكنه يعزز التلاحم الداخلي تحت شعار الدفاع عن الوطن. هذا التوازن الدقيق يجعل السياسة الخارجية الكورية الشمالية أكثر تركيزًا على الردع، مما يعوق أي تقدم في المفاوضات مع الغرب.
وعلى الرغم من العداء الكوري الشمالي- الأمريكي، ولكن سياسات العسكرة الكورية الشمالية تعزز الاعتماد على الولايات المتحدة فيما يخص بلدان شرق آسيا، ويقلل الاستقلالية الإستراتيجية، ويعمق التبعية في المنطقة. وتعقد بيونغ يانغ حسابات السياسة في المنطقة حتى على حليفتها الصين التي توفر دعمًا اقتصاديًّا وسياسيًّا يساعد كوريا الشمالية على الصمود أمام العقوبات الدولية، حيث ترى بكين في اختبارات الصواريخ الفرط صوتية التي أجرتها كوريا الشمالية في يناير (كانون الثاني) 2026، مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي، مما يضعها في موقف دقيق بين الحفاظ على نفوذها التقليدي، وتجنب تصعيد التوترات مع الولايات المتحدة وحلفائها.
وتاريخيًّا، اعتبرت بكين أن كوريا الشمالية حليف أيديولوجي وحاجز إستراتيجي ضد النفوذ الأمريكي في شبه الجزيرة الكورية. لكن في السنوات الأخيرة، شهدت هذه العلاقات تقلبات، حيث أدت اختبارات كوريا الشمالية النووية والصاروخية إلى توتر مع بكين. على سبيل المثال، في 2025، كانت العلاقات متوترة بسبب تقارب كوريا الشمالية مع روسيا، مما تحدى النفوذ الصيني التقليدي. ومع ذلك، شهد عام 2026 تحسنًا ملحوظًا، مع زيارة الزعيم كيم جونغ أون للصين في سبتمبر (أيلول) 2025، ومشاركة رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في احتفالات حزب العمال الكوري الشمالي. هذا التحسن أدى إلى زيادة التجارة الثنائية، حيث سمحت بكين لمقاطعاتها الشمالية الشرقية بالتجارة مع كوريا الشمالية، دون إذن مركزي؛ مما يعزز الدعم الاقتصادي لبيونغ يانغ.
وفي مواجهة اختبارات الصواريخ الفرط صوتية، تبنت الصين موقفًا حذرًا يركز على الدعوة إلى الحوار السياسي بدلًا من الضغط العلني، لا سيما أن الاختبارات تزامنت مع زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى بكين، وردت وزارة الخارجية الصينية بدعوة جميع الأطراف إلى الحفاظ على السلام والاستقرار في شبه الجزيرة، مؤكدة أن الصين ستؤدي “دورًا بناءً بطريقتها الخاصة”. وقد طلبت كوريا الجنوبية من الصين التوسط في كبح البرنامج النووي الكوري الشمالي خلال لقاء الرئيسين، حيث أعرب “لي” عن أمله في أن تؤدي الصين دورًا وسيطًا. ومع ذلك، حافظت الصين على حذرها، مشددة على أن سياستها تجاه شبه الجزيرة “مستمرة”، دون التزامات محددة بفرض عقوبات إضافية أو ضغوط مباشرة، لا سيما أن إستراتيجية بكين قائمة على تجنب إثارة كوريا الشمالية؛ لإدراكها أن الضغط العلني قد يؤدي إلى نتائج عكسية. واستراتيجيًّا، يعكس دور الصين في هذه التوترات مصالحها الأوسع في مواجهة الولايات المتحدة، حيث ترى بكين في كوريا الشمالية أداة لإلهاء واشنطن وحلفائها؛ مما يقلل الضغط على قضايا أخرى، مثل تايوان، أو بحر الصين الجنوبي.
أخيرًا، تؤكد اختبارات يناير (كانون الثاني) 2026 أن كوريا الشمالية نجحت في فرض واقع إستراتيجي جديد، حيث أصبح الردع النووي والصاروخي الفرط صوتي أداة أساسية للحفاظ على سيادتها وردع أي محاولات لتغيير النظام. ودفعت كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة إلى ترتيب أولوياتها الدفاعية، من خلال تعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، وتطوير قدرات الضربات الاستباقية، وتعميق التعاون الثلاثي. وفي الوقت نفسه، كشفت هذه التطورات عن تعقيد دور الصين بوصفها حليفًا إستراتيجيًّا رئيسًا لبيونغ يانغ، حيث أصبحت الأخيرة تتمتع بمساحة مناورة إستراتيجية وتنويع في علاقاتها مع القوى الكبرى المحيطة بها، لا سيما تعاونها مع روسيا؛ ما يجعل الوضع السياسي في شبه الجزيرة الكورية يحتاج إلى استجابة سياسية جديدة مدروسة تعتمد على الحوار المتعدد الأطراف، الذي يعترف بمخاوف الأمن لكوريا الشمالية، ولكن هذه مسألة باتت تعتمد على إرادة سياسية مشتركة من واشنطن وسيول وطوكيو وبيونغ يانغ وبكين، وتعدد الأطراف هذا سيجعل شرق آسيا عرضة لدورة تصعيد مستمرة، حيث تتحول التكنولوجيا الفائقة إلى عامل رئيس في إعادة رسم توازن القوى، ومهدد للاستقرار الإقليمي على المدى المنظور.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير