تقدير موقف

روسيا والحرب الأمريكية على إيران.. هل تتحول الأزمة إلى ساحة تحدٍ لواشنطن؟


  • 10 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: cnn

لا تمثل الحرب الأمريكية على إيران مجرد مواجهة إقليمية محدودة في الشرق الأوسط، لكنها تعكس في جوهرها أحد أهم مظاهر التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى على شكل النظام الدولي القادم. فالتصعيد العسكري الذي اندلع في 28 فبراير (شباط) 2026 أعاد طرح التساؤلات حول كيفية توظيف الأزمات الإقليمية في سياق الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وخصومها الدوليين، وفي مقدمتهم روسيا.

موسكو لا تنظر إلى الأزمة الإيرانية باعتبارها نزاعًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران فقط، بل بوصفها ساحة يمكن أن تكشف حدود القدرة الأمريكية على إدارة التوازنات الإقليمية وفرض ترتيبات أمنية مستقرة في الشرق الأوسط. فمع استمرار الضغوط الأمريكية على إيران منذ الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، وكذلك سعي طهران إلى تعميق علاقاتها مع القوى المنافسة لواشنطن، أصبحت الأزمة جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الدولية المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. ومن هنا يبرز السؤال الرئيسي: إلى أي مدى يمكن أن تتحول الحرب الأمريكية على إيران إلى ساحة تحدٍ غير مباشر للولايات المتحدة ضمن المنافسة الجيوسياسية الأوسع مع روسيا؟

التموضع الروسي بين المنافسة الاستراتيجية وتجنب المواجهة المباشرة

اتسم الموقف الروسي تجاه الضربات الأمريكية على إيران بازدواجية واضحة بين الخطاب السياسي ومستوى الانخراط الفعلي. فقد أدانت موسكو العمليات العسكرية واعتبرتها تهديدًا للاستقرار الإقليمي، إلا أن هذه الإدانة لم تترافق مع خطوات عسكرية أو استراتيجية تشير إلى استعداد روسيا للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن إيران. كما يعكس هذا التموضع إدراكًا روسيًا لطبيعة التوازنات الدولية الراهنة، حيث تسعى موسكو إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع واشنطن قد يؤدي إلى تصعيد غير قابل للاحتواء. ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن قراءة هذا السلوك في إطار مقاربة روسية تعتمد على إدارة التنافس مع الولايات المتحدة عبر أدوات غير مباشرة، مثل توظيف الأزمات الإقليمية لإبراز حدود الهيمنة الأمريكية وتعزيز خطاب التعددية القطبية، من دون تحمل كلفة المواجهة العسكرية المباشرة.

أولويات روسيا الاستراتيجية وحدود الانخراط في الأزمة

تتحدد درجة الانخراط الروسي في الأزمة الإيرانية وفق مجموعة من الأولويات الاستراتيجية التي تفرض قيودًا واضحة على خيارات موسكو. ففي مقدمة هذه الأولويات تأتي الحرب في أوكرانيا، التي ما تزال تمثل الجبهة الرئيسية للصراع بين روسيا والغرب. ولذلك فإن فتح جبهة صراع إضافية في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تشتيت مواردها العسكرية والسياسية في وقت تسعى فيه موسكو إلى تركيز جهودها في الساحة الأوروبية. كما تدرك القيادة الروسية أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط قد يوفر لها مكاسب غير مباشرة، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة العالمية أو من خلال استنزاف الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي في أكثر من جبهة. ولذلك تبدو موسكو معنية بالحفاظ على مستوى من التوتر يسمح لها بالاستفادة من تداعيات الأزمة، دون أن يتحول الصراع إلى مواجهة شاملة قد تفرض عليها التزامات عسكرية لا ترغب في تحملها.

طبيعة الشراكة الروسية الإيرانية وحدودها الاستراتيجية

شهدت العلاقات بين موسكو وطهران تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل الضغوط الغربية المتزايدة على كلا الطرفين. وتعزز التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا العسكرية والتنسيق السياسي في عدد من الملفات الإقليمية، بما في ذلك الأزمة السورية. ولكن لا يعني هذا التقارب بالضرورة وجود تحالف دفاعي متكامل بين البلدين. فالعلاقة بين روسيا وإيران تظل محكومة بدرجة عالية من البراغماتية؛ إذ يتقاطع الطرفان في مواجهة النفوذ الأمريكي، ولكنهما يحتفظان أيضًا بمصالح مستقلة قد تتعارض في بعض الأوقات. ولذلك فإن موسكو تتعامل مع إيران بوصفها شريكًا مهمًا في موازنة النفوذ الغربي، لكنها تحرص على عدم ربط سياساتها الإقليمية بشكل كامل بأجندة طهران. ويظهر هذا التوازن بوضوح في الموقف الروسي من الحرب الأخيرة، حيث فضلت موسكو الاكتفاء بالدعم السياسي والدبلوماسي دون تقديم مظلة ردع عسكرية مباشرة لإيران، مما يعكس بوضوح أن العلاقة الروسية الإيرانية شراكة استراتيجية وليست تحالفًا دفاعيًا ملزمًا.

الأزمة الإيرانية كأداة في المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى

كشفت الحرب الأمريكية على إيران عن نمط متزايد في السياسة الدولية المعاصرة، حيث تتحول الأزمات الإقليمية إلى ساحات غير مباشرة للتنافس بين القوى الكبرى. فبالنسبة للولايات المتحدة، تمثل المواجهة مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على موقعها المهيمن في الشرق الأوسط. أما بالنسبة لروسيا، فإن الأزمة توفر فرصة لتعزيز خطابها حول تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية. غير أن موسكو لا تسعى بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا في المنطقة، لكنها تحاول تقويض قدرتها على فرض ترتيبات إقليمية مستقرة. فكلما ازدادت تعقيدات الصراع وطال أمده، تراجعت قدرة واشنطن على التحكم الكامل في مسارات الأزمة، وهو ما يفتح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي في المنطقة.

دور الصين وتأثيره على الحسابات الروسية في الأزمة

لا يمكن تحليل التموضع الروسي تجاه الحرب الأمريكية على إيران بمعزل عن دور الصين المتنامي في الشرق الأوسط. ففي الآونة الأخيرة أصبحت بكين أحد أهم الفاعلين الاقتصاديين في المنطقة، كما تحولت إلى الشريك التجاري الأكبر لعدد من دول الخليج وحتى إيران ذاتها. ويرافق هذا التوسع الاقتصادي سياسة خارجية صينية تقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراعات الإقليمية، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار الذي يضمن استمرار تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

يؤثر الموقف الصيني بشكل غير مباشر في الحسابات الروسية. فموسكو تدرك أن أي تصعيد عسكري واسع في الخليج قد يهدد المصالح الاقتصادية الصينية، وهو ما قد يدفع بكين إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه الأزمة. ولذلك فإن التنسيق الروسي–الصيني في النظام الدولي لا يعني بالضرورة تطابقًا كاملًا في المصالح الإقليمية، بل يقوم على توزيع غير رسمي للأدوار؛ حيث تميل روسيا إلى لعب دور سياسي وأمني أكثر وضوحًا في بعض الأزمات، بينما تركز الصين على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتجنب الانخراط العسكري.

ويمثل التعاون بين روسيا والصين في المؤسسات الدولية، مثل مجلس الأمن ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، إطارًا مهمًا لتعزيز خطاب التعددية القطبية في مواجهة النفوذ الأمريكي. وفي حالة الأزمة الإيرانية، قد لا يظهر هذا التعاون في شكل دعم عسكري مباشر لطهران، لكنه يكمن في التنسيق السياسي والدبلوماسي الهادف إلى الحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض ترتيبات أحادية في المنطقة.

وكذلك بكين، مثلها مثل موسكو، لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن إيران. فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تنظر إلى الاستقرار في الخليج باعتباره مصلحة استراتيجية حيوية. ولذلك فإن سياستها تميل إلى دعم التهدئة والحلول الدبلوماسية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المنطقة.

وهذا يعني أن التموضع الروسي في الأزمة لا يتحدد فقط بحساباته الخاصة، بل يتأثر أيضًا بالبيئة الاستراتيجية الأوسع التي تتشكل من خلال العلاقة المعقدة بين موسكو وبكين. فكلتا القوتين تسعيان إلى تقويض الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، لكنهما تفضلان القيام بذلك عبر أدوات سياسية واقتصادية طويلة المدى، وليس عبر مواجهة عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط.

وأخيرًا، هل تتحول الأزمة إلى ساحة تحدٍ لواشنطن؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن روسيا لا تبدو مستعدة لتحويل الحرب الأمريكية على إيران إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها تفضل توظيف الأزمة ضمن إطار المنافسة الجيوسياسية الأوسع. فموسكو تسعى إلى استثمار تداعيات الصراع لإبراز حدود الهيمنة الأمريكية وتعزيز خطاب التعددية القطبية دون تحمل كلفة المواجهة العسكرية المباشرة. كما أن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يدفع الشرق الأوسط تدريجيًا إلى التحول إلى ساحة تنافس دولي أكثر وضوحًا بين القوى الكبرى، مما يجعل الأزمة مؤشرًا واضحًا على التحولات الأوسع في بنية النظام الدولي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع