
نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، نقلا عن “صنداي تايمز”، تقريرا يقول إن روسيا بدأت تضييق المجالين المدني والاقتصادي أمام الشباب في سن التجنيد. ويقول التقرير أيضا إن وثيقة مسربة، حصلت عليها “صنداي تايمز”، تشير إلى مطالبة هذه الفئة من الشباب بإثبات موقفهم العسكري قبل تمكينهم من الحصول على قرض عقاري أو إجراء معاملات عقارية أو تسجيل نشاط تجاري.
تقرير الصحيفة البريطانية ربط هذه الإجراءات بمخاوف من تشديد التجنيد داخل روسيا، بل ذهب أبعد من ذلك بافتراض أن تكون هذه الإجراءات بمثابة تمهيد لتعبئة جديدة مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتلاشي فرص تسويتها مجددا.
هذه القصة تبدو جذابة، خصوصا لمحبي الولولة والتخويف والتهويل، لكن عنوانها يذهب أبعد مما تثبته الوثائق الروسية الرسمية والقانون ذي الصلة.
فالقانون الروسي يسمح، نعم، بفرض قيود واسعة على من يتلقى استدعاء عسكريا ثم لا يمثل أمام مكتب التجنيد من دون تقديم عذر مقبول. وبعد مرور عشرين يوما من الموعد المحدد له للحضور إلى مكتب التجنيد، يمكن منعه من تسجيل نفسه كرائد أعمال، مثلا، أو عاملا مستقلا، كما يحق للسلطات المعنية تعليق تسجيل حقوقه العقارية، فضلا عن تقييد قيادة السيارة وتسجيل المركبات في المرور، بالإضافة إلى إلزام البنوك برفض منحه قرضا أو تمويلا.
أما مسألة حظر السفر والمغادرة، فتبدأ بمجرد إدراج الاستدعاء في السجل الإلكتروني. وهذه ليست رواية بريطانية أو تسريبا مجهول المصدر، بل هذا هو نص المادة 7.1 من القانون الفيدرالي الروسي الخاص بالواجب العسكري والخدمة العسكرية.
وبالتالي، يظهر لدينا بموجب هذا الكلام خلل أو تضخيم في الرواية الغربية، البريطانية على وجه الخصوص. وهذه القيود في حد ذاتها ليست قانونا سريا استحدثه بوتين أو أصدره الكرملين هذا الأسبوع.
ومن غير الموضوعي ولا المنصف اعتبارها دليلا على قرب قرار بتعبئة عامة، وهو ما تروج له أوكرانيا ووسائل إعلام غربية خلال الأشهر الأخيرة بقوة. وعموما، الأساس القانوني لهذه القيود موجود وقائم وسار، ولم يلغِه أحد، وهو موجود منذ تعديلات أبريل (نيسان) 2023 التي أنشأت منظومة الاستدعاء الإلكترونية وربطتها بقيود مدنية ومالية على المتخلفين.
لكن، وحتى نسير بالموضوعية نفسها في عرض وتحليل الموضوع الذي نتناوله في هذا المقال، نقول إن الجديد المستجد في عام 2026 هو أن البنية التحتية الرقمية والإدارية اللازمة لتطبيق القانون أصبحت أكثر اكتمالا، وذلك بالتزامن مع انتقال روسيا إلى نظام تجنيد تعمل إجراءاته على مدار العام، وليس كما كان الوضع في السابق، حيث كانت عملية التجنيد تجرى مرتين في العام في حملتي الربيع والخريف.
وهذا الكلام، في رأيي، أهم من العنوان المثير عن بوتين الذي يمنع الشباب من شراء المنازل ليجبرهم على الذهاب إلى الحرب. فالقانون المنشور، والمتاح على الإنترنت لجميع الراغبين والمهتمين بالقراءة والاطلاع والمعرفة والفهم، أقول إن هذا القانون لا ينص على أن كل شاب روسي بين الثامنة عشرة والثلاثين أصبح ممنوعا من الرهن العقاري أو من بيع شقته. والقانون لا يجعل إبراز شهادة الخدمة العسكرية شرطا عاما لكل معاملة عقارية يحاول الشباب إجراءها.
القيود الأساسية ترتبط بمن صدر بحقه فعلا أمر استدعاء ولم يمتثل له. وإذا كانت الوثيقة التي تقول “صنداي تايمز” إنها حصلت عليها تثبت أن بعض المؤسسات بدأت تطلب وثائق التجنيد على نطاق واسع، فهذا بالطبع تطور يستحق التحقيق، لكن مع ذلك لا يجوز تحويله بلا دليل إضافي إلى قاعدة عامة تشمل ملايين الشباب الروس.
ومع ذلك أيضا نقول إن تصحيح المغالطة الغربية لا يجعل هذا التطور بحد ذاته تطورا بسيطا. وما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن المشكلة الحقيقية، حسبما أرى، هي أن روسيا بنت خلال سنوات الحرب الأربع والنصف الماضية منظومة رقمية تستطيع ربط الواجب العسكري بالحياة المدنية والاقتصادية للمواطن.
ففي النظام القديم، مثلا، كان التهرب من الخدمة يعتمد أحيانا على عدم استلام الاستدعاء، الذي كان عادة يصدر في شكل مستند ورقي، أو مثلا تغيير محل الإقامة، أو الاختفاء داخل دهاليز البيروقراطية التقليدية.
أما الآن، فأمر الاستدعاء يدخل إلى قاعدة بيانات رقمية مركزية، وبالتالي تنعكس آثار عدم الامتثال، أو لنكون أدق في التعبير، يمكن أن تنعكس على الحدود ومسألة عبورها عند المغادرة من المنافذ المختلفة، وكذلك على البنوك عند محاولة الحصول على القروض وغيرها من الخدمات، أو سجل العقارات والضرائب والمرور وغيرها من المصالح الحكومية.
وما معنى هذا الكلام يا عم سعد؟
وأجيبكم، معناه باختصار شديد أن الدولة لم تعد مضطرة إلى أن تبحث هي دائما عن المواطن، لأنها أصبحت تستطيع أن تجعل المواطن نفسه مضطرا إلى العودة إليها. فإذا احتاج إلى قرض أو أراد تسجيل عقار أو سيارة أو تأسيس نشاط اقتصادي، يصبح تسوية وضعه العسكري شرطا لاستعادة حياته الطبيعية.
وما نحن بصدده، يا أيها القارئ الكريم، هو آلية أقل صخبا وشوشرة وضجيجا من الناحية السياسية، بالطبع، من مسألة تبني أو إصدار قرار بالتعبئة، فضلا عن كونها أكثر استدامة من الناحية الإدارية. وهذه من حسنات، أو ربما بالنسبة إلى البعض من سيئات، التكنولوجيا الرقمية وتطوراتها وتدخلها وتشابكها مع كل مناحي حياة المواطن الغلبان.
وإذا أردنا وضع هذه القصة داخل التحول الأكبر الذي بدأ رسميا في روسيا في غرة يناير (كانون الثاني) من العام الجاري 2026، عندما انتقلت روسيا إلى نظام إجراءات التجنيد على مدار السنة بدلا من نظام الحملتين الذي سبق وأشرت إليه أعلاه، فلمزيد من التوضيح للراغبين أقول إن هذا النظام الجديد يجعل الفحوصات الطبية والاختبارات النفسية واجتماعات لجان التجنيد تجرى طوال العام. أما إرسال المستجدين إلى وحدات الخدمة، فيتم في فترتين رئيسيتين. وقد حدد المرسوم الرئاسي إجمالي المستهدف تجنيدهم خلال عام 2026 بنحو 261 ألف مجند.
وهذا الرقم نفسه يصحح لنا الرواية الغربية المغلوطة. ففي يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أعلنت هيئة الأركان العامة أن نحو 120 ألف شخص سيجري إرسالهم إلى الخدمة خلال الفترة بين شهري أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول). والتصحيح الذي أقصده هو أن هذا الرقم أقل من خريف 2025، حيث كان العدد 135 ألف مجند مستجد. وفي فترة الربيع كان العدد 141 ألفا، وبناء على ذلك لا توجد في أرقام التجنيد الموثقة التي تحت أيدينا قفزة تسمح لنا بالقول إن هناك تعبئة استثنائية بدأت بالفعل في روسيا.
وهناك نقطة ضرورية لا بد من الإشارة إليها، وهي أن هيئة الأركان العامة تؤكد أن المجندين المستجدين في الخدمة الإلزامية لا يجري إرسالهم للمشاركة في العمليات العسكرية داخل أوكرانيا أو في دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيا، على الرغم من أن روسيا تعتبر هذه المناطق جزءا من أراضيها وفقا لدستورها، بينما لا يحظى ضمها باعتراف دولي واسع.
الروس يؤكدون بشكل دائم أن القوات المسلحة تعتمد في القتال في هذه المناطق على المتعاقدين. بالطبع، التطبيق الفعلي لهذا الكلام يحتاج إلى مناقشة، وكذلك وضع الوحدات الموجودة في المناطق الحدودية المحاذية لأوكرانيا، وانتقال بعض المجندين لاحقا إلى توقيع عقود احترافية مع الجيش، لكن مع ذلك نقول إن الموقف الرسمي الروسي الذي يقوله بوتين وتؤكده هيئة الأركان هو هذا الذي ذكرته لكم، ولا يجوز ولا يصح إسقاطه لمجرد الشك من دون تقديم الأدلة ذات الصلة.
لكن قد يظهر لديك، أيها القارئ الكريم، السؤال التالي: ولماذا تحتاج موسكو إلى كل هذا التشديد الآن؟
وأخبرك، حسب فهمي الشخصي بالطبع للوضع الروسي الداخلي، لأن روسيا تحتاج اليوم إلى رجال يقاتلون يوميا في ساحات المعارك في أوكرانيا، ولكنها قبل ذلك، وأهم حتى من ذلك، تحتاج إلى قاعدة بشرية عسكرية كبيرة ومستدامة، ونحن نرى التهديدات مع الناتو تزداد وتتصاعد لهجتها يوما بعد آخر.
فالجيش الروسي توسع بشكل كبير، وبعد انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي، أعادت موسكو إنشاء منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين، كما ظهرت تشكيلات ووحدات جديدة، بل وأسلحة جديدة لم تكن موجودة سابقا بهذا الحجم والتنظيم، مثل سلاح المسيرات. ولا ننسى بالطبع أن الحرب مستمرة لأكثر من أربع سنوات ونصف، وتتزايد في الوقت نفسه متطلبات حماية الحدود والمنشآت والقواعد والعمق الروسي.
والخدمة الإلزامية في هذا السياق ليست ببساطة طريقا إلى الجبهة كما قد يتصور البعض، لكنها في حقيقة الأمر آلية لتغذية القوات والاحتياط وإنتاج مواطنين تلقوا تدريبا عسكريا، ويمكن لبعضهم فيما بعد الانتقال إلى الخدمة التعاقدية.
وبالتالي، يقدم لنا هذا الكلام صورة أوضح للنموذج الروسي الجديد، بمعنى أن بوتين، وأكرر أن هذا فهم شخصي قد تقبل به أو ترفضه، يحاول زيادة المورد البشري المتاح للقوات المسلحة من دون أن يكون مضطرا إلى إعادة إنتاج الصدمة السياسية والاجتماعية لقرار التعبئة الجزئية الذي اتخذه في سبتمبر (أيلول) 2022.
فالتعبئة، يا سادة، خاصة في ظل الحرب الإعلامية الشرسة الموجهة إلى المجتمع الروسي، هي حدث سياسي كبير، فهي تحتاج في البداية إلى قرار رئاسي، وبناء عليه يجري إصدار مئات الآلاف من الاستدعاءات التي تولد على الفور قلقا اجتماعيا يؤدي إلى حركة غير طبيعية على الحدود، فضلا عن إحداث صدمة فورية في سوق العمل. وهذا أقل ما يحتاج إليه الكرملين في الوقت الراهن.
أما النموذج الذي نتناوله معا في هذه السطور بغرض الفهم، فهو نموذج أكثر هدوءا، فالأمور تسير بسلاسة عن طريق سجل إلكتروني وعملية تجنيد تجرى إجراءاتها على مدار العام، وتترافق معها عروض لعقود عسكرية بأجور ومكافآت مرتفعة، وفي الوقت نفسه تجري عملية ربط هادئ بين عدم الامتثال والقدرة على ممارسة بعض الحقوق الاقتصادية.
ولهذا فإن كل الضوضاء التي تثيرها الصحافة الغربية، البريطانية بصفة خاصة، خلال الأشهر الأخيرة عن استعداد بوتين لتعبئة جديدة، هي كلها نفخ في الهواء. وكان الأجدى بها، أي الصحافة في رأيي، أن تتساءل: أي منظومة هذه التي يبنيها الكرملين وتجعل بوتين أقل احتياجا أصلا إلى التعبئة التقليدية؟
بالطبع، حتى لا يفهم أحد كلامي خطأ أو يفسره على أنني أقول إنني أستبعد تعبئة جديدة في روسيا، أقول إنه في حال ارتفعت الخسائر البشرية بصورة كبيرة أو اتسعت الحرب، كما نلاحظ من التصعيد مع الناتو وكما أشرت أعلاه، ووجد الجيش نفسه فجأة محتاجا إلى مئات الآلاف فوق ما تستطيع العقود والتجنيد الإلزامي توفيره، فقد تعود موسكو إلى هذا الخيار.
لكن ما أقوله وأتناوله هنا بالتحليل هو أن القيود الحالية لا تثبت لنا بحال أن قرار التعبئة قد اتخذ، وأرقام التجنيد المعلنة لا تسمح لنا بالاستنتاج بأن الكرملين يستعد لتنفيذه، أي قرار التعبئة، خلال أسابيع مثلا.
بالطبع، أنا لا أجد أن الرواية الروسية الرسمية التي تختزل كل ما يحدث في مجرد تحديث إداري مقنعة هي الأخرى. فما يحدث، في رأيي، هو تحول سياسي وحقوقي حقيقي. وإلا فماذا يعني أن يصبح التخلف عن استدعاء عسكري قادرا على تعطيل حصول المواطن على قرض أو تسجيل عقار جديد أو قيادة سيارته أو إنشاء نشاط اقتصادي جديد؟ فالدولة هنا لا تستخدم الشرطة والحدود فقط لضمان تنفيذ الواجب العسكري، لكنها تستخدم المورد الإداري والحياة الاقتصادية نفسها كأداة ضغط على المواطن.
وطبعا، إذا سألت، فسيجيبك الكرملين، ولديه سند قانوني في ذلك، بأن الدفاع عن البلاد واجب دستوري، وأن من يتعمد التهرب منه لا ينبغي أن يستفيد من ثغرات النظام القديم. بالطبع، هذا الكلام باستطاعتنا أن نواجهه بانتقاد مشروع، وهو: أين ينتهي ضمان تنفيذ الواجب العسكري وأين يبدأ الإفراط في تقييد حياة المواطن؟ بمعنى: هل منع السفر لمنع الهروب له علاقة مباشرة بالحضور أمام مكتب التجنيد؟ أما إذا تحدثنا عن مسألة القرض والعقار والسيارة والنشاط التجاري، فسنجدها تدخل في مساحة أوسع بكثير.
وأمامنا مشكلة أخرى لا تقل أهمية في هذا الصدد، وهي مشكلة الخطأ الإداري. فالخطأ الإداري وارد دائما، حتى عندما تصبح المنظومة رقمية ومترابطة. فإذا وقع خطأ واحد في قاعدة البيانات، على سبيل المثال، استدعاء لم يصل إلى الشخص المعني، أو إعفاء لم يجر تحديثه على النحو المطلوب في التوقيت المناسب، أو بيانات طبية قديمة، فقد ينتقل أثر هذا الخطأ غير المقصود مباشرة إلى البنك والمرور والعقار، ويلف المواطن الغلبان ويدور حول نفسه حتى يصلح الخطأ. صحيح أن القانون يسمح بالاعتراض ورفع القيود بعد إثبات الموقف، لكن وجود حق الاعتراض لا يلغي الضرر الذي قد يقع قبل تصحيح الخطأ.
وعند هذه النقطة أرى أن الصورة الأوسع، بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، تظهر بوضوح أكبر، بمعنى أنه لا يمكننا القول إن روسيا تتحول ببساطة إلى “معسكر عسكري”، كما تصفها بعض الكتابات الغربية غير الموضوعية وغير المنصفة، لكنها أصبحت بالتأكيد دولة أكثر عسكرة في بنيتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا أمر تحتم علينا الموضوعية الإقرار به. والعسكرة هنا ليست فقط زيادة ميزانية الدفاع أو إنتاج الصواريخ، لكنها واضحة أيضا في دخول الاعتبارات العسكرية إلى قواعد البيانات والتعليم وسوق العمل والصناعة وعلاقة المواطن اليومية بمؤسسات الدولة.
وقد نرى في هذا الكلام الذي ذكرته في الفقرة أعلاه رابطا واضحا بين هذه القصة التي نتناولها وما شاهدناه قبل أيام في مناورات “المركز-2026” في تشيباركول، والتي شهدها بوتين بفخر واعتزاز. فقد كان الجيش يحاول مأسسة خبرة الحرب عسكريا، وشاهدنا تدريبات على استخدام المسيرات والروبوتات والحرب الإلكترونية والمجموعات الصغيرة والأسلحة الجديدة. وفي الداخل تقوم الدولة بمأسسة الحرب بشريا وإداريا بواسطة رصد من يمكن تجنيده، وأين يعيش، وهل استلم الاستدعاء أم لا، وهل تستطيع الدولة ضمان حضوره من دون الحاجة إلى تكليف نفسها عبء إرسال شرطي للبحث عنه وإحضاره.
بالطبع، من الواضح بالنسبة إلي، على الأقل من واقع كل هذه التغيرات، أن موسكو تتصرف على أساس أن المواجهة طويلة، وأنها لم تعد ظرفا طارئا ينبغي إدارته بأدوات مؤقتة. ولذلك تحاول تحويل ما فرضته الحرب إلى مؤسسات تستطيع العمل سنوات. وهذه النقطة أخطر، من وجهة نظري، من انتظار إعلان التعبئة الكبرى. فالتعبئة، كما سبق وذكرت أعلاه، هي حدث استثنائي ومكلف سياسيا. أما ما تبنيه موسكو الآن فهو قدرة تعبئة كامنة داخل الدولة نفسها، فما لدينا حسب المعلومات المؤكدة هو 261 ألف مجند خلال العام الجاري، يضاف إليهم متعاقدون ومتطوعون واحتياط، وفي الوقت نفسه سجل إلكتروني يعرف الموقف العسكري للمواطن، ويمكن الدولة من فرض قيود تجعل التهرب أكثر صعوبة. والنتيجة أن الجيش يتوسع ويعيد تنظيم نفسه، والاقتصاد يتحول إلى اقتصاد دفاعي يحصل على موارد ضخمة.
ولهذا أختلف مع صياغة “صنداي تايمز” ومعها “الإندبندنت”، اللتين تصوران هذه الإجراءات باعتبارها دليلا شبه قاطع على تعبئة جديدة سوف يقوم بها بوتين من دون أدلة حقيقية. والقول إن الشباب الروس عموما أصبحوا ممنوعين من الرهن العقاري والتصرف في ممتلكاتهم غير دقيق من الناحية القانونية. فالقيود، كما أوضحنا، ترتبط بمنظومة الاستدعاء وعدم الامتثال، وليست عقوبة جماعية لكل الرجال في سن التجنيد.
وبعد إزالة هذه المبالغة، أعتقد أنني أظهرت لك، قارئي الكريم، حقيقة أعتقد أنها أكثر أهمية من القصة الأصلية نفسها، وهي أن بوتين لم يعلن حتى الآن تعبئة جديدة، لا جزئية ولا عامة، ولا توجد في المعطيات التي تناولناها هنا أدلة كافية تسمح بالجزم بأنه سيعلنها في المدى المنظور من الشهور القادمة. لكن الأهم في كل ذلك هو أننا اكتشفنا معا أن الكرملين يبني نظاما يجعل من روسيا دولة تستطيع تعبئة المجتمع عندما تحتاج إليه، من دون الحاجة إلى تعبئته دفعة واحدة كما فعلت في سبتمبر (أيلول) 2022.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير