الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلوماتمقالات المركز

بين السيادة الرقمية والتكلفة الاقتصادية..الكرملين يعيد صنع الفضاء الرقمي لروسيا

حظر “واتس آب” وتباطؤ “تليغرام”.. موسكو تفك الارتباط الرقمي مع الغرب


  • 16 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: the-geek.ru

أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس، 12 فبراير (شباط) 2026، دخول قرارها حجب تطبيق المراسلة العالمي “واتس آب” حيز التنفيذ، وأكدت في تبريرها لهذا القرار أن السبب يعود إلى امتناع الشركة المالكة لهذه الخدمة، وهي شركة “ميتا” الأمريكية، عن الامتثال للقوانين الروسية ذات الصلة.

وتأتي هذه الخطوة الروسية بإعلان تنفيذ حجب “واتس آب” وسط تصاعد واضح في التدابير التنظيمية التي تتخذها موسكو ضد المنصات الرقمية الغربية، وهو ما يمكن اعتباره -بلا شك- سعيًا من جانب الكرملين لإعادة هندسة الفضاء الرقمي وفق ما دأب بوتين على وصفه بضرورة تحقيق السيادة الرقمية لحماية الأمن القومي.

هيئة الرقابة على الاتصالات التي تسمى في روسيا “روسكوم نادزور” ربطت الحجب في بيانها الرسمي المفسر للقرار بعدم التزام شركة “ميتا” لمطالب السلطات الروسية، ومتطلبات القانون المحلي، فما هذه المتطلبات؟

بالبحث عنها، نجد أن أهم ما كانت تطالب به السلطات السياسية والرقمية -بإيحاء وإيعاز من السلطات الأمنية بالطبع- مجموعة من المطالب، أبرزها ثلاثة؛ أولًا: توطين بيانات المستخدمين داخل روسيا، بمعنى نقل السيرفرات التي تُحفَظ عليها بيانات المستخدمين الروس، وعددهم 100 مليون تقريبًا، إلى داخل روسيا.

ثانيًا: الامتثال لطلبات الجهات القضائية، بمعنى فتح فروع تمثيل قانونية داخل روسيا لمخاطبتها مباشرة عند الحاجة إلى ذلك، وفرض غرامات مالية عليها عند المخالفة إذا اقتضت الضرورة. وثالثًا: التعاون مع السلطات، أو بالأحرى الانصياع، عندما يطلب منها إزالة محتوى تراه الدولة غير قانوني، أو ضارًا بالأمن القومي، أو الأمن العام، والنظام العام.

يقول الكرملين -على لسان دميتري بيسكوف- إن هذه ليست عقوبة سياسية؛ وإنما تطبيق للقانون تحقيقًا للسيادة. ومع ذلك، يمكننا القول إن تواتر الإجراءات ضد الخدمات والمنصات الأجنبية المختلفة خلال السنوات الماضية، بداية من عام 2022، تأتي ردًا على الغرب، الذي كان هو البادئ بحجب القنوات التليفزيونية والوكالات والمنصات الروسية ومنعها؛ ما دفع روسيا إلى القيام بالمثل، لكن بالتدريج بالطبع، فلم يكن لدى البدائل المحلية ذات الشهرة والانتشار، والأهم القدرات التقنية التي تقدمها المنصات والخدمات الغربية خصوصًا.

وهذه الإجراءات وتواترها تشير -بلا شك- إلى أن هناك اتجاهًا أوسع من جانب موسكو الرسمية نحو إعادة صياغة قواعد العلاقة الرقمية مع الغرب، ليس فقط على المستوى القانوني؛ بل كذلك على مستوى التحكم في قنوات الاتصال على نحو يتماشى مع إستراتيجيات الأمن القومي الروسي، حسبما يراها بوتين والكرملين.

لكن القرار والتبرير الذي تقدمه السلطات الرسمية له، مع احترامنا الموضوعي لمبرراته في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، واستغلال هذه التطبيقات والأدوات بالفعل في أعمال تضر بقوة بالأمن القومي، وعمليات الاختراق، سواء لتوجيه مسيرات من الداخل تضرب منشآت حيوية، أو استخدامها في تتبع وتنظيم عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وعسكرية، له أيضًا آثار اقتصادية سلبية لا تزال تتطلب إعادة دراسة، أو تقديم بدائل مناسبة قبل الإقدام على خطوات الحجب أو الحظر، التي لا أسهل من تبنيها وإراحة الرأس.

فبينما تسوّق “روسكوم نادزور” -والكرملين من ورائها- القرار على أنه خطوة تنظيمية، فإن الواقع العملي للحجب يحمل آثارًا مباشرة على الشركات والمستخدمين في الوقت نفسه، وهذا ما تحريت عنه من خلال مراجعة ردود الفعل منذ لحظة إعلان القرار حتى لحظة كتابة هذه السطور منتصف نهار الجمعة، 13 فبراير (شباط) 2026،

التقارير المعتبرة التي اطلعت عليها في الصحافة الاقتصادية وصفحات التغطيات الرقمية، في “إنترفاكس”، و”كوميرسانت”، و”آر بي كا”، وغيرها، تقول إن الشركات التي كانت تعتمد على “واتس آب”، وعلى على تليغرام خصوصًا في إدارة العمليات اليومية للتواصل العملي، تشهد تباطؤاً في تدفق العمل والاتصالات. وتؤكد أن هذا الأمر ينعكس مباشرة على كل من الإنتاجية ومعدلاتها، وكذلك على إدارة المشروعات.

فعلى سبيل المثال، قرأت تعليقًا لأحد المديرين التنفيذيين في مجال الابتكار والحلول الرقمية ذكر فيه أن الزمن أصبح مقياسًا حاسمًا للتأثير الاقتصادي، وكان يقصد أن إرسال مستندات، أو تحديثات تطوير من خلال المنصات المشفرة، كان يتم فورًا عندما كان “تليغرام” يعمل طبيعيًّا، لكن هذه العملية باتت الآن تستغرق ساعات أو أيامًا بسبب القيود التقنية والرقابية.

وهنا يتضح أن الضرر ليس فقط في فقدان قناة اتصال، أو تطبيق تراسل؛ ولكن في تعطيل سير العمل الطبيعي في منظومة الأعمال الرقمية الحديثة التي تعتمد على السرعة والاتصال الفوري بين فرق العمل والعميل والشريك الخارجي… إلخ.

كما أن هذه القيود سيكون لها تأثير كبير في التواصل الدولي، وسوف تسبب -بلا شك- خسائر اقتصادية غير معلنة؛ لأنها سوف تنعكس سلبًا على التواصل الخارجي للشركات الروسية؛ فقطاعات -كالسياحة مثلًا- تعتمد اعتمادًا كبيرًا على أدوات الاتصال العالمية الحديثة لتنظيم الرحلات والتواصل مع العملاء في الخارج. وشركات البرمجيات والخدمات الرقمية تتعامل -حسبما فهمت مما كتبه الخبراء في المجال- مع حوكميات دولية تجد نفسها مضطرة إلى إعادة هيكلة قنوات اتصالها مع العملاء خارج روسيا.

أشار تقرير على أحد المواقع التي أشرت إليها أعلاه إلى أن تسجيل المستخدمين في المنصات البديلة، مثل ماكس “MAX”، الذي تسعى السلطات الروسية جاهدة إلى فرضه على المواطنين بديلًا عن “واتس آب” و”تليغرام” للتواصل، لا يزال مع ذلك مقتصرًا على شرائح اتصال من روسيا وبيلاروس وبعض بلدان رابطة الدول المستقلة؛ ما يجعله غير مُجدٍ، وغير متاح أصلًا في التفاعل مع شركاء أو عملاء من مناطق جغرافية خارج نطاق هذه المنطقة.

والمشكلة أنك إن نجحت في فرضه على الروس، فكيف ستفرضه على مواطني الدول الأخرى، ولا أتحدث عن الدول التي يصنفها الكرملين بغير الصديقة، بل أقصد مواطني الدول الصديقة! كان يجب أن تسوق له وتروج لميزاته أولًا، وتتفق مع شركات الاتصالات في الدول الصديقة على الأقل ليقبلوا بطرحه ضمن منتجاتهم، ثم بعد ذلك تلجأ إلى الإغراء أولًا بميزات، وبعد ذلك فقط تنتقل إلى الضغط الفني والتقني لدفع البقية إلى الانصياع. هذا إن كان الهدف فعلًا فك الارتباط الرقمي مع منصات الغرب؛ لأن هذا التحول بهذا الشكل -في رأيي- قد يكرس فجوة رقمية بين الاقتصاد الروسي وبقية العالم على مستوى التواصل اللحظي الذي بات جزءًا لا يتجزأ من حياة المواطن والموظف المعاصر، بل كذلك على مستوى الإدارة اليومية للمشروعات العابرة للحدود.

المنطق الرسمي يستند إلى أن السيطرة الرقمية شرط ضروري للمصالح الوطنية، وأن وجود خدمات تعمل خارج صلاحيات القانون الروسي يشكل خطرًا على الأمن الداخلي والخارجي في آن، وهو ما ألمحت إليه في السطور أعلاه، لكن هذا المنطق مع ذلك يواجه توترات بنيوية تقنية.

ما أقصده أن هذا التضييق التنظيمي يولد طلبًا مضادًا على الحلول الالتفافية، بمعنى أنك لن تستطيع إجبار كل الناس على خيارات في عالم الفضاءات الرقمية المفتوحة، التي ترمي يوميًّا بحلول من كل نوع وشكل، فالبروكسيات والشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) أصبحت مستخدمة على نطاق عريض داخل روسيا، بل لا أبالغ إن قلت إن كل من يحمل هاتفًا ذكيًّا أو جهازًا شبيهًا يحمل بداخله VPN.

بل يشير ما قرأته في هذا السياق إلى ارتفاع الطلب على خدمات VPN في القطاع الحكومي قبل الخاص، وهذا مؤشر على زيادة التوتر بسبب هذا الإجراء، والبيانات المحلية التي أشير إليها هنا تفيد بارتفاع ملحوظ في مشتريات خدمات تجاوز الحجب خلال العام الماضي، وهذا نترجمه ببساطة أن المستخدمين، حتى الذين يعملون في القطاع الحكومي والدوائر الرسمية، يلجؤون إلى هذه الحلول الالتفافية التقنية لكي يحافظوا على تدفق اتصالاتهم.

والإشكالية هنا أنك أنت كحكومة ودولة، وأنت تسعى إلى السيطرة والتحكم، جعلت القدرة على التحكم في المحتوى والرقابة عليه أقل فاعلية؛ لأنك جعلت المراسلة تتحول إلى شبكة من القنوات غير الرسمية الصعبة التتبع.

وبهذا أقول إنه إذا كان الهدف من الحظر هو تقليل الأخطار الرقمية، فإن النتائج العملية قد تكون معاكسة، فالنظام الرقابي المشدد يعزز انتشار حلول الالتفاف والتغطية والتعمية التقنية التي يصعب مراقبتها. كما أن الاتصالات الحيوية المهمة تتحول إلى قنوات أقل شفافية وأكثر تعقيدًا.

وقبل كل ذلك، وبعده، وفوقه، تبقى الدولة في مواجهة مع ديناميكيات السوق، وليس مع المستخدمين العاديين فقط.

وأعود وأكرر ما ذكرته أعلاه بأنه لا يمكن إنكار وجود أخطار حقيقية، مثل الاستخدام الضار للمنصات المشفرة، أو الجرائم السيبرانية، لكن المقاربة القائمة على الحماية عن طريق الإقصاء الكامل، تدفعنا إلى طرح سؤال مهم: هل الأفضل أن يتم التعامل مع السلوك الضار من خلال استهدافه هو نفسه مباشرة، أم عن طريق إغلاق القناة نفسها للسواد الأعظم من المستخدمين، عملًا بالمثل الشعبي المصري “الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح”؟ وهل تجوز هذه المقاربة مع دولة تسعى إلى تبني حلول إستراتيجية في مجال حيوي بالغ الحساسية؟

وخلاصة القول: نعم ما تقوم به روسيا الآن في هذا الباب ليس قرارًا بسيطًا، بل إنها تقدم بالفعل على تحول إستراتيجي في بنيتها الرقمية وسيادتها في هذا المجال، لكن الوضع صعب، ولا يمكن أن يسير في خط مستقيم دون تعقيدات.

والاختبار القادم في هذا الطريق ليس في حجب هذا التطبيق أو ذاك، ولكن في قدرة البدائل المحلية على تقديم البديل الحقيقي الجذاب، فضلًا عن قدرتها على الصمود اقتصاديًّا وتشغيليًّا، وفي قدرتها كذلك على تمكين الاتصالات العابرة للحدود دون أن تترك الاقتصاد الروسي في عزلة رقمية دائمة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع