القضايا الاقتصادية

قراءة في التكلفة الاقتصادية للقرار الأوروبي السياسي بامتياز

حظر الغاز الروسي بالكامل.. هل هو قرار حكيم؟


  • 28 يناير 2026

شارك الموضوع

 تبنى مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين 26 يناير (كانون الثاني) 2026، خلال اجتماعه في بروكسل، الصيغة النهائية والملزمة قانونيًّا لكل أعضاء الاتحاد لقانون حظر استيراد الغاز الروسي الطبيعي، ليضع بهذا القرار نهاية رسمية لعلاقة طاقوية شكلت أحد أعمدة الاقتصاد الأوروبي عقودًا، وُضِعَ أساسها -أي العلاقة- في حقبة الاتحاد السوفيتي لتحييد الخطر العسكري برابطة المصالح الاقتصادية المتبادلة المنفعة، وربط اقتصادات كل الأطراف بشبكة خطوط الاعتمادية المتبادلة.

ينص القرار على وقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول نهاية العام الجاري 2026، وإنهاء إمدادات غاز الأنابيب في موعد أقصاه 30 سبتمبر (أيلول) 2027، مع ترك هامش فني يسمح بالتمديد حتى 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 في حال صعوبة ملء الخزنات قبل الشتاء.

أُقِرَّ القرار بأغلبية تسمح بمروره على الرغم من معارضة المجر وسلوفاكيا وامتناع بلغاريا عن التصويت لصالحه، وبهذا تحول هذا الوعيد السياسي من صقور الاتحاد الراكبين على موجة العداء لروسيا إلى التزام قانوني لا رجعة فيه بالنسبة لدول الاتحاد ومجتمعاتها وشعوبها التي ستتحمل تبعاته على نحو مباشر.

تبني هذا القرار، الذي بلا شك، وحسبما يقول لنا خبراء الاقتصاد والطاقة على ضفتي الصراع، سيكون مكلفًا، ويشكل خسارة لكل الأطراف، أي الأوروبيين وكذلك الروس، وإن تباينت حصة كل منهما من الخسارة، يجعلنا نطرح السؤال الجوهري التالي: هل اختار الاتحاد الأوروبي هذا المسار بناء على حسابات اقتصادية رشيدة، تراعي مصالح شعوبه، أم بدافع سياسي يتقدم كذلك على منطق السوق؟

إن القراءة الموضوعية لما يقوله الخبراء الاقتصاديون الموضوعيون على الجانبين تخبرنا أن توقيت هذا القرار لا يرتبط بتحقيق الاكتفاء الأوروبي من البدائل، والدليل الدول التي تعارض علنًا أو في الأروقة، ولكنه يرتبط بالحاجة إلى إغلاق الباب قانونيًّا بعد التلويح المتكرر من السياسيين الأوروبيين، وذلك قبل أي تبدل محتمل في البيئة الدولية أو الداخلية، أي داخل دول الاتحاد نفسه.

فالواقع العملي يظهر أن أوروبا لم تبلغ حتى الآن نموذجًا مستقرًّا لأمن الطاقة. صحيح أن حصة الغاز الروسي في السوق الأوروبية تراجعت من أكثر من 40% (بعض الإحصاءات تقول إن النسبة كانت 44%) قبل عام 2022 إلى نحو 13% في عام 2025 حسب الأرقام الرسمية لهيئات الاتحاد الأوروبي نفسه.

لكن هذا التراجع لم يكن نتيجة استبدال مباشر ومستدام؛ بل نتيجة مزيج من تقليص الاستهلاك، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال؛ ومن ثم تحميل ذلك   على حساب السكان وحاجاتهم، وتحميل كلفة أعلى على مستوى الصناعة، فاضطرت كثير من المصانع الأوروبية غلق عنابر وورش إنتاجها، أو نقلها إلى دول أخرى، مثل الولايات المتحدة، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج محليًّا على نحو يلغي الأرباح والمكاسب.

وهذا القرار الأوروبي -من ثم- لا يمكن النظر إليه على أنه تحول هيكلي صحيح؛ بل هو انتقال من الاعتماد التعاقدي الطويل الأجل، وهي الصيغة التي كان الأوروبيون يحصلون بموجبها على الغاز الروسي ويعيشون مطمئنين سنين، إلى ارتهان لسوق فورية عالمية عالية التقلب.

فالغاز الروسي الذي كان يصل إلى أوروبا عبر الأنابيب لم يكن مجرد سلعة، ولكنه كان عبارة عن منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية ممتدة ومتشعبة، وسعات وأحجام وكميات مؤكدة، وعقود طويلة الأجل، وتسعير أكثر قابلية للتنبؤ.

في المقابل، وكما هو معروف من الممارسة العالمية، يعتمد الغاز المسال على عوامل لا تخضع لسيطرة سياسية أو اقتصادية أوروبية مباشرة، وما أقصده عوامل مثل المنافسة الآسيوية على الشحنات، فاقتصادات العمالقة الآسيويين، مثل الصين والهند، في نمو مستمر، ومن ثم في حاجة دائمة إلى زيادة كميات الغاز ومصادر الطاقة الأخرى، وكذلك الطقس وقدرات التسييل والنقل والتأمين، هذه كلها عوامل تتحكم في عملية تسعير الغاز المسال.

ومن هذا المنطق، يحق لنا -نحن المراقبين- أن نقول “بالفم المليان” إن أوروبا شبه معدومة الموارد استبدلت باستقرار الإمداد من هذا المورد الإستراتيجي مرونة شكلية تحمل في طياتها أخطارًا أعلى، والسبب سياسي.

وحتى نعرض الموقف الأوروبي بموضوعية فعلينا أن نقارن الخطاب الأوروبي الذي تلا عام 2022، عندما بدأت الحرب في أوكرانيا، ونتحدث هنا عن هذا الملف تحديدًا؛ فالتصريحات الأوروبية النارية كلها مع بداية الحرب كانت تصرخ وتكرر فكرة واحدة وهي أن أوروبا تفك الارتباط الغازي مع روسيا، ومع ذلك الواقع يخبرنا بالأرقام أن السوق الأوروبية شهدت خلال هذه السنوات الأربع منذ ذلك التاريخ فترات ارتفعت فيها مشتريات الغاز الروسي، سواء عن طريق الأنابيب أو الغاز المسال، وذلك عندما فرضت الأسعار والشتاء البارد نفسيهما.

وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما يفسر اللجوء إلى الحظر القانوني الصارم، وما أقصده هنا أن القرار لم يُتخذ بسبب أن السوق الأوروبية لم تعد بحاجة إلى الغاز الروسي؛ بل لأن الحاجة كانت تظهر كلما ضاقت البدائل أو ارتفعت تكلفتها على نحو لا يطاق.

وإذا تحدثنا عما تقوله الحكمة والرشادة من الناحية الاقتصادية، فنقول إن الحكمة تقاس بثلاثة معايير أساسية؛ وهي السعر، والتنافسية الصناعية، والتماسك الداخلي. وهنا نجد أنه على مستوى السعر يربط الحظر أوروبا على نحو أعمق بتسعير عالمي لا تتحكم هي فيه بأي حال؛ ومن ثم يجعل ذلك كلفة الطاقة أكثر حساسية للتقلبات الخارجية.

أما التنافسية الصناعية، فهي الحلقة الأضعف، حسبما يقول لنا الخبراء، وذلك لأن القطاعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات، والمعادن، والأسمدة، والزجاج، كانت إحدى الركائز الأساسية لتفوق أوروبا التاريخي تقنيًّا. وقد بدأ بعضها بنقل استثماراته خارج أوروبا بالفعل، وخصوصًا إلى الولايات المتحدة، حيث الطاقة أرخص، والدعم الحكومي أكبر. وهذا بلا شك لن يكون أثرًا جانبيًّا مؤقتًا بالنسبة لأوروبا؛ بل هو تحول بنيوي في الجغرافيا الصناعية.

أما التماسك الداخلي للاتحاد الأوروبي، فمن الواضح أنه يتعرض الآن إلى اختبار مباشر؛ فاعتراض المجر وسلوفاكيا -وهما من أكثر دول الاتحاد اعتمادًا على الغاز الروسي- لم يكن اعتراضًا أيديولوجيًّا بقدر ما كان اقتصاديًّا. وتمرير القرار بأغلبية مؤهلة، وتقديمه في إطار سياسة تجارية لتجاوز شرط الإجماع، يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن التضامن الأوروبي بات خاضعًا لأولويات سياسية عليا، حتى لو تعارضت هذه الأولويات السياسية مع مصالح اقتصادية حيوية ومهمة وملموسة لبعض الأعضاء وحاجات الشعوب المباشرة.

وهذا الانقسام مرشح -بلا شك- للتفاقم مع أول شتاء قارس وقاس، أو أزمة إمداد عالمية تضرب في قلب أوروبا مباشرة، لكن الموضوعية تقتضي كذلك الإشارة إلى أن فقدان السوق الأوروبية يشكل- بلا شك- خسارة مالية وإستراتيجية لموسكو والكرملين وبوتين، لكن هذه الخسارة في السردية الروسية تختلف عن تصويرها وتهويلها في السردية الغربية.

ما أقصده أن روسيا احتفظت، بالرغم من كل الضغوط والتحديات، بالسيطرة على مواردها، ونجحت في إعادة توجيه جزء معتبر منها، وعلى نحو متزايد، إلى آسيا، خاصة إلى الصين والهند، وذلك عن طريق توقيع عقود طويلة الأجل، وإن بأسعار أقل بالطبع، لكنها أكثر استقرار.

كما أن البنية التحتية التي تربط روسيا بأوروبا، وأقصد بها شبكات خطوط أنابيب الغاز، لم تختفِ، فيما عدا السيل الشمالي الذي فُجِّرَ طبعًا، لكن شبكة الخطوط الأساسية القديمة موجودة وإن كانت جُمدت سياسيًّا، وهذا بالطبع رأس مال إستراتيجي مؤجل، وليس ملغى في تصور موسكو.

بلا شك، سوف يؤدي قرار الحظر الأوروبي إلى تعميق المنافسة عالميًّا على الغاز المسال، ورفع أسعاره في الأسواق الآسيوية والنامية، فكل شحنة إضافية تتجه إلى أوروبا تعني تضييق العرض أمام دول أقل قدرة على الدفع، وهذا طبعًا سوف يعيد إنتاج اختلالات سوق الطاقة على نطاق عالمي.

ومن هذا المنظور نستطيع القول إن هذا القرار هو قرار سياسي وحاسم من حيث الصياغة القانونية، لكنه عالي الكلفة من حيث النتائج المتوقعة والمحتملة، وبالتأكيد ليس فقط بالنسبة للاقتصادات الأوروبية.

القرار الأوروبي لا يبدو خطوة أخلاقية بحال، وإن كانت تحت شعار “من أجل أوكرانيا”، ولكنه -بلا جدال- خطوة على طريق إعادة توزيع للندرة لصالح الاقتصادات الغنية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع