تقدير موقف

حرب أوكرانيا.. القرم تدخل حالة الطوارئ.. وهل نصب ترامب فخًا لبوتين في ألاسكا؟


  • 27 يونيو 2026

شارك الموضوع

أجدني مضطرًا أن أبدأ تقدير الموقف هذا، اليوم الجمعة 26 يونيو (حزيران) 2026، من القرم وسيفاستوبول، وليس من موسكو ولا من دونباس. والسبب بسيط ومنطقي؛ فقد أعلنت السلطات الروسية في شبه الجزيرة فرض نظام الطوارئ الإقليمي في كل من جمهورية القرم ومدينة سيفاستوبول ذات الوضع الفيدرالي.

وهذه ليست خطوة بسيطة، إذ تعكس أن آثار الحرب تجاوزت جبهة القتال المباشر في دونباس وزابوروجيا، وباتت تضغط على إدارة الحياة المدنية والاقتصادية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع الروسي الأوكراني، ولا سيما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يعد إعادة شبه جزيرة القرم إلى الدولة الروسية أحد أهم، إن لم يكن أهم، إنجازاته منذ توليه السلطة خلفًا لبوريس يلتسن مع مطلع الألفية الجديدة.

وقد خرج رئيس جمهورية القرم، سيرغي أكسيونوف، في تسجيل مصور لم تتجاوز مدته نصف دقيقة، لشرح خلفيات القرار ومعناه للسكان، بعد موجة من التهويل والتأويل التي انتشرت في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح أكسيونوف أن القرار اتُّخذ بالتنسيق مع حاكم سيفاستوبول، ميخائيل رازفوجاييف، وأن هدفه الأساسي يتمثل في تبسيط الإجراءات المالية والنقدية والائتمانية والتعاقدية، وتسريع معالجة ملفات التعويض عن الأضرار.

وهذا، بطبيعة الحال، هو التفسير الرسمي وصياغة القرار الرسمية؛ أي إن حالة الطوارئ لا تعني إعلان الأحكام العرفية أو التعبئة العامة، وإنما تمثل أداة إدارية وقانونية لمعالجة آثار الضربات الأوكرانية الأخيرة التي طالت البنية التحتية والخدمات.

وبالتالي، فإن إعلان حالة الطوارئ، حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يعد قرارًا عسكريًا، بل إجراءً إداريًا واقتصاديًا.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأنها تستهدف طمأنة السكان، ودعوتهم إلى عدم الانجرار وراء الشائعات، والاعتماد على المصادر الرسمية، التي تؤكد أن السلطات الروسية لم تعلن الأحكام العرفية، ولم تتحدث عن انهيار في الوضع الأمني.

ومع ذلك، فإن السلطات الروسية اعترفت، للمرة الأولى، بأن حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات الأوكرانية بلغ مستوى يستدعي إطارًا قانونيًا وإداريًا استثنائيًا لإدارة الأزمة، وهو ما يمثل، في حد ذاته، تطورًا استراتيجيًا جديدًا في التعاطي الروسي مع الحرب.

فالحرب، التي بدأت قبل أكثر من أربع سنوات على خطوط التماس في دونباس، باتت اليوم تفرض نفسها على الإدارة المدنية داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للكرملين، كما أشرت في مستهل هذا التقدير.

ويعني ذلك أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نجح، حتى الآن، ولو بصورة جزئية، في نقل الحرب إلى العمق الروسي. وهو لا يخفي هذا الهدف، بل يتحدث عنه بصراحة لافتة، تدفعنا إلى التساؤل: إلى أي مدى يستند هذا القدر من الثقة؟

فقد أعلن زيلينسكي، خلال الأيام الأخيرة، أن أوكرانيا ستواصل استهداف العمق الروسي، مؤكدًا أن هذه العمليات تهدف إلى رفع كلفة الحرب على موسكو، وإجبارها على إعادة نشر منظومات الدفاع الجوي بعيدًا عن جبهات القتال. وهذا، في جوهره، يعكس استراتيجية أوكرانية تقوم على أن كل تقدم تحققه القوات الروسية في دونباس يجب أن يقابله ضغط متزايد داخل الأراضي الروسية نفسها.

وبمعنى آخر، فإن كييف، ومن يقف وراءها، لم تعد تراهن فقط على الصمود الدفاعي، وإنما انتقلت إلى استراتيجية تقوم على نقل الاستنزاف إلى الداخل الروسي. وهنا تحديدًا يمكن فهم نقطة الالتقاء بين إعلان حالة الطوارئ في القرم والتصور الأوكراني الحالي لإدارة الحرب.

فلم يعد الهدف الأوكراني، ومن خلفه – أو ربما أمامه – الهدف الأوروبي، ولا سيما البريطاني، يقتصر على إصابة أهداف عسكرية أو تدمير منشآت بعينها، وإنما بات يتمثل في تعظيم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والنفسية للحرب على الدولة الروسية، وبالتالي على القيادة الروسية نفسها.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، اليوم، لتكشف عن نبرة غير مألوفة تجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي تصريحاته، أكد دميتري بيسكوف أن الولايات المتحدة لا يمكن اعتبارها طرفًا محايدًا في الصراع الأوكراني، لأنها ما تزال المورد الأكبر للأسلحة والتقنيات العسكرية لأوكرانيا، وإن كان ذلك يجري اليوم بمقابل مالي، وليس بصورة مجانية كما كان في السابق.

لكن المتحدث باسم الكرملين، وعلى طريقة المثل المصري «يضرب ويلاقي»، حرص في الوقت نفسه على الإبقاء على نافذة للحوار، إذ أكد أن موسكو لا تزال تقدر أي جهد أمريكي حقيقي يمكن أن يفضي إلى تسوية سياسية.

وفي السياق ذاته، واصل الكرملين الفصل بين الموقفين الأمريكي والأوروبي، إذ أكد بيسكوف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يتحدث باسم واشنطن، ولا يملك تفويضًا بذلك.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الكرملين يحاول الإبقاء على الباب مواربًا أمام الحوار مع الولايات المتحدة، لكنه، في الوقت نفسه، بات يتعامل معها باعتبارها طرفًا في الحرب، لا وسيطًا محايدًا كما كان يُنظر إليها سابقًا. أما أوروبا، فلا تزال موسكو تنظر إليها بوصفها الطرف الأكثر تمسكًا باستمرار الحرب، والأكثر دفعًا نحو مواصلتها.

أما التطور السياسي الأبرز، من وجهة نظري، فجاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي يواصل خلال هذا الأسبوع إطلاق مواقف صقورية، سواء في تصريحاته العلنية أو في الرسائل التي يمكن استنتاجها مما يدور خلف الأبواب المغلقة.

ففي رده على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي قال من البحرين، أمس الخميس 25 يونيو (حزيران) 2026، إن لقاء ألاسكا لم يسفر عن اتفاق، وإنما اقتصر على تبادل مقترحات، رد لافروف قائلًا:

«إذا كانت الولايات المتحدة قد قدمت مقترحات للتسوية، وأبدى الطرف الآخر موافقته عليها، فمن غير اللائق القول إنه لم يكن هناك اتفاق».

ورغم بساطة هذه العبارة ظاهريًا، فإنها تحمل، في تقديري، دلالة سياسية بالغة الأهمية، خاصة إذا وُضعت في سياق تصريحات لافروف خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك كلمته أمام السفراء المعتمدين لدى الاتحاد الروسي، عندما قال إنه «لا يريد حتى أن يعتقد أن لقاء ألاسكا صُمم فقط لكسب الوقت من أجل إعادة تسليح أوكرانيا»، قبل أن يضيف عبارته التي أثارت كثيرًا من التساؤلات:

«لكن الواقع انتهى إلى ما انتهى إليه».

وأفهم من هذا الكلام – وهذا تفسير شخصي بحت – أن لافروف يكاد يقول إن ترامب نصب فخًا لبوتين في ألاسكا، على نحو يشبه، في نظره، ما فعلته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند عبر اتفاقات مينسك في نهاية عام 2014 ومطلع عام 2015.

وإذا صح هذا الفهم، فإننا نكون أمام تطور بالغ الخطورة؛ لأنه يعني أن الشكوك التي كانت تُطرح داخل الأوساط الروسية بشأن الموقف الأمريكي، وحول رهان بوتين على إدارة ترامب، باتت تقترب تدريجيًا من مستوى الخطاب الرسمي.

ويعني ذلك أيضًا أن موسكو بدأت إعادة تقييم مجمل مسار التفاوض مع الغرب، الذي انطلق مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بوصفه – من هذا المنظور – ليس طريقًا إلى التسوية، وإنما أداة استُخدمت لإطالة أمد الحرب، ومنح كييف وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها العسكرية، ولا سيما في مجال إنتاج الطائرات المسيّرة وتطويرها.

ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع الروسية أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت، خلال ليلة واحدة، 660 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق أكثر من اثنتي عشرة مقاطعة روسية، في واحدة من أكبر الهجمات الجوية منذ بداية العام الجاري، شملت العاصمة موسكو، إلى جانب البحر الأسود، وبحر آزوف، وشبه جزيرة القرم.

وعلى ذكر القرم، وبعد التطور الذي بدأت به هذا التقدير، أجدني مضطرًا، في ضوء هذه المعطيات، إلى طرح سؤال أعتقد أنه بات يشغل كثيرًا من المتابعين للحرب عن كثب:

وما يدفعني إلى طرح هذا السؤال هو مجمل التطورات الأخيرة، التي أعتقد أنها بدأت تفرض نفسها على دوائر صنع القرار في موسكو، كما في العواصم الغربية.

وأستند في ذلك إلى مقال رأي نشره موقع (The Hill) يوم 25 يونيو (حزيران) 2026، تحت عنوان لافت: «حكم بوتين قد لا يصمد أمام سقوط شبه جزيرة القرم الوشيك». ويرى كاتبا المقال، مارك توث وجوناثان سويت، أن القرم تمثل الجوهرة الاستراتيجية للحرب، وأن خسارتها ستكون أكثر تأثيرًا على روسيا، وعلى حكم بوتين، من أي تطور ميداني في دونباس.

وأنا أتفق مع الكاتبين في تقديرهما للأهمية الاستراتيجية لشبه جزيرة القرم، إذا افترضنا – جدلًا – تحقق هذا السيناريو؛ فشبه الجزيرة تضم قاعدة سيفاستوبول البحرية، التي تمثل المنفذ الروسي الرئيسي إلى البحر الأسود، وكانت أحد الأسباب المحورية في تطورات الملف الأوكراني منذ عام 2014، بل إن جذور أهميتها تعود إلى ما قبل ذلك، خلال مفاوضات تمديد استئجار روسيا للقاعدة البحرية من أوكرانيا، عندما كانت القرم لا تزال خاضعة للسيادة الأوكرانية.

لكن ما يثير الانتباه، من وجهة نظري، ليس السيناريو ذاته، وإنما مجرد طرحه في وسائل إعلام ومراكز تفكير غربية مؤثرة، مثل (The Hill)، التي تصدر من واشنطن. فالتعامل مع احتمال سقوط القرم بوصفه احتمالًا واقعيًا يمثل، في تقديري، قراءة شديدة الخطورة؛ لأن اللجوء إلى التصعيد النووي، في الحسابات الروسية، يبدو أقرب كثيرًا من قبول موسكو أو بوتين بخسارة القرم.

ورغم أن هذا الطرح يعبر عن رأي كاتبيه، وليس عن موقف رسمي غربي، فإنه يعكس، بلا شك، اتجاهًا متناميًا داخل بعض دوائر التفكير الغربية يرى أن مستقبل الحرب قد يُحسم في القرم بالقدر نفسه الذي قد يُحسم فيه في دونباس.

أما في موسكو، وفي الكرملين، وفي ذهن الرئيس فلاديمير بوتين تحديدًا – وفق تقديري – فالصورة مختلفة تمامًا.

فالقرم ليست مجرد أرض ضُمت عام 2014، وإنما تمثل، في العقيدة الاستراتيجية الروسية، بوابة البحر الأسود، وخط الدفاع الأول عن الجنوب الروسي، وأحد أهم رموز الشرعية السياسية للنظام الحاكم، وليس للرئيس بوتين وحده. ولذلك، فمن الخطأ اختزالها في كونها مجرد «غنيمة سياسية» لبوتين.

ومن هذا المنطلق، أعتقد اعتقادًا جازمًا أن أي تهديد مباشر لشبه الجزيرة سيُفسر داخل الكرملين بوصفه تهديدًا وجوديًا للدولة الروسية نفسها، وليس مجرد تطور ميداني في سياق الحرب. بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن تهديد القرم ستكون له، في نظر موسكو، تداعيات أخطر بكثير من اختراق القوات الأوكرانية لمنطقة كورسك، الذي لم ترد عليه روسيا، حتى الآن، بالصورة التي توقعها كثيرون.

إن أهم ما يميز يوم 26 يونيو (حزيران) 2026، في تقديري، ليس رقم 660 طائرة مسيّرة وحده، ولا إعلان حالة الطوارئ في القرم وحده، وإنما اجتماع هذين التطورين معًا. فالقرم وسيفاستوبول دخلتا وضعًا استثنائيًا لمعالجة آثار الضربات الأوكرانية، في وقت لا تزال فيه موسكو ومدن روسية أخرى تتعرض لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة.

ويضاف إلى ذلك تصريحات دميتري بيسكوف، التي شككت في حياد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب إشارات سيرغي لافروف، التي أعادت إلى الواجهة فكرة «الخديعة» أو «الفخ» في العلاقات الروسية مع الغرب.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لصيف عام 2026 لم يعد: من أسقط عددًا أكبر من الطائرات المسيّرة؟ بل أصبح: هل لا يزال هناك من يستطيع إعادة هذه الحرب إلى حدودها القابلة للاحتواء، كما كانت طوال السنوات الأربع والنصف الماضية، قبل أن ينفلت زمام التصعيد بصورة كاملة؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع