
لا يبدو أن هناك “نهاية كاملة” للصراع الأمريكي الإيراني في المديين القريب والمتوسط، بعد خوض الطرفين الموجة الرابعة من الحروب، وهي الموجة التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، وشاركت فيها إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران. فقد قصفت إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، إيران ثلاث مرات من قبل؛ الأولى في 19 أبريل (نيسان) 2024، والثانية في 26 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، والثالثة في 13 يونيو (حزيران) من العام الماضي. ورغم كل جولات التفاوض المباشرة وغير المباشرة، لم يتوصل الطرفان حتى الآن إلى صيغة مقبولة تبني مسارا جديدا يقوم على التعاون بدلا من الصراع الذي ساد العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ عام 1979.
وعندما وقعت مذكرة التفاهم، أو ما يسمى “إعلان إسلام أباد”، في 18 يونيو (حزيران) من هذا العام، والمكونة من 14 بندا، توقع كثيرون أن مسار الدبلوماسية بدأ يؤتي ثماره بعد صمود وقف إطلاق النار الذي أعلن في 8 أبريل (نيسان) من هذا العام. لكن هذا المسار تعرض لنكسة تلو الأخرى على أثر الخلاف حول “حرية المرور” في مضيق هرمز، حيث تريد طهران من السفن التجارية المرور بالقرب من الساحل الإيراني بعد التنسيق مع الحرس الثوري، وتسعى إلى تحصيل “رسوم خدمات”، وتشترط على الشركات أن يكون لها تأمين لدى شركة تأمين إيرانية وبالعملة الإيرانية.
على الجانب الآخر، ترفض واشنطن أي قيود أو شروط للعبور في مضيق هرمز، باعتباره مضيقا دوليا يخضع لقواعد “المرور العابر والحر”، وليس “المرور البريء”، وفق ما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
ودشنت الولايات المتحدة “المسار الجنوبي” القريب من شواطئ سلطنة عمان لمرور السفن بعيدا عن المياه الدولية التي كان بها أكثر من 27 لغما بحريا، تقول القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” إنها نزعتها بالكامل. وعندما رفضت إيران المسار الأمريكي للسفن وقصفت السفن التجارية، بدأت الولايات المتحدة سلسلة من القصف استمرت في البداية 13 يوما، وركزت على أهداف إيرانية قريبة من الساحل الإيراني.
ومع جمود المسار الدبلوماسي وإعلان طرفي الحرب أن “مذكرة التفاهم” باتت من الماضي، يزداد خطر توسيع دائرة الحرب لتضم أطرافا إقليمية، خصوصا بعد إعلان وزارة الدفاع السعودية هذا الشهر أنها، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، شنت هجمات على قوات “الحشد الشعبي” في العراق، قتل فيها نحو ستة إيرانيين، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وجاءت عملية “الغضب الاقتصادي”، بفرض أقصى العقوبات على إيران مع استمرار الحصار البحري وتهديد شركاء إيران التجاريين، لتدشن مرحلة جديدة من الصراع في ظل عدم وجود “مساحة مشتركة” يمكن أن يحتكم إليها الطرفان الأمريكي والإيراني، مع سعي إسرائيلي حثيث للدخول في الحرب قبل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. فما السيناريوهات التي يمكن أن تشكل نهاية لهذا الصراع الذي بدأ منذ نحو 47 عاما؟ وهل يمكن أن يكون من بينها احتلال جزئي لبعض الأراضي أو الجزر الإيرانية؟
لا يمكن الاقتراب من السيناريوهات المحتملة لنهاية هذا الصراع دون التوقف عند القدرات التي يتمتع بها كل طرف، لأن هذه القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية هي “المنصة” التي ينطلق منها أي طرف في مواقفه السياسية والعسكرية.
أولا: إيران
الواضح للجميع أن الحرب الأمريكية مع إيران تختلف عن الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان. فخلال شهر واحد عام 2003، وصلت القوات الأمريكية والبريطانية إلى العاصمة العراقية بغداد، واستغرق خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ساعات. لكن مساحة إيران تساوي مساحة العراق ثلاث مرات، وتصل إلى 1.6 مليون كيلومتر مربع. وفرضت هذه المساحات الشاسعة على الجيش الأمريكي تحديات كثيرة، منها انتشار البرنامج النووي في مدن عديدة ومتباعدة، فضلا عن الجبال الشاهقة، مثل جبال زاجروس وكردستان، والممرات الجبلية الضيقة والصعبة التي ساعدت إيران على بناء آلاف المخازن للطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، حيث توجد ما تسمى “مدن المسيرات تحت الأرض”.
ولإيران ساحل طويل على ثلاث واجهات بحرية، هي بحر عمان والخليج العربي وبحر قزوين، فضلا عن أن عدد سكانها يصل إلى نحو 94 مليون نسمة، وهو ما يساعدها على امتصاص الضربات مهما بلغت تكلفتها البشرية.
وتدرك إيران أنها لا تستطيع مواكبة الولايات المتحدة في التكنولوجيا العسكرية أو حاملات الطائرات أو القاذفات الاستراتيجية، مثل “بي-52″، لذلك تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ “الحرب غير المتكافئة”، عبر التركيز على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وشبكة من التحالفات والأذرع في العراق واليمن ولبنان.
ووجدت إيران في مضيق هرمز “ورقة استراتيجية” لرفع التكلفة على الرئيس الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار المحروقات إلى مستويات قياسية في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي دفع نحو 75% من الأمريكيين إلى معارضة استمرار الحرب، إذ كشف استطلاع رأي لـ”رويترز-إبسوس” أن واحدا فقط من كل أربعة أمريكيين يدعم استمرار الحرب.
ثانيا: الولايات المتحدة
لدى الولايات المتحدة أوراق رابحة كثيرة، فهي الدولة الأولى في الإنفاق العسكري، حيث تنفق نحو تريليون دولار سنويا على الشؤون الدفاعية، ولديها حاملات الطائرات العملاقة والصواريخ الدقيقة، مثل توماهوك، والطائرات الحربية المتقدمة، مثل “إف-35″ و”إف-16” وغيرها.
ولديها سلسلة من القواعد العسكرية التي تبدأ من أوروبا، وتمر بالشرق الأوسط، وصولا إلى الشرق الأقصى في اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين وأستراليا. لكنها تعاني بشكل واضح من نقص في الصواريخ الاعتراضية، خصوصا منظومتي الدفاع الصاروخي “ثاد” و”باتريوت”، وهي منظومات تحتاج إلى سنوات لتعويض النقص الهائل فيها حتى تكون جاهزة للدفاع عن نحو 50 ألف جندي أمريكي ينتشرون في إقليم الشرق الأوسط.
وتعاني واشنطن أيضا من تردد حلفائها الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي “الناتو” في دعم عملياتها العسكرية ضد إيران، بينما أظهر حلفاء إيران في آسيا “وفاء كاملا” لتعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية الإيرانية منذ 28 فبراير (شباط) الماضي.
الأول: استئناف الحرب
فرض الحزمة الجديدة من العقوبات الاقتصادية، وإقرار المرشد الإيراني الثالث والرئيس مسعود بزشكيان بتأثير الحصار الاقتصادي ووقف بيع النفط وتراجع الصادرات الأخرى بأكثر من 35%، مع وصول التضخم إلى 66%، كل ذلك قد يدفع إيران، وليس الولايات المتحدة، إلى استئناف الحرب بهدف “كسر الحصار” والتأثير في نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي ستجرى في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
فأكثر من مسؤول إيراني دعا إلى استئناف الحرب ضد الولايات المتحدة قبل انتخابات الكونغرس بأسبوع، حتى يخسر الجمهوريون الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ومن ثم تبدأ إجراءات محاكمة الرئيس ترمب حول الحرب مع إيران.
الثاني: شراء الوقت
يراهن الطرفان الأمريكي والإيراني على “شراء الوقت” لتحقيق هدفين؛ الأول استنزاف قدرات كل طرف للآخر، وانتظار تغير في الأوضاع الداخلية للطرف الآخر.
فما جرى في حاملة الطائرات إبراهام لينكولن خير شاهد على التداعيات التي يتركها الانتشار العسكري الطويل على المعدات والجنود الأمريكيين، في حين أن منع إيران من تصدير النفط، الذي يشكل 90% من الميزانية، يترك آثارا عميقة على القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية.
وتأمل إيران، من خلال رفض الشروط الأمريكية وصمودها لأطول فترة ممكنة، أن تحقق أهدافها في السيطرة على مضيق هرمز، وأن يصاب الرئيس ترمب بـ”الملل السياسي”، فيسحب قواته أو يقبل بالشروط الإيرانية. ولهذا يعمل كل طرف على تحقيق “النصر الاستراتيجي” عبر إفشال أهداف الطرف المقابل وشراء الوقت انتظارا لمتغيرات قد تغير حسابات الطرف الثاني، مثل اندلاع مظاهرات في الشارع الإيراني أو تنامي الضغوط على الرئيس ترمب لإنهاء الحرب والقبول بالشروط الإيرانية.
الثالث: المنبوذ الاقتصادي
Economic Outcast
وهو ما تنفذه بالفعل الولايات المتحدة في الوقت الحالي عبر الحصار الخانق للموانئ الإيرانية، و”تصفير” صادرات النفط والغاز والبتروكيماويات لطهران، وتهديد الشركاء التجاريين الكبار لإيران، مثل الصين والهند وتركيا.
في المقابل، ترى طهران أن عدم تصدير النفط الإيراني والعربي من المضيق سوف يرتد على الاقتصاد العالمي، وخصوصا على الناخب الأمريكي، بما يضعف “القاعدة الانتخابية الصلبة” للرئيس الأمريكي.
الرابع: تسوية محدودة
وهو السيناريو الذي رسمته “مذكرة التفاهم” التي وقعتها طهران وواشنطن في 17 يونيو (حزيران) الماضي، والتي تؤسس لـ”اتفاق مرحلي” يتم بموجبه الإعلان عن وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار عن إيران، والتخفيف من الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، والدخول في مفاوضات طويلة وشاقة حول البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
ويمنح ذلك المنطقة والعالم فرصة لـ”سلام مؤقت” يمكن أن يفضي إلى سلام دائم حال هزيمة نتنياهو في انتخابات 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أو فشل ترمب في الاحتفاظ بالأغلبية في مجلس النواب أو الشيوخ في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويحفظ هذا السيناريو ماء الوجه لطرفي الصراع، بحيث يمكن لكل من واشنطن وطهران الإعلان عن النصر.
الخامس: حرب إقليمية
تربط إيران إنهاء الحرب بوقف الحروب على جبهات أخرى، منها لبنان وغزة واليمن والعراق، لكنها في الوقت نفسه تلوح بأن حلفاءها الإقليميين جاهزون للانضمام إليها في “حرب إقليمية” واسعة.
وهناك مؤشرات على استعداد أنصار الله “الحوثيين” للانخراط في حرب إقليمية إلى جانب إيران، خصوصا مع إعلانهم حصار الموانئ السعودية واستهداف السفن التي تحمل النفط السعودي عند عبورها مضيق باب المندب.
ومن شأن ذلك أن يفتح جبهات جديدة، حيث تحاول طهران الربط بين باب المندب وهرمز باعتبارهما ورقتين استراتيجيتين في يدها لرفع الحصار، أو على الأقل رفع التكلفة الاقتصادية على الرئيس ترمب إذا واصل فرض الحصار البحري وتطبيق العقوبات الاقتصادية.
السادس: السقوط التلقائي
وهي نظرية يتبناها مجلس الأمن القومي الذي يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، وتقول إن استمرار الضغوط الاقتصادية لفترة طويلة سوف يدفع الشارع الإيراني إلى التحرك ضد النظام، بما يسمح بمرونة إيرانية أكبر على طاولة المفاوضات.
ويستدل روبيو بأن الحصار الاقتصادي على فنزويلا أحدث “تشققات سياسية” بين النخبة الفنزويلية، ما أسهم في نهاية المطاف في اعتقال نيكولاس مادورو وسيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي.
السابع: تسليح الأقليات
وهو سيناريو يتبناه وزير الحرب بيت هيغسيث، ويدعو فيه إلى “هزيمة النظام من الداخل”، ويقوم على تسليح الأقليات الإيرانية، حيث يوجد في إيران نحو 20 مليونا من أصول أذرية، و10 ملايين كردي، وثلاثة ملايين عربي، وأربعة ملايين بلوشي.
ووفق تقديرات أمريكية، فإن نحو 100 ألف يمكن أن يحملوا السلاح ضد حكومة طهران في مناطق الأكراد والأذريين والبلوش والعرب، حيث يوجد في جنوب شرقي إيران ما يسمى “جيش العدل” البلوشي، الذي يحارب الجيش الإيراني منذ سنوات بالقرب من الحدود مع باكستان.
وسبق للرئيس ترمب أن حاول تسليح الأكراد الإيرانيين في بداية الحرب، لكن التقديرات الأمريكية تقول إن هذا السيناريو يحتاج إلى “زعيم إيراني” ينشق عن النظام، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
الثامن: اتفاق تاريخي
وهو أكثر السيناريوهات استبعادا في الوقت الحالي، لكنه يظل مطروحا، ويقوم على الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة على تسوية جميع الخلافات حول مضيق هرمز، والبرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين، وحلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الإيرانية الأمريكية، لتعود الاستثمارات والعلاقات بين واشنطن وطهران كما كانت قبل عام 1979.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير