القضايا الاقتصادية

ترمب وكندا.. التعرفة الجمركية تهز أركان الشراكة بين ضفتي الأطلسي


  • 27 أغسطس 2026

شارك الموضوع

يشكل صعود دونالد ترمب إلى السلطة، واعتماده في إدارة العلاقات الدولية على منطق المصلحة المباشرة والضغط الاقتصادي، هزة غير مسبوقة في النظام التجاري بين الولايات المتحدة وكندا، دافعا بالعلاقة الاستراتيجية بين البلدين إلى واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية والسياسية حدة في التاريخ الحديث.

ويأتي ذلك في أعقاب قرار إدارة الرئيس دونالد ترمب، في 21 أغسطس (آب) 2026، فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 50% على ما يقارب 20 مليار دولار من السلع الكندية، بعد انهيار جولة من المفاوضات كان يعتقد، حتى وقت قريب، أنها تقترب من التوصل إلى اتفاق من شأنه تخفيف الرسوم المفروضة على السيارات والمعادن وعدد من السلع الأخرى. ويعكس القرار اعتماد التعرفة الجمركية بوصفها أداة للضغط السياسي، وإعادة توجيه قرارات الاستثمار والإنتاج، وفرض الصفقات من موقع القوة.

أما على الضفة الأخرى، فتراقب أوروبا التطورات بقلق متزايد، بالنظر إلى أن تأثير التوتر التجاري بين الحليفين الأمريكي والكندي يمتد إلى سلاسل الإمداد والاستثمار والتصنيع عبر الأطلسي. فالكثير من الشركات الأوروبية تمتلك مصانع وفروعا وشبكات إنتاج في كل من الولايات المتحدة وكندا، وتعتمد في جزء كبير من نشاطها على حرية حركة السلع والمكونات والاستثمارات عبر الحدود.

ومن شأن اتساع نطاق الرسوم الجمركية أن يعطل هذه السلاسل، ويرفع تكاليف الإنتاج، ويعيد رسم خريطة الاستثمارات الصناعية، بما يضاعف حالة عدم اليقين التي تواجهها الشركات الأوروبية. ومن هنا، يكشف الخلاف الأمريكي-الكندي عن أزمة أعمق في قواعد الشراكة الاقتصادية داخل المعسكر الغربي، الذي طالما قامت منظومته السياسية والاقتصادية على التكامل والثقة والمصالح المشتركة.

ترمب يحول التعرفة الجمركية إلى أداة لإعادة هندسة الاقتصاد.. هل يرتد سلاح الرسوم على صاحبه؟

تستند الخطوة الأمريكية رسميا إلى اتهام كندا بممارسة سياسات تمييزية ضد المنتجات الأمريكية، ولا سيما السيارات والمشروبات الكحولية ومنتجات الألبان. وقد استخدم ترمب في هذه الجولة المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية الأمريكي لعام 1930، وهي أداة قانونية نادرة الاستخدام تسمح للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 50% عندما يرى أن دولة أجنبية تفرض قيودا أو معاملة غير متكافئة على التجارة الأمريكية.

وأكد مكتب الممثل التجاري الأمريكي أن الرسوم الجديدة، التي تقترب قيمتها من 20 مليار دولار، تستهدف ما تعتبره واشنطن ممارسات كندية تضر بالمصالح التجارية الأمريكية.

لكن القراءة الجيوسياسية للقرار تكشف بعدا أوسع من المبررات القانونية المعلنة. فإدارة ترمب تنظر إلى التعرفة الجمركية باعتبارها وسيلة لإعادة توزيع النشاط الصناعي داخل أمريكا الشمالية، بحيث تصبح السوق الأمريكية أكثر جاذبية للاستثمار من السوق الكندية إذا أرادت الشركات تجنب الرسوم.

وفي قطاع السيارات تحديدا، أصبح هذا المنطق واضحا للغاية؛ فقد هدد ترمب بفرض رسوم إضافية بنسبة 50% على السيارات والشاحنات وقطع الغيار الكندية اعتبارا من يناير (كانون الثاني) 2027، ودعا الصناعات الكندية عمليا إلى نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة لتفادي التعرفة.

إنها، في جوهرها، سياسة تقوم على تحويل حجم السوق الأمريكية إلى أداة ضغط سياسي. فالشركات التي تعتمد على حرية انتقال المكونات والسلع بين الولايات المتحدة وكندا تجد نفسها أمام معادلة جديدة: إما أن تتحمل تكلفة الرسوم، أو تعيد تنظيم سلاسل إنتاجها بما يتلاءم مع الأولويات الصناعية الأمريكية.

ومن منظور واشنطن، قد يؤدي هذا الضغط إلى جذب استثمارات ومصانع ووظائف إلى الأراضي الأمريكية، وتعزيز المحتوى المحلي في المنتجات، وتقليص العجز التجاري.

غير أن المشكلة تكمن في أن الصناعة الأمريكية نفسها تعتمد بصورة عميقة على التكامل مع كندا. فصناعة السيارات في أمريكا الشمالية ليست منظومات منفصلة في ثلاث دول، بل شبكة إنتاج عابرة للحدود، تتنقل فيها المكونات عدة مرات قبل أن تصل السيارة إلى المستهلك.

لذلك، حذرت شركات ومؤسسات صناعية من أن تفكيك هذا التكامل يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج والأسعار. وهو ما دفع مجموعات صناعية أمريكية إلى التحذير من أن تفكيك سلاسل الإنتاج في أمريكا الشمالية قد يضر بالقدرة التنافسية الأمريكية نفسها.

كندا ترفض تحويل الاعتماد الاقتصادي إلى تبعية سياسية

بالنسبة إلى أوتاوا، يمس هذا التصعيد حدود السيادة الوطنية. فقد أعلن رئيس الوزراء مارك كارني أن أهداف حكومته خلال المفاوضات كانت الحفاظ على استقلال القرار التجاري الكندي، وحماية قدرة البلاد على عقد شراكات اقتصادية مع أطراف أخرى، وعدم السماح لأي دولة بتحديد مستقبل الاقتصاد الكندي.

وقال كارني صراحة إن كندا أدركت أن الولايات المتحدة “تغيرت”، وإن العودة إلى العلاقة القديمة بين البلدين لم تعد ممكنة.

وهنا يظهر التباين الأيديولوجي بين واشنطن وأوتاوا بصورة غير مسبوقة. فالإدارة الأمريكية تتعامل مع القوة الاقتصادية الهائلة للولايات المتحدة باعتبارها ورقة تفاوضية يمكن استخدامها لانتزاع تنازلات من الحلفاء والشركاء، بينما يعمل كارني على تحويل الأزمة إلى مشروع لإعادة بناء الاستقلال الاقتصادي الكندي.

لذلك، لا تقتصر الاستراتيجية الكندية على الرد الجمركي، بل تشمل أيضا تنويع الأسواق، وتعزيز الاستثمار الداخلي، وبناء بنية تحتية جديدة، وتوسيع العلاقات التجارية خارج الولايات المتحدة.

وقد أعلنت الحكومة الكندية، في هذا السياق، أنها تعمل على مشروعات بنية تحتية تقترب قيمتها من 500 مليار دولار كندي، وتسعى إلى مضاعفة عدد المستهلكين الذين تتمتع الشركات الكندية بإمكانية الوصول التفضيلي إليهم، بعدما بلغ عددهم نحو 1.5 مليار مستهلك عبر اتفاقات التجارة القائمة والجديدة.

ورقة الطاقة والمعادن الحيوية تكشف حدود القوة الأمريكية

أخطر ما في التصعيد الحالي أن الصراع بدأ يخرج من نطاق التعرفة الجمركية إلى نطاق الأمن الاقتصادي والاستراتيجي. فقد هدد رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو، دوغ فورد، بإمكانية استخدام صادرات الكهرباء والمعادن الحيوية الكندية ورقة ضغط إذا استمرت واشنطن في التصعيد.

وشملت التهديدات المحتملة الكهرباء والنفط والنيكل واليورانيوم والبوتاس وغيرها من الموارد التي تعتمد عليها قطاعات أمريكية حيوية.

ويكشف هذا التهديد أن الاعتماد المتبادل بين البلدين لا يسير في اتجاه واحد. فمثلما تعتمد كندا بشدة على السوق الأمريكية، تعتمد أجزاء من الاقتصاد الأمريكي على موارد كندية لا يمكن تعويضها بسرعة.

وفي قطاع الطاقة تحديدا، تشكل كندا مصدرا مهما للنفط والكهرباء إلى الولايات المتحدة، بينما تحتل المعادن الاستراتيجية موقعا متزايد الأهمية في المنافسة العالمية على الصناعات المتقدمة والدفاعية والتكنولوجيا النظيفة.

وتزداد حساسية هذه الورقة بسبب التحول العالمي نحو تأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية، التي أصبحت جزءا من الأمن القومي في عصر السيارات الكهربائية والبطاريات والذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة.

لذلك، فإن استخدام كندا هذه الموارد ورقة تفاوضية، حتى لو بقي في حدود التهديد السياسي، يحمل رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن القوة الاقتصادية ليست حكرا على الدولة الأكبر حجما.

الحرب التجارية تهدد نموذج التكامل الاقتصادي في أمريكا الشمالية

أحد أكبر الخاسرين المحتملين من الأزمة ليس كندا وحدها ولا الولايات المتحدة وحدها، وإنما نموذج التكامل الاقتصادي في أمريكا الشمالية بأكمله. فقد نشأ هذا النموذج عبر عقود من الاتفاقات التجارية، بدءا من اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا عام 1988، ثم اتفاق نافتا عام 1994، وصولا إلى اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

غير أن قرار واشنطن، في يوليو (تموز) 2026، عدم تمديد الاتفاق بصيغته الحالية، وبدء مسار زمني نحو انتهائه ما لم يجر التوصل إلى صيغة جديدة، أضاف بعدا مؤسسيا إلى الأزمة.

كذلك، أصبحت المفاوضات الأمريكية مع المكسيك تسير في مسار أكثر استقلالا عن أوتاوا، مع تركيز واشنطن على زيادة المحتوى المحلي الأمريكي، وتقليص العجز التجاري، وإعادة توطين الوظائف الصناعية.

وفي حال استمرار هذه الاتجاهات، ستضطر الشركات إلى بناء خطوط إنتاج منفصلة لكل سوق، وزيادة المخزونات، وإعادة تصميم عقود التوريد، وتحمل تكاليف جمركية وإدارية أعلى.

وقد تصبح الكفاءة الاقتصادية، التي كانت تقوم على التخصص وتقسيم العمل بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أقل أهمية من القدرة على تجنب المخاطر السياسية.

أوروبا تراقب الأزمة باعتبارها تهديدا للنظام التجاري الغربي

في بروكسل، لا يمكن النظر إلى المواجهة الأمريكية-الكندية باعتبارها خلافا ثنائيا بعيدا عن المصالح الأوروبية. فالاقتصاد الأوروبي مرتبط بقوة بالولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، يملك علاقات استثمارية وتجارية عميقة مع كندا. وأي تفكك في سلاسل القيمة العابرة للأطلسي يمكن أن ينعكس على الشركات الأوروبية التي تعمل أو تستثمر في أمريكا الشمالية.

الأخطر بالنسبة إلى أوروبا هو أن الأزمة تؤكد اتجاها أوسع نحو تسييس التجارة. فالاتحاد الأوروبي نفسه اضطر، خلال السنوات الأخيرة، إلى تطوير أدوات لمواجهة الرسوم والإجراءات الأمريكية، بينما أبقى، في يوليو (تموز) 2026، إجراءات إعادة التوازن التجارية ضد الولايات المتحدة معلقة، مع احتفاظه بإمكانية إعادة تفعيلها إذا اقتضت الظروف ذلك.

وتبلغ قيمة الحزمة الأوروبية المحتملة، التي أعدت في سياق التوترات السابقة، نحو 93 مليار يورو من الواردات الأمريكية المستهدفة، إضافة إلى قيود على صادرات أوروبية إلى الولايات المتحدة.

لذلك، فإن ما يحدث بين واشنطن وأوتاوا يؤكد المخاوف الأوروبية بشأن مدى ضمان استقرار العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، الحليف الأمني والشريك التاريخي.

البعد الجيوسياسي الأعمق.. نهاية مرحلة “الحليف المضمون

لا تكمن الأهمية التاريخية للأزمة في الرسوم وحدها، بل في استهدافها واحدة من أكثر العلاقات الدولية استقرارا. فالولايات المتحدة وكندا عضوان في حلف الناتو، وتتعاونان عسكريا وأمنيا واستخباراتيا، وتشتركان في أطول حدود دولية غير عسكرية تقريبا. كذلك، اندمج اقتصاداهما على مدى عقود إلى درجة جعلت الفصل بينهما بالغ الصعوبة.

بالنسبة إلى كندا، لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة حليفا عسكريا إذا كانت تستخدم قوتها التجارية لفرض خيارات على السياسة الاقتصادية الكندية. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن التحالف الأمني لا يعني أن الشريك معفى من الضغوط التجارية أو من مطالب المعاملة بالمثل.

قد تكون هذه النقطة أخطر إرث للأزمة. فإذا ترسخ الاعتقاد في العواصم الغربية بأن التحالف السياسي لا يوفر بالضرورة حماية من الضغوط الاقتصادية، فستبدأ الدول الحليفة في بناء قدرات ذاتية أكبر في الطاقة والغذاء والمعادن وسلاسل الإمداد والدفاع.

وهكذا، تتحول الحمائية من مجرد سياسة تجارية إلى أداة لإعادة صياغة العلاقات بين الحلفاء الغربيين أنفسهم.

استنتاج

تدخل الولايات المتحدة وكندا الآن مرحلة خطيرة في شراكتهما الممتدة منذ عقود. لكن النتيجة النهائية لهذه المواجهة لن تحددها قيمة الرسوم وحدها.

فإذا تمكن ترمب من دفع الشركات إلى نقل استثماراتها إلى الولايات المتحدة، فسيكون قد أثبت أن التعرفة الجمركية يمكن أن تكون أداة لإعادة رسم الخريطة الصناعية لأمريكا الشمالية. أما إذا نجحت كندا في تنويع أسواقها، وتعزيز روابطها مع أوروبا وآسيا، وتطوير قدراتها في الطاقة والمعادن والتصنيع، فقد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو استقلال اقتصادي أكبر.

وفي كلتا الحالتين، لن تكون أوروبا مجرد متفرج. فهي أمام نموذج واضح لما يمكن أن يحدث عندما تصبح التجارة أداة للضغط السياسي وميدانا من ميادين الأمن القومي.

لذلك، يبدو أن الأزمة بين واشنطن وأوتاوا تمثل فصلا آخر من فصول التفكك الاقتصادي الغربي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ومن هذه الزاوية، تمثل الحرب الاقتصادية الأمريكية-الكندية اختبارا لنموذج كامل من العولمة الغربية، ولقدرة الحلفاء على الحفاظ على استقلال قراراتهم في عالم تتقدم فيه الحسابات الجيوسياسية على منطق الكفاءة الاقتصادية.

وإذا استمرت واشنطن وأوتاوا في التصعيد، فسيكون الخاسر الأكبر هو النظام الاقتصادي العابر للحدود، الذي جعل من أمريكا الشمالية وأوروبا فضاء واحدا للإنتاج والاستثمار والتجارة طوال العقود الماضية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع