
شهدت العلاقات بين تركيا وبنغلاديش تحولاً نوعياً خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دكا مطلع يونيو (حزيران) 2026. وتُعد هذه الزيارة الأولى لفيدان إلى بنغلاديش منذ توليه منصبه، وقد جاءت بدعوة من نظيره البنغلاديشي خليل الرحمن.
وأعلن الجانبان خلالها بداية “عهد جديد” في العلاقات الثنائية يركز بصورة خاصة على تعزيز التعاون الدفاعي والاستراتيجي، متجاوزاً أنماط التعاون التقليدية في المجالات الإنسانية والتجارية. وقد التقى فيدان رئيس الوزراء البنغلاديشي طارق رحمن، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجان وزارية مشتركة في مجالي الدفاع والخارجية، وإجراء مشاورات سنوية بصيغة “2+2” تجمع وزيري الخارجية والدفاع في البلدين. كما وقع الجانبان مذكرة تفاهم بشأن حماية التراث الثقافي.
وشملت الزيارة تفقد فيدان مخيمات الروهينجا في كوكس بازار، حيث اطلع على أنشطة المؤسسات والوكالات التركية العاملة هناك، ومنها وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية (أفاد)، والهلال الأحمر التركي.
تأتي هذه الزيارة التركية في سياق المرحلة التي أعقبت حكومة الشيخة حسينة، حيث تسعى بنغلاديش إلى تنويع شراكاتها الخارجية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الهند والصين. وبالنسبة لتركيا، تمثل بنغلاديش بوابة استراتيجية نحو جنوب آسيا، وتُكمل شراكتها القوية مع باكستان، كما تدعم طموحات أنقرة في تصدير التكنولوجيا الدفاعية وتعزيز نفوذها داخل العالم الإسلامي.
وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا وبنغلاديش إلى نحو 1.3 مليار دولار، مع وجود خطط لرفعه إلى ملياري دولار عبر إبرام اتفاقية تجارة حرة أو اتفاقية تجارة تفضيلية.
يبرز التعاون الدفاعي بوصفه أحد أهم محاور العلاقات التركية – البنغلاديشية. وقد بدأ هذا التعاون قبل نحو عقد من الزمن، مع شراء بنغلاديش مجموعة متنوعة من الأسلحة التركية، شملت المركبات المدرعة وأنظمة الصواريخ والرادارات.
وأصبحت الطائرات التركية المسيرة، ولا سيما طراز “بيرقدار TB2″، أحد أبرز أوجه هذا التعاون. إذ اشترت بنغلاديش عشرات الطائرات منذ عام 2022، واستخدمتها في تعزيز قدرات الاستطلاع وتنفيذ الضربات الدقيقة.
وخلال زيارة فيدان، ناقش الجانبان إقامة مصانع مشتركة داخل بنغلاديش لإنتاج الطائرات المسيرة والدبابات وأنظمة الحرب الإلكترونية، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتدريب آلاف العسكريين البنغلاديشيين في تركيا.
كما شهدت مشتريات بنغلاديش من الأسلحة التركية نمواً متسارعاً منذ عام 2018، حيث حصلت دكا على خمسة عشر نوعاً من الأسلحة الحديثة، من بينها ناقلات الجنود المدرعة من طراز “كوبرا”، والمركبات المقاومة للألغام، وأنظمة الدفاع الصاروخي متعددة المهام، ورادارات المراقبة الأرضية.
وخلال زيارته إلى دكا في ديسمبر (كانون الأول) 2020، تحدث وزير الخارجية التركي آنذاك مولود جاويش أوغلو عن اهتمام أنقرة ببيع طائرات مسيرة إلى بنغلاديش. وفي يونيو (حزيران) من العام التالي، وقعت بنغلاديش مذكرة تفاهم مع شركة “روكيتسان” التركية المتخصصة في الصناعات الدفاعية، والتي تنتج معدات وفق معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويتيح هذا التعاون لبنغلاديش تقليل اعتمادها على الموردين التقليديين، وعلى رأسهم الصين والاتحاد الروسي، كما يدعم هدف “قوات 2030” الرامي إلى تحديث الجيش البنغلاديشي.
أما تركيا، فترى في هذه الشراكة فرصة لتوسيع صادراتها الدفاعية، في ظل طموحها للانضمام إلى قائمة أكبر عشرة مصدرين للسلاح في العالم بحلول عام 2030. ويستند النموذج العسكري التركي إلى تجارب ناجحة في دول مثل أذربيجان وباكستان، حيث أثبتت الطائرات المسيرة التركية فعاليتها في النزاعات الحديثة.
ويشمل التعاون أيضاً أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الموجهة، بما يعزز قدرات بنغلاديش البحرية في خليج البنغال.
ينعكس التقارب التركي – البنغلاديشي بصورة مباشرة على توازنات القوى في جنوب آسيا، ولا سيما في علاقته بكل من باكستان والهند.
فتركيا ترتبط بباكستان بشراكة دفاعية وثيقة، مدعومة بالتعاون في مجال الطائرات المسيرة والتنسيق السياسي في عدد من الملفات، من بينها قضية كشمير. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن انخراط بنغلاديش في هذه الشراكة يساهم في تشكيل امتداد جيوسياسي يحيط بالهند من أكثر من اتجاه.
ويثير هذا التوجه قلق نيودلهي التي تنظر إليه باعتباره تحدياً لمكانتها الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المتكررة مع باكستان.
وفي المقابل، ترى باكستان أن الحضور التركي المتنامي في جنوب آسيا يفتح المجال أمام مزيد من التنسيق الثلاثي بين أنقرة وإسلام آباد ودكا في المجالات الدفاعية والأمنية والاقتصادية، وهو ما قد يحد من فعالية سياسة “الجوار أولاً” التي تتبناها الهند.
كما تواجه نيودلهي تحدياً إضافياً يتمثل في سعي بنغلاديش إلى تنويع علاقاتها الخارجية، وهو ما يمنح دكا هامشاً أوسع للموازنة بين القوى الإقليمية المختلفة، ويقلل نسبياً من النفوذ الهندي التقليدي داخلها.
ويرى بعض المحللين أن هذه التطورات قد تدفع نحو سباق تسلح إقليمي، مع زيادة الإنفاق الدفاعي الهندي وتعزيز شراكات نيودلهي مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ينظر بعض الأوساط السياسية والأمنية في الهند وإسرائيل إلى التقارب التركي – البنغلاديشي بوصفه جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات التي تربط تركيا وقطر وباكستان، وهو ما يدفع البلدين إلى تعزيز التنسيق في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن.
وفي هذا السياق، تواصل الهند وإسرائيل تطوير شراكتهما الاستراتيجية التي تشمل صفقات تسليح كبيرة وتعاوناً في مجالات التكنولوجيا العسكرية ومكافحة الإرهاب والطائرات المسيرة.
كما تدفع هذه التطورات نيودلهي إلى توسيع تعاونها مع إسرائيل في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات لموازنة النفوذ التركي المتزايد في محيطها الإقليمي.
ومن جهة أخرى، تتنافس تركيا وإسرائيل على النفوذ داخل عدد من الدول التي لا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، الأمر الذي يضيف بعداً جديداً للتنافس الجيوسياسي بينهما.
تأتي زيارة فيدان إلى بنغلاديش في إطار تنافس تركي – إسرائيلي أوسع يمتد من شرق البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي وجنوب آسيا.
فالعلاقات التركية – الإسرائيلية شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة نتيجة الخلافات المرتبطة بالحرب في غزة والتطورات في سوريا، حيث تنظر أنقرة إلى السياسات الإسرائيلية باعتبارها عاملاً مزعزعاً للاستقرار الإقليمي، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى توسع النفوذ التركي في عدد من الساحات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى توسيع النفوذ التركي عبر أدوات سياسية واقتصادية وإنسانية ودفاعية، بينما تعتمد إسرائيل على شبكة من الشراكات الإقليمية تضم الهند والإمارات والمغرب واليونان بهدف الحفاظ على توازنات القوة القائمة.
ويمتد هذا التنافس إلى جنوب آسيا، حيث يمثل التعاون التركي مع بنغلاديش امتداداً لاستراتيجية تركية أوسع لتعزيز الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة.
كما يساهم الدعم التركي لقضايا مثل الروهينجا والقضية الفلسطينية في تعزيز صورة أنقرة داخل قطاعات واسعة من الرأي العام الإسلامي، بما يمنحها أدوات تأثير إضافية في محيطها الإقليمي.
ولا يقتصر هذا التنافس على البعد السياسي، بل يشمل كذلك مجالات الطاقة والتجارة والأمن البحري والتكنولوجيا العسكرية.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى زيارة هاكان فيدان بوصفها خطوة استراتيجية ضمن مساعي أنقرة لإعادة رسم خريطة النفوذ في جنوب آسيا، من خلال تعزيز الشراكة مع بنغلاديش، وتوسيع الحضور التركي في المنطقة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يفرض على القوى المنافسة مراجعة حساباتها وتحالفاتها المستقبلية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير