إستراتيجيات عسكرية

تركيا تربك حسابات الناتو وإسرائيل في قمة أنقرة


  • 12 يوليو 2026

شارك الموضوع

استضافت تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 يوليو (تموز)، في واحدة من أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الحلف الحديث، حيث تواجه الدول الأعضاء ضغوطًا متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز القدرات العسكرية، وإعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية للحلف في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.

ويرى العديد من المحللين أن القمة كشفت عن تصدعات عميقة بين أعضاء الناتو، إذ بدا الحلف منقسمًا بشأن العديد من القضايا، فيما يسير كل عضو في اتجاه مختلف.

وتأمل تركيا في أن تبرز بوصفها أحد أكثر الفاعلين الاستراتيجيين نفوذًا داخل الحلف، إلا أن ذلك أثار قلقًا إسرائيليًا من احتمال تراجع مكانة إسرائيل باعتبارها الحليف الأمريكي الأبرز في المنطقة.

ترمب يشير إلى تحول كبير في العلاقات الأمريكية – التركية

كان اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أبرز محطات القمة.

ووصف ترمب تركيا بأنها “حليف عظيم”، مؤكدًا أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة أصبحت “أفضل من أي وقت مضى”. كما أعلن أن الإدارة الأمريكية تدرس الموافقة على بيع مقاتلات F-35 الشبحية من الجيل الخامس إلى تركيا، مشيرًا إلى أنه لا يملك أي تحفظات بشأن حصول أنقرة على هذه الطائرات المتطورة.

وتستعد إدارة ترمب لإعادة دمج تركيا في برنامج F-35 بعد تعليق مشاركتها عام 2019، إثر شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400. وأشاد ترمب أيضًا بالدور التركي خلال الصراع الأخير المتعلق بإيران، معتبرًا أن أنقرة كانت شريكًا مهمًا في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

نتنياهو يحذر من نقل مقاتلات F-35 إلى تركيا

يعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة احتمال بيع مقاتلات F-35 إلى تركيا. ويرى نتنياهو أن هذه الصفقة “ستدمر ميزان القوى” في الشرق الأوسط.

وقد أدى موقف الرئيس أردوغان الداعم للشعب الفلسطيني، والمعارض لما يصفه بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، إلى دفع بعض السياسيين الإسرائيليين إلى وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة”.

ويصف الناتو نفسه بأنه تحالف دفاعي، إلا أن تاريخه يُظهر، بحسب منتقديه، أنه كان في كثير من الأحيان أداة للعمليات الهجومية. فقد جاءت العمليات العسكرية الأمريكية – الأطلسية في يوغوسلافيا والعراق وليبيا وسوريا بأوامر من واشنطن، وأسهمت في تعزيز أرباح المجمع الصناعي العسكري الغربي.

كما لعبت تركيا دورًا رئيسيًا في العمليات الأمريكية – الأطلسية في سوريا الهادفة إلى تغيير النظام، من خلال استضافة المقاتلين الذين شاركوا في القتال ضد الدولة السورية.

ويستذكر أعضاء الناتو الأوروبيون أيضًا أن تركيا فتحت أبواب الهجرة أمام اللاجئين السوريين نحو أوروبا ابتداءً من عام 2015، وهو ما تسبب، بحسب العديد من التقديرات الأوروبية، في زعزعة الاستقرار واستنزاف الموارد المالية.

طريق تركيا إلى الناتو

تأسس حلف شمال الأطلسي في واشنطن في الرابع من أبريل (نيسان) عام 1949، بمشاركة اثنتي عشرة دولة، استنادًا إلى مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، التي تعتبر أن أي اعتداء على أحد الأعضاء هو اعتداء على جميع الأعضاء.

وبدأت قاعدة إنجرليك الجوية عملياتها في فبراير (شباط) 1955، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم المنشآت العسكرية الاستراتيجية التابعة للناتو، حيث دعمت العمليات العسكرية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

من الخلاف إلى الشراكة الاستراتيجية

رغم الخلافات المتكررة بين تركيا وعدد من حلفائها في الناتو بشأن النزاعات الإقليمية، وصفقات التسليح، والسياسة الخارجية، فإن أنقرة حافظت باستمرار على دور محوري داخل الحلف.

فموقعها الجغرافي، الذي يربط أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، إلى جانب امتلاكها ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، جعل منها عنصرًا لا غنى عنه على الجناح الجنوبي للحلف.

واليوم، لا تسعى تركيا إلى البقاء عضوًا في الناتو فحسب، بل تطمح إلى المساهمة في رسم البنية الأمنية المستقبلية للحلف، بالتوازي مع تعزيز صناعتها الدفاعية المحلية، التي تشهد نموًا متسارعًا.

ويرى الأمين العام للناتو مارك روته أن أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الطابع العابر للأطلسي للحلف.

وبموجب الإطار الجديد، التزمت الدول الأعضاء برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وأكد روته أن زيادة الإنفاق وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتحول إلى قدرات عسكرية قابلة للنشر، وصناعات دفاعية أقوى، مع تسريع إنتاج أنظمة الأسلحة المتطورة.

ويعكس هذا الموقف الانتقادات التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للناتو، وتهديداته السابقة بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف.

الصناعات الدفاعية التركية في الواجهة

شهد قطاع الصناعات الدفاعية التركي توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت صادراته العسكرية 10 مليارات دولار خلال العام الماضي.

وأصبحت الشركات التركية تنتج مجموعة واسعة من الأنظمة الدفاعية، تشمل الطائرات المسيّرة، والذخائر المدفعية، والمركبات المدرعة، وتقنيات الحرب الإلكترونية، وغالبًا ما توفر هذه المنتجات بسرعة أكبر وكلفة أقل مقارنة بالعديد من منافسيها الغربيين.

الإعلان عن عقود دفاعية ضخمة

سلطت قمة أنقرة الضوء أيضًا على تنامي استثمارات الناتو في تحديث قدراته الدفاعية. وأكد دبلوماسيون أن العقود الدفاعية الجديدة، التي أُعلن عنها خلال القمة، تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار. وشملت الاتفاقيات الكبرى كندا، وألمانيا، والسويد، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وبولندا.

الدور الاستراتيجي المتنامي لتركيا

يتزايد الاتفاق بين المراقبين الأمريكيين والأتراك على أن تركيا شهدت تحولًا كبيرًا داخل حلف الناتو. فبعد أن كانت تُصوَّر لسنوات على أنها العضو الأكثر إثارة للجدل داخل الحلف، أصبحت اليوم تُعد من أكثر شركائه الاستراتيجيين أهمية.

وتتحكم تركيا في الوصول إلى البحر الأسود، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وصناعة دفاعية متنامية، فضلًا عن موقع جغرافي محوري يربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وقد تُسجل قمة أنقرة في التاريخ، ليس باعتبارها مجرد اجتماع آخر للناتو، بل باعتبارها القمة التي بدأت فيها تركيا تلعب دورًا قياديًا في رسم مستقبل الحلف. ومع ذلك، يبقى مستقبل الناتو غير مؤكد في ظل استمرار غياب التوافق بين أعضائه.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع