
يواجه قطاع البتروكيماويات الصيني تحديات جسيمة نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، خاصة إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي المفروض على السواحل الإيرانية. ويُعد هذا القطاع من أبرز ركائز تطور نموذج الاقتصاد الصيني الحديث، إذ يشكل مصدرًا أساسيًا للمواد الخام المستخدمة في الصناعات التحويلية، مثل البلاستيك والألياف الاصطناعية والمبيدات والأدوية. وترتبط هذه الأزمة ارتباطًا وثيقًا بالنفط الإيراني، الذي يمثل مصدرًا حيويًا للخام المُدخل في عمليات التكرير والإنتاج البتروكيماوي الصيني. ويمر نحو (20-21) مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية عبر مضيق هرمز، وهو ما يعادل حوالي (20-25%) من إجمالي التجارة البحرية العالمية للنفط. ويعتمد نحو (45-50%) من واردات الصين النفطية على هذا الممر الحيوي، حيث تستورد بكين حوالي (11.6) مليون برميل يوميًا من الخام في عام 2025.
أما النفط الإيراني، فيشكل نسبة ملحوظة من هذه الواردات، إذ بلغ متوسط الواردات الصينية منه (1.38-1.7) مليون برميل يوميًا في 2025، أي نحو (12-15%) من إجمالي الواردات الصينية، ويشكل أكثر من (80%) من صادرات إيران النفطية. ورغم العقوبات الأمريكية المستمرة منذ عقود ضد إيران، نجحت الصين في الحفاظ على هذه التدفقات من خلال “أساطيل الظل” وإعادة التسمية، مثل تصنيفها كخام ماليزي أو إندونيسي. ومع ذلك، أدى إغلاق المضيق — الذي جاء كرد فعل إيراني على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في فبراير (شباط) 2026 — إلى توقف هذه التدفقات جزئيًا أو كليًا، مما أثار أزمة توريد فورية.
ويفاقم الحصار الأمريكي على السواحل الإيرانية هذا الوضع، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية مشددة على الشركات الصينية المستقلة المعروفة بـ “مصافي الشاي” (Teapots)، التي تشكل الجزء الأكبر من مشتري النفط الإيراني. وفي شهري أبريل – مايو (أيار) 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على مصافٍ مثل (Hengli Petrochemical)، وعشرات الكيانات المرتبطة بشحنات النفط الإيراني إلى الصين. ولم يقتصر هذا الحصار على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى تهديدات بحرية مباشرة، ما أدى إلى تعطيل عمليات الشحن من الموانئ الإيرانية. ونتيجة لذلك، انخفضت الصادرات الإيرانية إلى الصين بشكل حاد، مما حرم قطاع التكرير الصيني من خام إيراني رخيص الثمن، غالبًا ما يُباع بخصم يتراوح بين (10-20%) عن الأسعار العالمية بسبب العقوبات. ويُعد هذا الخام، الغني بالنافثا والمكونات المناسبة للتقطير البتروكيماوي، مدخلًا أساسيًا لإنتاج الإيثيلين والبولي بروبيلين.
يعتمد قطاع البتروكيماويات الصيني بشكل كبير على الخام المستورد كمصدر للمدخلات الأولية، حيث يُنتج نحو (70%) من الإيثيلين عبر تقطير النافثا المشتقة من النفط الخام. وفي عام 2025، ساهم نمو البتروكيماويات بنسبة تصل إلى (95%) في زيادة الطلب الصيني على النفط، متجاوزًا الطلب على الوقود التقليدي مثل البنزين. ووفقًا لبيانات (Kpler) ومعهد سياسة الطاقة بجامعة كولومبيا، شكّل النفط الإيراني والخام الخليجي مصدرًا حاسمًا للمصافي المتكاملة التابعة لشركات مثل (Sinopec) و(PetroChina).
ومع إغلاق هرمز، ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل حاد، متجاوزة 100 دولار للبرميل في بعض الأسابيع، مما رفع تكاليف المدخلات بنسبة تراوحت بين (30-50%) للمصافي الصينية. وأدى ذلك إلى تراجع معدلات التشغيل بنسبة (10-20%)، حيث فضلت بعض المنشآت تقليل الإنتاج أو تسريع أعمال الصيانة لتجنب الخسائر.
كما تسبب الاضطراب في تراجعات ملموسة بإنتاج البتروكيماويات الأساسية. فعلى سبيل المثال، انخفض إنتاج الإيثيلين والبولي إيثيلين — وهما من المواد الأساسية لصناعة البلاستيك — بنسبة تصل إلى (15%) في الربع الأول من 2026، وفقًا لتقارير (ICIS). كذلك ارتفعت تكاليف الإنتاج في القطاع، مما أثر على الهوامش الربحية للشركات الكبرى.
وتعاني الصين أصلًا من فائض طاقة إنتاجية (Overcapacity) في قطاع البتروكيماويات، لكن الاعتماد على الخام الإيراني الرخيص كان يعوض جزئيًا عن هذه المشكلة. ومع فقدان هذا المصدر، لجأت بكين إلى زيادة الاستيراد من روسيا عبر خطوط الأنابيب مثل (ESPO)، أو من أمريكا الجنوبية، إلا أن هذه البدائل أغلى ثمنًا وأقل ملاءمة كيميائيًا لعمليات التقطير. كذلك أدى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال (LNG)، الذي يمر جزء منه عبر هرمز، إلى زيادة الضغط على المدخلات البديلة مثل الإيثان والبروبان، اللذين يشكلان (8%) من تغذية الإيثيلين.
وكشفت الأزمة عن هشاشة أمن الطاقة الصيني، رغم الاحتياطيات الاستراتيجية الكبيرة. وتمتلك الصين مخزونات نفطية تكفي لفترة تتراوح بين (90–120) يومًا من الواردات الصافية، أي حوالي 1.39 مليار برميل في مارس (آذار) 2026، بالإضافة إلى 46 مليون برميل إيراني مخزنة في موانئ داليان وتشوشان. وقد سمحت هذه الاحتياطيات بتخفيف الصدمة قصيرة الأمد، لكنها لم تمنع التراجع طويل الأمد في القطاع البتروكيماوي.
وأدى الحصار كذلك إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية، حيث أثرت زيادة تكاليف الشحن — بسبب إعادة التوجيه عبر طرق أطول — على أسعار المنتجات البتروكيماوية المصدرة من الصين، مما قلل من قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. كما أدى إلى تباطؤ مشاريع التوسعة الجديدة، خاصة تلك المعتمدة على النافثا، وزيادة التوجه نحو “الكيمياء الفحمية” (Coal-to-Chemicals)، رغم ارتفاع انبعاثات الكربون الناتجة عنها.
علمًا بأن الصين لا تزال أقل اعتمادًا على النفط هيكليًا مما توحي به أرقام وارداتها من الخام. وتُظهر البيانات الرسمية الصينية أن الفحم لا يزال يوفر (51.4%) من إجمالي استهلاك الطاقة حتى عام 2025، بينما توفر “الطاقة النظيفة” — وتشمل الغاز الطبيعي والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية — نحو (30.4%)، تاركة النفط يشكل النسبة المتبقية البالغة حوالي (18.2%).
ومع ذلك، لا يزال النفط عنصرًا أساسيًا في صناعات البتروكيماويات والطيران والشحن والنقل الثقيل، لذلك فإن ارتفاع الأسعار واضطرابات إمدادات المصافي تنعكس بسرعة على هوامش الربح وتكاليف الخدمات اللوجستية، حتى لو لم يكن أمن الطاقة الوطني مهددًا بشكل مباشر.
وفي المقابل، يُعد اعتماد الصين على النفط الخام المستورد كبيرًا، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة الاعتماد على واردات النفط الخام تتجاوز (70%) من الاستهلاك المحلي. ويصل جزء كبير من هذه الإمدادات عبر الطرق البحرية، ما يجعل خطوط الشحن عنصرًا بالغ الأهمية لأمن الطاقة الصيني. ولهذا السبب، ركزت سياسة الطاقة الصينية على ثلاثة محاور رئيسية: الحفاظ على احتياطيات النفط الاستراتيجية، وتنويع مصادر النفط الخام، وتسريع التحول نحو الكهرباء في مختلف قطاعات نظام الطاقة المحلي.
وتهدف هذه التدابير مجتمعة إلى الحد من تأثير انقطاعات الإمدادات الخارجية. إلا أنه حتى مع تنوع الموردين، لا يزال إمداد الصين بالنفط يعتمد بدرجة كبيرة على الممرات البحرية الرئيسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ففي عام 2025، مر عبر المضيق ما يقارب 15 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، أي ما يعادل نحو (34%) من تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحرًا. وكانت معظم هذه الشحنات متجهة إلى الأسواق الآسيوية، حيث استحوذت الصين والهند معًا على نحو (44%) من الصادرات. وبالنسبة للصين، لا تكمن نقطة الضعف الأساسية في الاعتماد على منتج واحد، بل في الاعتماد على عدد محدود من ممرات النقل.
وتشير تقديرات مركز كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية إلى أن ما يقرب من نصف واردات الصين من النفط الخام، ونحو ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، مصدرها الشرق الأوسط، ويمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز قبل وصولها إلى الأسواق الآسيوية.
يعكس الترابط بين النفط الإيراني وقطاع البتروكيماويات الصيني تحديات الاعتماد المتبادل بين البلدين. فقد ساهمت الصين في دعم الاقتصاد الإيراني من خلال شراء نحو (90%) من صادراته النفطية، مما مكّن طهران من تمويل أنشطتها رغم العقوبات.
أما إغلاق هرمز، فقد جاء كرد فعل إيراني مباشر على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية، لكنه أضر بالصين باعتبارها المستورد الرئيسي. وفي المقابل، سارعت بكين إلى تعزيز شراكاتها مع روسيا والسعودية، التي تستطيع إعادة توجيه نحو 5 ملايين برميل يوميًا عبر خطوط برية، إلا أن ذلك لا يعوض كامل الخسائر.
كما أدى الاضطراب إلى ارتفاع أسعار المنتجات البتروكيماوية عالميًا، ما أثر على الصناعات التحويلية في أوروبا وآسيا. وحتى الآن، ركزت استجابة الصين الفورية على الحد من انتقال تقلبات أسعار النفط العالمية إلى السوق المحلية، مع الحفاظ على استقرار الإمدادات.
وقد استخدمت السلطات آلية التسعير التابعة للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح للحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط الخام العالمية على أسواق الوقود المحلية. وفي الوقت نفسه، شجعت الجهات التنظيمية مصافي التكرير المستقلة على الحفاظ على معدلات التكرير، وقامت بتعديل حصص استيراد النفط الخام لضمان كفاية الإمدادات. وتدعم هذه الإجراءات احتياطيات النفط الصينية الضخمة، التي توفر حماية ضد اضطرابات الإمداد قصيرة الأجل.
مع ذلك، لا يزال صانعو السياسات يترقبون الآثار الجانبية المحتملة، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة تدريجيًا إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين، وتقليص هوامش الربح لشركات التصنيع. وتبرز المؤشرات الاقتصادية الأخيرة هذا الضغط المتزايد، حيث تُظهر البيانات الرسمية أن مؤشر الصناعات في الصين انتعش إلى (50.4) نقطة في مارس (آذار)، بما يشير إلى تجدد التوسع في النشاط الصناعي. ومع ذلك، ارتفعت المؤشرات الفرعية التي تقيس تكاليف المدخلات، مما يوحي بأن المصنّعين بدأوا يواجهون ضغوطًا متزايدة على التكاليف. وإذا استمرت هذه الديناميكيات، فقد تترجم إلى ضغط تدريجي على ربحية الصناعة والقدرة التنافسية للصادرات.
أخيرًا، مثّل إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي على السواحل الإيرانية صدمة مزدوجة لقطاع البتروكيماويات الصيني، المرتبط ارتباطًا عضويًا بالنفط الإيراني باعتباره مدخلًا رخيصًا وأساسيًا. وقد أدى ذلك إلى تراجعات في الإنتاج وصلت إلى (15%)، وارتفاع التكاليف، وانخفاض الهوامش الربحية، مع مخاطر طويلة الأمد على القدرة التنافسية.
ورغم قدرة الصين على الصمود قصيرة الأمد بفضل المخزونات وتنويع مصادر التوريد، فإن الأزمة تكشف عن حاجة ملحة إلى استراتيجيات طاقة أكثر استدامة، مثل زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية، وتطوير تقنيات خالية من النفط. كما تؤكد هذه الأحداث هشاشة الاقتصاد العالمي — وليس الاقتصاد الصيني فقط — أمام التوترات الجيوسياسية، وتدعو إلى إعادة تقييم الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير