مقالات المركزوحدة الدراسات الصينية

البحث عن نظام عالمي جديد.. وفي الخلفية أزمتا أوكرانيا وإيران

بوتين لا يبحث عن مخرج من العزلة في بكين


  • 20 مايو 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: ms.now

اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لمخاطبة الشعب الصيني ونخبه السياسية قبل زيارته المرتقبة إلى الصين، صيغة جديدة. ففي السنوات الماضية، اعتاد بوتين توجيه رسائله عبر مقابلات مطولة مع وسائل الإعلام الصينية الرسمية، أو من خلال حوارات مع التلفزيون المركزي الصيني والصحف الكبرى.

أما هذه المرة، فجاءت الرسالة في شكل كلمة مصورة مسجلة، بُثّت فجر الثلاثاء 19 مايو (أيار) 2026، قبيل استقلاله طائرته الرئاسية، موليًا وجهه نحو الشرق الأقصى الروسي ليعبر أجواءه إلى الجارة الصينية.

بدت رسالة الرئيس الروسي إلى الشعب الصيني أقرب إلى خطاب سياسي مباشر، حمل جملة من الرسائل الاستراتيجية، أكثر مما حمل من عبارات المجاملات البروتوكولية التقليدية.

في التسجيل، قال بوتين إن العلاقات الروسية–الصينية وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وهو وصف يكرره كثيرًا هو ونظيره الصيني شي جين بينغ عند الحديث عن العلاقات الثنائية. كما وصف الرئيس الروسي نظيره الصيني بأنه “صديق قديم يثق به”.

لكن أولى الرسائل الجديدة والمهمة، التي لفتت انتباهي في الخطاب، كانت قول بوتين إن “موسكو وبكين مستعدتان لدعم بعضهما في القضايا المرتبطة بحماية السيادة”.

وعطف على ذلك بالقول إن البلدين ينظران بثقة إلى المستقبل، ويعززان التعاون في السياسة والاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا والتواصل الإنساني. وكعادته، ركز بوتين على لغة الأرقام، فأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز بالفعل 200 مليار دولار، والأهم في هذا السياق أن التسويات المالية تتم ـ تقريبًا بالكامل ـ بالروبل الروسي واليوان الصيني.

وفي ذلك إشارة مهمة إلى تسارع عملية فك الارتباط بالدولار والنظام المالي الغربي.

ولم يفته كذلك الحديث عن توسيع المبادرات المشتركة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل، وعن الدور الذي لعبه نظام الإعفاء المتبادل من التأشيرات في رفع حركة السياحة والأعمال بين البلدين.

لكن أهمية الرسالة البوتينية، في رأيي، ليست في مضمونها الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل في التوقيت والسياق وطريقة تقديمها. ما أقصده أن موسكو، انطلاقًا من مجمل التصريحات والتعليقات والتحليلات المرتبطة بزيارة الرئيس الروسي الحالية، تتعامل مع هذه الزيارة باعتبارها محطة سياسية كبرى لإعادة تثبيت الشراكة الروسية–الصينية، في لحظة تشهد إعادة تشكيل متسارعة للنظام الدولي، بعد سلسلة المغامرات الترامبية التي بدأت مطلع العام الجاري بخطف الرئيس الفنزويلي، وتبعتها محاولة السيطرة على إيران، الفاشلة حتى الآن، فضلًا عن التهديد المتصاعد تجاه كوبا، هذا دون الحديث عن غرينلاند أو كندا وغيرها.

لذلك، يجانبنا الصواب، كمراقبين، إذا حاولنا حصر الزيارة في خانة الزيارات الثنائية العادية أو التقليدية. ويدعم هذا الاستنتاج المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الذي قال، في تعليقات استباقية بشأن الزيارة، إن لدى موسكو “توقعات جدية للغاية” منها.

بدوره، صرح مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف بأن الوفد الروسي سيكون من أضخم الوفود التي ترافق بوتين في زياراته الخارجية، إذ سيضم خمسة نواب لرئيس الوزراء، وثمانية وزراء، ورؤساء أقاليم، وممثلين عن كبرى الشركات الروسية. كما سيوقع الوفدان الروسي والصيني نحو أربعين وثيقة واتفاقية. وستُناقش خلال الزيارة ملفات الطاقة، وعلى رأسها مشروع “قوة سيبيريا-2″، إضافة إلى ملفات النفط والغاز والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

المهم بالنسبة إلينا، كمراقبين، في هذا الصدد، هو ما كشف عنه أوشاكوف من أن بوتين وشي جين بينغ سيتبنيان إعلانًا مشتركًا حول “قيام عالم متعدد الأقطاب وعلاقات دولية من نوع جديد”.

فعلى الرغم من نفي أوشاكوف وجود أي رابط بين زيارة بوتين وزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة إلى الصين، فإن توقيت الزيارة، التي جرى تنسيقها تقريبًا بالتوازي مع إعلان الحرب على إيران، لا يمكن إلا أن يثير التساؤلات.

فضلًا عن أن بوتين وشي سيحتفلان معًا بمرور خمسة وعشرين عامًا على معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون التي وقعتها موسكو وبكين، بعد نحو عام واحد فقط من تسيد بوتين مقاليد الحكم في الكرملين. وهي الاتفاقية التي كرست مبادئ الدعم المتبادل في حماية وحدة الدولة، واحترام خيارات التنمية، والتنسيق في القضايا الدولية.

ورغم اللغة الدبلوماسية الحذرة التي يستخدمها الطرفان، فإن التصريحات الروسية والصينية تكشف أن زيارة بوتين، في هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها النظام الدولي، تتجاوز بلا شك الطابع البروتوكولي التقليدي لمثل هذه الزيارات. فوزارة الخارجية الصينية استخدمت عبارات دبلوماسية مطاطة تحدثت عن مناقشة “قضايا عالمية وإقليمية” خلال الزيارة، بينما أكد بيسكوف أن جميع ملفات الاقتصاد ستكون مطروحة على الطاولة.

وهذه اللغة من الجانبين تجعلنا نستشعر أن موسكو وبكين تتعاملان بحذر شديد مع الصياغات السياسية، لأن مفاوضات اليوم عملية معقدة وكبيرة. وبالطبع، ستكون ملفات الطاقة في قلب المحادثات على المستوى الثنائي، ومع ذلك تدفعنا المعطيات المتاحة في هذا الملف إلى ترجيح عدم توقيع اتفاق نهائي بين الطرفين حول خط أنابيب “قوة سيبيريا-2” خلال هذه الزيارة، رغم وجود تقدم واضح في المفاوضات.

ومع ذلك، يمكن القول إن فرص توقيع اتفاق “قوة سيبيريا-2” خلال الزيارة الحالية أصبحت أكبر من أي وقت مضى، ذلك أن الظروف الدولية الراهنة، خصوصًا في ضوء الحرب على إيران وتبعاتها على تصاعد التوتر في الشرق الأوسط واستمرار أزمة مضيق هرمز، تجعل التعاون الطاقوي بين موسكو وبكين أكثر أهمية للطرفين.

وفي هذا السياق، لا يفوتنا الإشارة إلى ما تتداوله المواقع المختصة من أن الصين أوقفت، منذ أبريل (نيسان) 2025، شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بسبب الحروب التجارية والرسوم التي فرضتها إدارة ترمب، وهو ما يزيد بدوره من فرص التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

لذلك، لا شك في أن توقيع عقد “قوة سيبيريا-2” بين موسكو وبكين سيكون اختراقًا استراتيجيًا ضخمًا في علاقات البلدين، يتجاوز أهمية بقية الاتفاقيات، لأنه سيؤكد أن الصين أصبحت الشريك الرئيسي لروسيا في مجال الطاقة. فهذا الخط منوط به نقل الغاز الروسي الطبيعي الذي كان مخصصًا لأوروبا عبر خط “السيل الشمالي”، الذي جرى تفجيره نهاية عام 2022.

كما أنه سيمنح روسيا أفضلية كبيرة في العلاقات مع الصين، إذ سيحول موسكو إلى المورد الأساسي للمواد الهيدروكربونية، غازًا ونفطًا، بالنسبة إلى الصين.

وبالطبع، إذا ثبتت توقعاتنا ولم يتم توقيع عقد “قوة سيبيريا-2” خلال هذه الزيارة، فلكي لا يُفسَّر ذلك على أنه فشل، سيتم توقيع اتفاقيات أخرى كثيرة وواسعة في مجالات الفضاء والتكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي، خصوصًا مع انطلاق “عام العلوم والتعليم” بين البلدين، علمًا بأن العلاقات الإنسانية بينهما مميزة بالفعل.

اللغة الروسية المتفائلة بشأن زيارة بوتين إلى الصين تقابلها رؤية غربية تحاول تصوير العلاقات بين الطرفين على أنها علاقة بين طرف محتاج وآخر قادر على العطاء، بمعنى أن الغرب يحاول إقناعنا بأن بوتين يتوجه إلى بكين وهو في موقع الطرف الأكثر احتياجًا. وأن هذه القمة مهمة للرئيس الروسي، خصوصًا بعد دخول حرب أوكرانيا طريقًا مسدودًا.

نعم، أتفق على أن حرب أوكرانيا، والدور الأوروبي فيها، حولاها، مع دخولها عامها الخامس، إلى حرب استنزاف لروسيا. كما أن التعويل على ترمب للضغط على الأوكرانيين والأوروبيين من أجل إيجاد حل يرضي بوتين لم يفلح، ولم يُفضِ إلى نتيجة جدية حتى الآن.

أما شي جين بينغ، فرغم استقباله الحافل لترمب، فإنه، في رأيي، يريد أن يظهر أنه يسعى إلى تعايش سلمي مع الولايات المتحدة، لكنه يتشارك مع بوتين رؤية عالمية مشتركة وجديدة. لذلك يسعى بوتين إلى تنسيق المواقف مع الصين قبل العودة إلى أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة أو أوكرانيا لإنهاء هذا الملف.

ومع ذلك، وحتى لو كانت هذه القراءة الغربية ليست بلا أساس بالكامل، فإنها تتجاهل، من وجهة نظري، حقيقة أن موسكو وبكين لم تعودا تنظران إلى علاقتهما باعتبارها مجرد شراكة مصلحية مؤقتة.

فالحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية دفعت روسيا إلى إعادة توجيه استراتيجيتها الاقتصادية والسياسية شرقًا بقوة وبوتيرة غير مسبوقة، بل بطريقة تنطوي على مراهنة كبيرة من بوتين على شي تحديدًا. وفي الوقت نفسه، أدى استمرار الضغط الأمريكي على بكين في ملفات التجارة والتكنولوجيا، فضلًا عن ملف تايوان، إلى جعل شي ينظر إلى وجود شريك استراتيجي بحجم روسيا بوصفه أمرًا بالغ الأهمية لتطور الصين ونموها المتسارع في المرحلة الراهنة.

وإذا قيّمنا العلاقة الاقتصادية بين روسيا والصين في هذه المرحلة، فسنرى أنها أصبحت ضخمة من حيث الحجم، لكنها تحمل تناقضات واضحة. فالبيانات الرسمية، التي راجعتها على عجالة من أجل كتابة هذا المقال، تفيد بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 228 مليار دولار، لكن جزءًا كبيرًا منه قائم على صادرات الطاقة والمواد الخام الروسية، مقابل الواردات الصناعية والتكنولوجية الصينية.

وبالطبع، خلقت العقوبات الغربية أزمة حقيقية في أنظمة الدفع، بعدما توقفت حتى بعض البنوك الصينية الصغيرة عن استقبال المدفوعات الروسية خوفًا من العقوبات الثانوية الأمريكية. ونتيجة لذلك، بات جزء من التجارة يمر عبر وسطاء في دول ثالثة أو عبر ترتيبات مالية معقدة.

أما الأزمة الأعمق، فتتمثل في اختلال ميزان القوة داخل العلاقة نفسها. فالصين تمتلك اقتصادًا وتكنولوجيا وأسواقًا عالمية تجعلها الطرف الأقوى بوضوح، بينما تعتمد روسيا بشكل متزايد على السوق الصينية بعد فقدان جزء كبير من الأسواق الأوروبية.

والمثال الأوضح في هذا السياق هو النفط الروسي الذي يُباع للصين بخصومات كبيرة، إضافة إلى الخلافات المستمرة حول أسعار الغاز في مشروع “قوة سيبيريا-2”. فالصين تريد غازًا بأسعار منخفضة قريبة من الأسعار الداخلية الروسية، وتحاول استغلال الوضع مستفيدة من امتلاكها بدائل متعددة، بينما تصر موسكو على أسعار مرتبطة بالنفط، كما كانت تفعل مع أوروبا.

ومع ذلك، يبدو أن الكرملين وبوتين يعتبران أن المكاسب السياسية والاستراتيجية الحالية في العلاقة مع بكين وشي تفوق المخاطر الاقتصادية.

فموسكو لا ترى نفسها اليوم دولة تبحث عن العودة إلى الغرب، بل تحاول الظهور بمظهر القوة الكبرى مجددًا، التي تعيد تموضعها داخل فضاء أوراسي جديد تكون الصين مركزه الاقتصادي الرئيسي، بينما تمثل روسيا أحد أعمدته الجيوسياسية والعسكرية، مستندة إلى ما تمتلكه من موارد هائلة في مجال الطاقة تسمح لها بلعب هذا الدور.

ولهذا، فإن حديث بوتين وشي عن “العالم متعدد الأقطاب” ليس مجرد شعار سياسي رنان، بل عقيدة سياسية حقيقية حاضرة في مخيلة الرجلين، وهما يصوغان منذ سنوات الآليات التي تمكنهما من تحقيق هذا الهدف، ويعملان وفق قاعدة: “نتفق فيما اتفقنا عليه، ونترك الخلافات لما بعد”.

وإذا نظرنا إلى الواقع، سنجد أن موسكو وبكين تعملان بالفعل على بناء منظومة موازية، فقد تبنتا التبادل بالعملات الوطنية منذ سنوات، حتى وصل حجم المعاملات بهما إلى 80% أو أكثر من حجم تجارتهما البينية، كما تسعيان بثبات إلى توسيع دور “بريكس”، فضلًا عن تطوير ممرات النقل عبر المنطقة الأوراسية، وأقصد بذلك مشروعي “شمال–جنوب” و”غرب–شرق” الضخمين لنقل البضائع. أضف إلى ذلك سعيهما إلى بناء أنظمة دفع مستقلة، بعيدة عن نظام “سويفت” الغربي أو بديلة له، مع تعزيز التعاون في التكنولوجيا والطاقة والتعليم والدفاع في الوقت ذاته.

وبناء على كل ما سبق، فإن السؤال الحقيقي الذي ستكشفه السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت روسيا والصين قادرتين على توقيع أربعين اتفاقية إضافية، بخلاف مئات الاتفاقيات الموقعة بينهما، وإنما ما إذا كانت موسكو وبكين قادرتين بالفعل على بناء مركز قوة عالمي مستقل عن الهيمنة الغربية.

حتى الآن، يبدو شي أكثر حذرًا في هذه المسألة، بينما يتحرك بوتين بجرأة أكبر وبوتيرة أسرع وأكثر صدامية، وربما كان السبب في ذلك مفهومًا، فالرجل واقع تحت ضغط حرب وعقوبات لا ترحم.

لذلك، من المؤكد بالنسبة إليّ، كمراقب قابع في مكتبه على بعد مئات قليلة من الأمتار من قصر الكرملين، أن زيارة بوتين الحالية إلى بكين، من حيث توقيتها وما يتسرب عن مضمون أجندتها، لا يمكن تصنيفها حدثًا ثنائيًا تقليديًا في علاقات روسيا والصين، بل تمثل محطة جديدة في عملية إعادة تشكيل التوازنات الدولية، التي بدأت تتسارع منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حتى وصلنا إلى حرب إيران وما تكشفه أزمة مضيق هرمز من تجليات.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع