إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

باغرام.. هل يعود الجيش الأمريكي إلى “قلب آسيا”؟


  • 1 يناير 2026

شارك الموضوع

توصف بأنها أهم موقع “جيوسياسي” يربط بين آسيا الوسطى، وجنوب آسيا. كانت عنوانًا للقوة العسكرية منذ أن أسسها الاتحاد السوفيتي السابق في خمسينيات القرن الماضي. من يسيطر عليها يستطيع أن يرى بوضوح ما يجري في دول الجوار، مثل روسيا والصين. موقعها الحيوي جعلها مركزًا للعمليات العسكرية خلال الحروب في أفغانستان. حازت نفس المكان والمكانة الرفيعة في الإستراتيجية الأمريكية عندما احتل الجيش الأمريكي أفغانستان عام 2001، وكان لها المكانة نفسها عند سيطرة الاتحاد السوفيتي السابق عليها 10 سنوات من 1979 حتى 1989. باتت اليوم هي “العقدة الإستراتيجية” الأهم في حسابات السلام والاستقرار الطويل المدى في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، بل كل الجنوب الآسيوي. يراقبها الجميع من بعيد. أصبحت ورقة تفاوضية لدى 5 أطراف رئيسة، هي: أفغانستان، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وإيران.

أتحدث عن “قاعدة باغرام الجوية” التي أسسها الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وكانت محور العمليات العسكرية السوفيتية خلال عقد كامل؛ وذلك لأنها تقع في مكان مثالي شمال كابُل بنحو 50 كيلومترًا، وأنفقت الولايات المتحدة عليها ملايين الدولارات منذ غزو الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن أفغانستان حتى سحب الجيش الأمريكي من هناك، نهاية شهر أغسطس (آب) 2021 في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

اليوم، يصر الرئيس دونالد ترمب على استعادة “قاعدة باغرام” من جديد؛ بدعوى أن الولايات المتحدة أنفقت عليها ملايين الدولارات التي تعود إلى دافعي الضرائب الأمريكيين. ويؤكد المقربون من البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” الخطأ الفادح الذي وقعت فيه إدارة بايدن بالانسحاب من “قاعدة باغرام الإستراتيجية”، وبدأت معالم “صفقة” يعدّها البيت الأبيض تلوح في الأفق لاستعادة “قاعدة باغرام” مقابل مزايا سياسية واقتصادية يمكن أن يقدمها لحكومة طالبان الأفغانية، لكن على المستوى العلني ترفض طالبان العودة الأمريكية إلى قاعدة “باغرام” التي تبعد ساعة واحدة فقط بالطائرة على الحدود الغربية للصين، لكن ليس طالبان فقط من ترفض الاستعادة الأمريكية لقاعدة باغرام؛ بل ترفض الصين وروسيا والهند وإيران أي محاولة أمريكية للعودة إلى “قاعدة باغرام”، فلماذا تصر الولايات المتحدة والرئيس ترمب على العودة من جديد إلى “قاعدة باغرام” الأفغانية رغم الاحتلال الأمريكي للقاعدة الذي استمر نحو 20 عامًا؟ وما الأوراق التي تملكها روسيا والصين لإفشال أي صفقة بشأن “باغرام” بين واشنطن وكابُل؟ وهل الصفقة الأمريكية التي “تُطبَخ” يمكن أن يسيل لها لعاب “طالبان”؟

قلب الأوراسيا

لا يمكن النظر إلى “قاعدة باغرام” من منظور أنها قاعدة جوية فقط؛ فهي تقع في “قلب الأوراسيا”، حيث تقع في ولاية بروان شمال كابُل العاصمة بنحو 50 كيلومترًا فقط، ومن خلالها يمكن مراقبة النشاط العسكري والاستخباراتي لكل دول شمال القوقاز وجنوبه وروسيا والصين والهند وإيران وباكستان أيضًا، فهي مدينة عسكرية متكاملة من خلال البنية التحتية العسكرية التي وضعها الجيش الأمريكي خلال سنوات الاحتلال للقاعدة، حيث تستطيع استقبال جميع أنواع الطائرات، مثل “أف- 16″، و”أف- 35″، والقاذفات الإستراتيجية، مثل “بي 52″، وطائرات النقل العملاقة، مثل “سي 17″؛ لأن بها مدرجين، وطول المدرج الواحد يزيد على 3600 متر، وبها كذلك مستشفى عسكري لعلاج نحو 200 مصاب في وقت واحد، وتستطيع أن تستوعب أكثر من 10 آلاف جندي، بما يجعلها المكان المثالي لجميع الأهداف الأمريكية.

أولًا- الجائزة الكبرى

هناك محفزات قوية دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليس فقط بالمطالبة باستعادة “قاعدة باغرام”؛ بل بالتهديد بأمور سيئة إذا رفضت حكومة طالبان الطلب الأمريكي، وبعيدًا عن الأبعاد الشخصية في القضية، حيث يصور الرئيس الأمريكي خطوة الانسحاب الأمريكي من باغرام، عام 2021، في عهد جو بايدن، بأنها “فشل ذريع”، وأنه هو وإدارته الجمهورية “يصححون هذا الخطأ”، بعيدًا عن كل ذلك هناك مصالح حقيقية للولايات المتحدة للعودة إلى قاعدة “باغرام”، حيث يرى البيت الأبيض في باغرام “الجائزة الكبرى” في قلب آسيا، وهذه المصالح هي:

1- ساعة واحدة للتنين

ترى الولايات المتحدة في “قاعدة باغرام” منصة مثالية لمراقبة أنشطة الصين، ليس فقط التحركات الصينية في أفغانستان وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى؛ بل مراقبة الحدود الغربية للصين مع أفغانستان، حيث يقع إقليم “شينجيانغ” الذي تعتقد واشنطن أن الصين تنشر فيه نحو 100 صاروخ فرط صوتي، كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقًا استقصائيًّا عام 2024 قالت فيه إن الصين تنشر صوامع القنابل النووية في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، وهو إقليم تتنازع فيه السلطة الصينية مع سكانه المسلمين الذين يريدون الانفصال عن الدولة الصينية، وترى مراكز التفكير الأمريكية أن وجود القوات الأمريكية في “قاعدة باغرام” يجعلها قريبة من تقديم جميع أنواع الدعم لمسلمي الإيغور الصينيين إذا تفاقم الخلاف بين الصين ومقاطعة شينجيانغ، ومن خلال الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الأفغانية يمكن لواشنطن أن تعرقل الاندفاعة الصينية في أفغانستان بعد أن وقعت طالبان عددًا من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية مع بكين التي باتت مع روسيا من أبرز اللاعبين على الساحة الأفغانية منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، نهاية أغسطس (آب) 2021، وهناك قلق أمريكي من سيطرة الصين على مناجم الليثيوم الأفغانية، ويرى مستشارو ترمب أن وجودًا عسكريًّا في باغرام يمنح واشنطن “نفوذًا” للوصول إلى موارد أفغانستان الضخمة من المعادن النادرة والحرجة، وهي معادن أساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة التي تتنافس عليها واشنطن وبكين.

2- الدب الروسي

تعتقد الولايات المتحدة أن عودتها إلى قاعدة باغرام الجوية سوف يساعدها على رؤية كل الأنشطة الروسية في منطقتي جنوب القوقاز وآسيا الوسطى ومراقبتها، خصوصًا في ظل التحركات الروسية الأخيرة بالاعتراف بحكومة طالبان، والتقارب التاريخي بين الصين وروسيا، والعمل المشترك بين بكين وموسكو في دول آسيا الوسطى.

3- إيران

توفر قاعدة باغرام الجوية للولايات المتحدة متابعة الحدود الشرقية لإيران ومراقبتها، وبعد حرب الـ12 يومًا بين إسرائيل وإيران تقول المخابرات المركزية الأمريكية أن إيران نقلت جزءًا كبيرًا من أنشطتها الخاصة بالصواريخ البالستية، التي تعمل بالوقود الصلب، من غرب إيران إلى الحدود الشرقية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن شأن العودة العسكرية الأمريكية إلى قاعدة باغرام الجوية أن تتيح لواشنطن مراقبة دائمة، وعن قرب، لكل الأنشطة الإيرانية في الأجزاء الشرقية من إيران.

4- داعش وأخواته

تقوم التقديرات الأمريكية على أن أفغانستان والحدود الأفغانية الباكستانية مع دول آسيا الوسطى، ومنها كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان، تعدّها الجماعات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة، أرضًا خصبة، وتستعد للتوسع فيها بقوة غير مسبوقة خلال السنوات الخمس المقبلة؛ ولهذا يرى البنتاغون والمخابرات الأمريكية ضرورة قصوى في العودة إلى “قاعدة باغرام” لتكون قاعدة تجسس وجمع المعلومات عن جميع الأنشطة الإرهابية في المنطقة، خصوصًا تنظيم “داعش خراسان” الذي لم يبدأ بالفعل بالتوسع في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز فحسب؛ بل وصل نشاطه إلى شمال القوقاز وجنوب روسيا، بالإضافة إلى رصد عدد كبير من خلايا “داعش خراسان” داخل البلدان الأوروبية، وتأمل واشنطن موافقة طالبان على العودة إلى قاعدة باغرام لتحويل القاعدة إلى مقر لمحاربة الجماعات المتطرفة، حيث يمكن للطائرات المسيرة الأمريكية أن تقوم بقصف جوي سريع في غضون زمن قليل من رصد أي هدف في المنطقة.

ثانيًا- خيارات صينية

تدرك الصين أنها الهدف الأول في رغبة واشنطن بالعودة من جديد إلى قاعدة باغرام الجوية حتى تتحول باغرام إلى “خنجر” في ظهر الطموحات الصينية، خصوصًا ما يتعلق بمبادرة “الحزام والطريق”؛ ولهذا سوف تعمل الصين -بكل ما تملك- من أجل إجهاض أي عودة أمريكية إلى قاعدة باغرام من خلال مجموعة من الأدوات، وهي:

1- ظهير سياسي

تقدم الصين نفسها بوصفها “الظهير السياسي والدبلوماسي” لحكومة طالبان من خلال التلويح بالاعتراف بالحركة من جانب، وحماية طالبان في مجلس الأمن من أي عقوبات دولية باستخدام حق النقض (الفيتو)، وهناك معادلة صينية تقول إنها يمكن أن تعترف رسميًّا بحكم طالبان بشرط عدم وجود قوات أمريكية أو غربية.

2- التطويق الاقتصادي

لا تقول الصين مباشرة لأفغانستان إنها ضد العودة الأمريكية إلى قاعدة باغرام، لكنها تقوم بما يمكن وصفه بـ”التطويق الاقتصادي” للخطة الأمريكية؛ فمع أن أفغانستان غنية بالليثيوم، فإنها تحتاج إلى المال والتكنولوجيا الصينية لاستخراجه، وأسهمت الاستثمارات الصينية في تحقيق الاستقرار المالي لحكومة طالبان خلال 4 سنوات بعد الانسحاب الأمريكي، وهناك ثقة صينية بأن طالبان لن تقبل بعودة الأمريكيين إلى باغرام؛ لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى سحب الاستثمارات الصينية، وانهيار الاقتصاد الهش لطالبان، ودائمًا ما تذكر الصين شركاءها الأفغان بأن استثماراتها وتعاونها مع كابُل “غير مشروط”، وهي لا تتدخل في السياسة الداخلية للحركة، لكنها لا يمكن أن تقبل بعودة الجنود والطيارين الأمريكيين ليكونوا على حدودها الغربية مع أفغانستان؛ ولهذا فإن “المقاربة الصينية” واضحة تمامًا، وهي أن عودة الأمريكيين إلى أفغانستان تعني سحب الاستثمارات، والتوقف عن الدعم المالي لحكومة طالبان.

3- المنظمات الإقليمية

منذ حديث الرئيس ترمب عن العودة مرة أخرى إلى قاعدة باغرام الجوية قامت الصين بحملة علاقات عامة ضد هذه الفكرة، خصوصًا لدى الدول الآسيوية الأعضاء في منظمة “شنغهاي للتعاون”، حتى تحول الرفض الصيني إلى رفض إقليمي من الجميع ضد عودة الجيش الأمريكي من جديد إلى أفغانستان، ونجحت الصين في هذا الأمر إلى حد كبير، حيث تعارض غالبية الدول -ومنها الهند حليفة الولايات المتحدة- عودة واشنطن من جديد إلى قاعدة باغرام، ووصل النجاح الصيني إلى مرحلة إقناع دول الجوار الأفغاني بعدم منح البيت الأبيض أي فرصة لمرور الطائرات الأمريكية إلى أفغانستان، وهو ما يجعل العودة الأمريكية صعبة جدًّا من الناحية اللوجستية

4- تقديم البديل

تعلم الصين أن حركة طالبان تحتاج إلى دعم معلوماتي واستخباراتي ضد تنظيم داعش الذي ينشط بالقرب من الحدود الأفغانية الصينية؛ ولهذا تبذل الصين جهدًا كبيرًا لتوفير هذا الدعم لحكومة طالبان حتى لا تكون طالبان في حاجة إلى الدعم الأمريكي في هذا المجال، وتحقق الصين نتائج كبيرة في هذا المجال بالتعاون مع روسيا.

ثالثًا- روسيا والحظر الجيوسياسي

كانت روسيا واضحة تمامًا في رفض وجود “قاعدة أمريكية” في الحديقة الخلفية لها في قلب آسيا؛ ولهذا اعتمدت موسكو خطة يمكن أن نطلق عليها “الحظر الجيوسياسي” لأي عودة أمريكية إلى قاعدة باغرام، عن طريق مجموعة من المحاور، منها:

1- الخطوات الاستباقية

كانت روسيا سباقة في تخفيف الضغوط والحصار الخارجي عن طالبان، وكانت أول دولة تقيم علاقات دبلوماسية مع حركة طالبان، وقادت موسكو حملة دولية لتطبيع العلاقات بين العالم وحكومة طالبان حتى تقطع الطريق على عودة واشنطن المحتملة إلى قاعدة باغرام الجوية، ففي موسكو لا ينظرون إلى قاعدة باغرام بوصفها مجرد قاعدة جوية؛ بل يدركون أن واشنطن وحلفاءها في حلف دول شمال الأطلسي (الناتو) يحلمون بتحويلها إلى قاعدة لإطلاق كل التحركات الاستخباراتية بالقرب من الحدود الروسية، وخصوصًا في منطقة جنوب القوقاز، ويمكن لروسيا أن تسحب اعترافها بحكم حركة طالبان إذا قبلت طالبان بعودة الجيش الأمريكي إلى قاعدة باغرام.

2- صيغة موسكو

تعمل موسكو -بالتعاون مع الصين- على خلق رأي عام في المنطقة ضد عودة الولايات المتحدة من جديد إلى قاعدة باغرام، وتستخدم روسيا “صيغة موسكو للمشاورات بشأن أفغانستان”؛ لخلق إجماع إقليمي ضد واشنطن. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، نجحت موسكو في انتزاع بيان مشترك من 10 دول، بينها الهند وباكستان وإيران والصين، يصف محاولات نشر بنية تحتية عسكرية أجنبية في أفغانستان بأنها “غير مقبولة”.

3- الأمن الجماعي

نجحت روسيا في بناء “حائط صد” ضد عودة الجيش الأمريكي إلى قلب آسيا عندما نجحت في إقناع الدول في “منظمة الأمن الجماعي”، وخصوصًا طاجيكستان وأوزبكستان، بعدم منح واشنطن أي قواعد بديلة، أو مساعدة لوجستية لنشر الجيش الأمريكي من جديد في قاعدة باغرام الجوية؛ ولهذا عززت روسيا وجودها العسكري في “قاعدة 201” في طاجيكستان، وأجرت مناورات ضخمة بالقرب من الحدود الأفغانية حتى تقول إنها تستطيع أن توفر الدعم لدول المنطقة بالرغم من انشغال موسكو بتفاعلات الحرب في أوكرانيا

المؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لن يتوقف عن المطالبة باستعادة “قاعدة باغرام” الجوية بعد أن عيّن مبعوثًا خاصًا لشراء جزيرة غرينلاند الدانماركية، لكنه يواجه “حائط صد” سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا تقوده الصين وروسيا حتى لا تقبل حكومة طالبان بأي إغراءات أمريكية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع