أبحاث ودراسات

تحول إستراتيجي أم إعادة تدوير للنفوذ الروسي؟

المنتدى الاقتصادي الدولي الأول لآسيا الوسطى


  • 28 يوليو 2025

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: avesta

تعيش منطقة آسيا الوسطى منذ استقلال جمهورياتها الخمس مرحلة انتقالية تحاول فيها إعادة تموضعها بين قطبي النفوذ التقليديين؛ روسيا والصين، والانفتاح على قوى جديدة، كدول الخليج، وتركيا، ودول الاتحاد الأوروبي ومع تزايد التنافس الإقليمي والدولي، تمثل الفعاليات الاقتصادية المتعددة الأطراف أداة إستراتيجية لإعادة ترتيب التحالفات المستقبلية. وفي هذا السياق المعقد، حمل المنتدى الاقتصادي الدولي الأول لدول آسيا الوسطى الذي استضافته طاجيكستان في الثاني والعشرين من يوليو (تموز) الجاري أهمية استثنائية؛ لأنه يأتي في ظل تصاعد محاولات الاستقلال الاقتصادي النسبي عن روسيا، في مقابل محاولات حثيثة لتعزيز الحضور الصيني في البنى التحتية والاستثمارات في الجمهوريات الخمس ليتمثل التساؤل الرئيس لتلك الورقة في: هل يشكل المنتدى نقطة انطلاق فعلية لتكامل اقتصادي إقليمي، أم هو منصة جديدة تعكس صراعًا خفيًّا على مستقبل استقلال القرار الاقتصادي في تلك المنطقة؟

الدلالات الاقتصادية للمنتدى الدولي لآسيا الوسطى

عُقد المنتدى في دوشنبه -عاصمة طاجيكستان- بمشاركة أكثر من 500 ممثل من حكومات آسيا الوسطى وروسيا ومنظمات اقتصادية دولية، ليناقش خمسة محاور رئيسة،هي: التحول الرقمي، والطاقة النظيفة، والمناطق الاقتصادية الحرة، والثقافة والصناعات الإبداعية، والتكامل اللوجستي. ومن البعد الاقتصادي، يكشف المنتدى محاولة للانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي إلى نموذج قائم على المعرفة والرقمنة، غير أن التحديات البنيوية، مثل ضعف البنية التحتية، وتداخل النفوذ الجمركي، لا تزال قائمة، وقد شهد المنتدى توقيع خمس مذكرات تفاهم في إطار المناطق الحرة؛ ما يعكس التوجه نحو سياسات تحفيزية للاستثمار الأجنبي المباشر.

جاء المنتدى الاقتصادي الدولي لدول آسيا الوسطى في طاجيكستان في توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًّا، حيث تواجه المنطقة جملة من التحديات التنموية المرتبطة بالمتغيرات الإقليمية، وتعقيدات الحرب الروسية الأوكرانية، وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية. من هذا المنطلق، لم يكن المنتدى مجرد مساحة للتشاور؛ بل منصة لإعادة رسم الأولويات الاقتصادية، وتعزيز التكامل الإقليمي ضمن رؤية جديدة تأخذ في الحسبان الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، وتسريع التحول الرقمي، وخلق بيئات استثمارية أكثر انفتاحًا.

ولعل أبرز الطروحات الاقتصادية في المنتدى كان التركيز على مشروعات المناطق الحرة الاقتصادية، بما يشير إلى رغبة الدول المنظمة في تحفيز الاستثمار الأجنبي من خلال حوافز ضريبية وتشريعية، لا سيما في القطاعات غير التقليدية، كالخدمات الرقمية، والطاقة المتجددة، وهذا التوجه يعكس محاولة لتقليل الاعتماد على قطاعي النفط والغاز، والاتجاه نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا ومرونة، حيث فتح المنتدى أيضًا الباب أمام نقاش معمق عن أهمية البنية التحتية العابرة للحدود، ومنها السكك الحديدية، والطريق السريع، والطاقة، فربط الجمهوريات الخمس بعضها ببعض اقتصاديًّا يمثل شرطًا أساسيًّا لأي تكامل مستدام؛ ومن ثم ناقشت الوفود سبل تعزيز الممرات التجارية بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى، مع التركيز على تحويل المنطقة من مجرد معبر جغرافي إلى مركز توزيع ذي قيمة مضافة، وهذا يتطلب استثمارات ضخمة في قطاع اللوجستيات، والمواني الجافة، وإصلاحات تنظيمية في الجمارك، وتيسير التجارة البينية.

كذلك أظهر المنتدى اهتمامًا متزايدًا باقتصاد المعرفة والرقمنة، مع إعلان عدد من المبادرات في مجال الاقتصاد الرقمي، أبرزها خطط لإنشاء منصات موحدة للتجارة الإلكترونية بين دول آسيا الوسطى، وتطوير بيئات تشريعية داعمة للشركات الناشئة المحلية، وقد طُرح مشروع مشترك يهدف إلى تدريب 100 ألف شاب في مجالات البرمجة وتكنولوجيا المعلومات بحلول عام 2030، ما يشير إلى إدراك متزايد بأن التحول الرقمي قد يكون المدخل الأسرع لرفع إنتاجية الاقتصاد، ومعدلات التوظيف في دول آسيا الوسطى.

لكن لا يمكن إغفال أن الخطط المطروحة تظل طموحة، إذ تواجهها تحديات كبرى تتعلق بضعف التمويل، وتفاوت البنية التحتية، واختلاف الإيقاعات الاقتصادية بين الجمهوريات الخمس؛ فبينما تسعى كازاخستان وأوزبكستان إلى جذب استثمارات صناعية كبرى، فإن طاجيكستان وقرغيزستان ما زالتا تعانيان هشاشة اقتصادية تجعل من الصعب المضي قدمًا في مشروعات تكاملية واسعة دون دعم خارجي حقيقي. ورغم هذه التحديات، فإن المنتدى قدم إشارات قوية إلى وجود إرادة سياسية للتعاون الاقتصادي، خاصةً في ظل غياب الهيمنة الاقتصادية المطلقة لقوة خارجية؛ ما يترك المجال أمام الشراكات المتعددة الأطراف، وتبدو هذه النقطة محورية في تصور مستقبل المنتدى، إذ من المرجح أن يتحول في دوراته المقبلة إلى منصة لاجتذاب الاستثمارات من قوى متعددة، مثل دول الخليج، وتركيا، والهند، وكوريا الجنوبية؛ ما يُعزز فرص بناء شبكات اقتصادية متوازنة تخفف من الاستقطاب الأحادي.

الدلالات الجيوسياسية للمنتدى الاقتصادي الدولي لآسيا الوسطى

يحمل المنتدى رسائل سياسية ضمنية تتجاوز الرسائل المعلنة على الشق الاقتصادي، فمع أن الخطاب الرسمي للمنتدى ركز على ملفات رقمية وتجارية واستثمارية، فإن الحضور السياسي للمشاركين، والرمزية في التمثيل والمخرجات، تشير إلى أجندات جيوسياسية ضمنية تحاول دول آسيا الوسطى رسمها من خلال هذا الإطار، إذ مثّل الحضور الروسي محاولة واضحة لإعادة تثبيت النفوذ الروسي في المنطقة من خلال أدوات ناعمة، بعد تراجعه النسبي في قطاعات أخرى. في المقابل، لوحظ غياب التمثيل الصيني المباشر، وهو ما يُفسر بأنه رغبة في الحفاظ على مسافة إستراتيجية، أو استبعاد مقصود ضمن إعادة التوازن داخل آسيا الوسطى، كما شهد المنتدى مشاركة جزئية من بعض الأطراف الخليجية كالإمارات؛ ما يشير إلى اهتمام صاعد بالمنطقة بوصفها منصة استثمارية ومجالًا تنافسيًّا إستراتيجيًّا.

ومن هذا يمكن فهم المنتدى على أنه محاولة لبناء منصة تفاهم إقليمي مرنة لا تُقيد بإملاءات من القوى الكبرى، حيث يظهر ذلك في تركيز المنتدى على مشروعات المناطق الحرة والرقمنة، وهي مجالات يصعب تطويعها مباشرة ضمن شبكات النفوذ الجيوسياسي التقليدي، كما أن تركيز طاجيكستان على جعل المنتدى سنويًّا يعكس رغبة سياسية في التمايز عن الإيقاع الروسي الصيني الذي يطغى على أغلب المنصات الإقليمية الحالية، فيسعى قادة آسيا الوسطى -على ما يبدو- إلى خلق مساحة ذاتية لاتخاذ القرار الإقليمي، تستفيد من الجميع دون أن تكون خاضعة لأحد. أما على الجانب الجيوسياسي، فإن توقيت المنتدى ومكانه ليسا مجرد تفصيل بروتوكولي؛ فطاجيكستان، التي تحتفظ بعلاقات تقليدية قوية مع روسيا، استثمرت هذا الموقع الجغرافي والسياسي لعقد المنتدى في لحظة حرجة تشهد فيها موسكو انشغالات أمنية واقتصادية بسبب الحرب الأوكرانية، وتراجع نفوذها في محيطها التقليدي، غير أن روسيا حاولت استثمار المنتدى لاستعادة تموضعها من خلال أدوات ناعمة، مثل مؤسسة “روسكونغرس” التي شاركت بفعالية في تنظيم المنتدى، وطرح مقترحات تكاملية ذات طابع روسي. ومن خلال هذا  تسعى موسكو إلى إعادة ضبط الحضور، دون اللجوء إلى الأدوات العسكرية أو الاقتصادية الجامدة.

في المقابل، فإن الحضور الصيني ظل منخفض النبرة، إذ لم يُسجل تمثيل رسمي رفيع المستوى لبكين في جلسات المنتدى؛ ما يوحي إما بتقدير صيني دقيق لعدم التصعيد في التنافس الإقليمي، وإما بتعبير ضمني عن فتور تجاه مسار مستقل قد يتشكل خارج نطاق مبادرة “الحزام والطريق”.  هذا الغياب الصيني الفعلي لم يلغِ الحضور الصيني الافتراضي من خلال البنية التحتية الرقمية والربط اللوجستي، لكنه يُبرز ميل بكين إلى الاحتفاظ بموقع المراقب أكثر من الفاعل. ومن الزاوية الخليجية، مثلت المشاركة الإماراتية المحدودة إشارة واضحة إلى أن دول الخليج بدأت ترى في آسيا الوسطى مجالًا إستراتيجيًّا جديدًا، ليس فقط لتوسيع النفوذ الاقتصادي؛ بل أيضًا لتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية في ظل الأزمات العالمية. هذه المشاركة قد تكون مقدمة لبناء تحالفات اقتصادية ناعمة مع جمهوريات آسيا الوسطى في مجالات مثل الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية والثقافة، وهي ملفات تفتح المجال لمنافسة غير مباشرة مع روسيا والصين وتركيا.

من هذا المنظور، لا يبدو المنتدى الاقتصادي الدولي مجرد فعالية اقتصادية؛ بل منصة محتملة لإعادة هندسة التفاعل الجيوسياسي في آسيا الوسطى، والبحث عن معادلة توازن جديدة تحترم استقلال القرار الإقليمي، مع فتح المجال أمام تعددية شراكات إستراتيجية، لكن يظل نجاح هذا المسار مشروطًا باستدامة المنتدى، وتحويله إلى أداة دبلوماسية إقليمية دائمة، توازي المنصات التقليدية الروسية الصينية، وتُشرك قوى متوسطة بطريقة مرنة وغير صدامية.

الفرص والتحديات المطروحة أمام المنتدى الاقتصادي الدولي لآسيا الوسطى

يمنح المنتدى فرصة لتكريس نمط جديد من الترابط الاقتصادي بين دول آسيا الوسطى، يعزز الاستقلالية النسبية، ويخفف الاعتماد على الأطراف الخارجية، ويحمل فرصًا تتعلق ببناء سلاسل قيمة إقليمية، وتطوير البنية الرقمية، فضلًا عن تحقيق قدر أكبر من التنسيق في سياسات الطاقة والمياه. في المقابل، تواجه دول المنطقة تحديات بنيوية وسياسية مرتبطة بضعف المؤسسات الإقليمية، والتوترات الحدودية، وتضارب المصالح بين الجمهوريات الخمس، غير أن المنتدى الاقتصادي الدولي لآسيا الوسطى شكل منعطفًا مهمًّا في سياق تطلع جمهوريات آسيا الوسطى إلى بناء منظومة تعاون اقتصادي ذاتي، تنبع من الداخل، وتخدم أولويات التنمية الوطنية. ومع أن المنتدى جاء محاطًا بخطابات رسمية واعدة، فإن الواقع يفرض قراءة دقيقة توازن بين ما يتيحه من فرص نوعية، وما يواجهه من تحديات هيكلية قد تُضعف زخمه، ما لم تُعالج بجدية واستباقية.

فعلى مستوى الفرص المطروحة، يفتح المنتدى نافذة إستراتيجية أمام جمهوريات آسيا الوسطى لإعادة تموضعها داخل شبكة الاقتصاد العالمي، بعيدًا عن الارتباط المفرط بقوى تقليدية كروسيا والصين؛ ففي ظل التوترات الجيوسياسية، وتراجع استقرار سلاسل التوريد العالمية، تصبح آسيا الوسطى موقعًا جذابًا للاستثمارات التي تبحث عن بدائل أكثر استقرارًا وربحية، وقد أبرز المنتدى طموح هذه الدول في استقطاب الاستثمارات من خلال مشروعات المناطق الحرة والبنية التحتية العابرة للحدود والتحول الرقمي، وهي قطاعات تمثّل فرص نمو متسارعة بأقل درجات من المخاطرة.

بالإضافة إلى هذا، يشكل المنتدى فرصة لإحياء التكامل الإقليمي بين دول المنطقة، التي رغم روابطها الثقافية والتاريخية، ظلت -عقودًا- رهينة التنافس السياسي والقطيعة الاقتصادية؛ فمن خلال تعزيز قنوات الحوار، وتبني برامج تنموية عابرة للحدود، يمكن للمنتدى أن يُسهم في تحويل آسيا الوسطى من تكتل جغرافي غير مترابط إلى منطقة تعاون إنتاجي ذات طابع تكاملي. هذا التحول من شأنه أن يُضاعف الفوائد الاقتصادية، ويُعزز القدرة التفاوضية الجماعية للدول الخمس على المستوى الدولي، كما يوفر المنتدى منبرًا غير رسمي لبناء شراكات خارجية متوازنة، فبخلاف المنتديات ذات الطابع السياسي أو الأمني، يسمح الطابع الاقتصادي للمنتدى باستقطاب أطراف جديدة غير تقليدية، مثل دول الخليج، والهند، وكوريا الجنوبية، ويتيح ذلك تنويع الشركاء الاقتصاديين، ويُعزز فرص نقل التكنولوجيا والاستفادة من خبرات متعددة.

ورغم هذه الفرص، فإن المنتدى يواجه حزمة من التحديات البنيوية التي تهدد قدرته على التحول إلى منصة دائمة وفعالة، أول هذه التحديات يتمثل في غياب رؤية مؤسساتية واضحة؛ فحتى الآن لا يوجد إطار قانوني ملزم، أو سكرتارية دائمة تدير المتابعة والتنفيذ؛ ما يثير مخاوف من أن يتحول المنتدى إلى فعالية رمزية موسمية بلا تأثير عملي ملموس. إضافة إلى ذلك، تظل التباينات الاقتصادية بين الدول المشاركة كبيرة، سواء من حيث حجم الاقتصاد، أو مستوى الانفتاح، أو الجاهزية المؤسسية؛ ما يصعب تنسيق السياسات على نحو متوازن. كما تواجه الدول المشاركة كذلك تحديات تمويلية ولوجستية، خاصةً أن العديد من المشاريع الطموحة التي نوقشت في المنتدى مثل الممرات التجارية الرقمية، أو المناطق الحرة، تتطلب استثمارات ضخمة لا تتوافر بسهولة في ظل موازنات عامة تعاني عجزًا وضعفًا في العائدات غير الريعية، كما أن استمرار بعض النزاعات الحدودية والتوترات الثنائية بين بعض الجمهوريات قد يُضعف مناخ الثقة، ويؤثر في جاهزية المستثمرين الخارجيين للانخراط في تلك البلدان. فضلًا عما سبق، لا يمكن إغفال التحديات الجيوسياسية المحيطة بالمنتدى، فالدول الكبرى الموجودة تقليديًّا في المنطقة، مثل روسيا والصين، قد تنظر بعين الريبة إلى أي مساعٍ إقليمية للاستقلال الاقتصادي، خاصةً إذا خرجت عن أطر النفوذ التقليدية، وفي حال عدم إدماج هذه القوى على نحو متوازن ضمن إطار المنتدى، قد تتولد ضغوط غير مباشرة لتعطيل مساره، أو تقليص فرصه في التمويل والدعم اللوجستي.

مستقبل المنتدى الاقتصادي الدولي في ضوء النماذج الإقليمية

يمثل المنتدى الاقتصادي الدولي لدول آسيا الوسطى محاولة جادة من جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي لبناء إطار إقليمي خاص بها، بعيدًا عن المدار الروسي الصلب، أو الهيمنة الصينية المتزايدة. وعند مقارنة المنتدى الاقتصادي الدولي لدول آسيا الوسطى بمنصات إقليمية مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، يظهر الفرق الأهم في الطابع المحدد لكليهما؛ فبينما يمثل الأول مبادرة مرنة غير مؤسسية تركز على المشروعات والتفاهمات الطوعية، يشكل الثاني إطارًا أكثر صرامة تُهيمن عليه موسكو. كما أن أحد أبرز النماذج التي يُمكن مقارنتها هو “منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ” (APEC)، الذي تأسس عام 1989. ورغم الاختلاف الجغرافي والتاريخي، فإن APEC يُقدم مثالًا على كيفية تطور المنتديات الاقتصادية من منصات تشاورية مرنة إلى أدوات مؤسسية ذات تأثير فعلي في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية، وما يُميزه هو اعتماده على مبادئ عدم الإلزام والعمل التوافقي، مما سمح له بتجاوز التباينات السياسية بين أعضائه. وفي المقابل، لا يزال منتدى آسيا الوسطى يفتقر إلى هذا التوازن الدقيق، إذ لم يتبلور بعد كيان مؤسسي قادر على ضبط الأولويات، أو تجاوز النزعات السيادية القومية التي تعوق العمل الجماعي.

ومن جهة أخرى، يمكن مقارنة المنتدى بمبادرة “رابطة دول جنوب شرق آسيا” (ASEAN)، لا سيما في مرحلتها التأسيسية، فـ ASEAN نشأت من منطلق سياسي أمني، ثم تطورت لاحقًا إلى تكتل اقتصادي فعال، وقد اضطلعت المنتديات الاقتصادية التابعة لها، مثل “منتدى آسيان الاقتصادي الإقليمي“، بدور أساسي في خلق شبكة مصالح متداخلة بين الدول الأعضاء قلَّلَت احتمالات الصراع، وعززت الانفتاح على شركاء خارجيين، ما يُمكن أن يستفيد منه منتدى آسيا الوسطى في النمط التدريجي في البناء، حيث تُطرح قضايا التعاون الاقتصادي بوصفها مدخلًا لإعادة بناء الثقة السياسية؛ ومن ثم ترسيخ إطار مؤسسي أكثر صلابة.

كذلك، قد يُقارن المنتدى ببعض التجمعات الاقتصادية الناشئة في إفريقيا، مثل “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية” (AfCFTA)، التي انطلقت رسميًّا عام 2021، ورغم تنوع السياقات السياسية والاقتصادية للدول الأعضاء، تُظهر هذه التجربة كيف يمكن لتكتلات الجنوب العالمي أن تتجاوز ضعف البنية التحتية، وتفاوتات الأداء الاقتصادي من خلال التدرج في بناء السوق المشتركة، واستخدام آليات التحفيز الإقليمي المدعومة من الشركاء الدوليين؛ ما يعد تجربة ثرية لمنتدى آسيا الوسطى في استيعاب الفوارق التنموية، وتوظيف الشراكات الدولية لتجاوز العجز المحلي.

تكشف المقارنة السالفة الذكر عن أن المنتدى الاقتصادي لدول آسيا الوسطى لا يزال في مراحله الأولى، لكنه يتحرك في بيئة عالمية تؤهله لتقديم نموذج اقتصادي مستقل يؤسس لنظام إقليمي أكثر توازنًا، وما يحتاج إليه الآن ليس فقط إرادة سياسية؛ بل القدرة على مأسسة التعاون الإقليمي، والانتقال إلى أدوات للتنفيذ، ومن المبادرات الرمزية إلى عقود طويلة الأمد من التعاون المنضبط، يدعم هذا الطموح أن معظم التكتلات الاقتصادية الحالية تعاني فرط الهيكلة والجمود المؤسسي، في حين يتمتع منتدى آسيا الوسطى بميزة نسبية تتجسد في مرونته وتوقيته السياسي المناسب، فالدول الأعضاء لم تُنهك بعد في نزاعات داخلية أو فشل تكاملي؛ بل تسعى إلى إعادة بناء ذاتها في ظل متغيرات جيوسياسية تتيح لها أداء دور الوسيط، أو نقطة العبور بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

محصلة القول أن المنتدى الاقتصادي الدولي يعكس بداية تحول في الرؤية الاقتصادية لدول آسيا الوسطى، ويطرح إمكانية بناء شراكات إقليمية أقل اعتمادًا على مراكز القوى التقليدية، لكن استدامة هذا التحول مرهونة بقدرة الدول على ترسيخ أطر مؤسسية مستقلة، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتوفير البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال الطويلة الأجل، فضلًا عن الانفتاح على شراكات متعددة بعيدًا عن الاستقطاب الثنائي الروسي الصيني، على غرار الاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج -على نحو متوازن- لدعم الاستقلالية الاقتصادية الإقليمية.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع