تقدير موقف

المفاوضات الروسية- الأوكرانية بين التأجيل والتصعيد


  • 10 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: trtrussian

مع دخول الحرب الروسية- الأوكرانية عامها الرابع، ما زالت الجهود الدبلوماسية تتعثر أمام تعقيدات ميدانية وسياسية عميقة، رغم تزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والتوصل إلى تسوية سلمية. ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية على جبهات الشرق والجنوب الأوكراني، تحاول أطراف دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو وكييف، في مسعى لمنع انزلاق النزاع إلى مواجهة أوسع، وتهيئة أرضية سياسية قد تفضي في المدى المتوسط إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

طبيعة المسار التفاوضي الراهن

تتسم المفاوضات الروسية- الأوكرانية في المرحلة الراهنة بطابع غير مباشر، فلا تعقد اللقاءات الرسمية الشاملة بين وفدي البلدين، ولكنها تُدار من خلال الوسطاء الدوليين، الولايات المتحدة وتركيا والأمم المتحدة، إلى جانب أطراف أوروبية فاعلة. وهذا النمط يعكس حجم انعدام الثقة بين موسكو وكييف، واستمرار تمسك كل طرف بطموحاته التفاوضية العالية، التي تجعل أي اختراق سياسي حقيقي أمرًا صعبًا جدًّا.

وتركز الجهود الدبلوماسية الحالية على الملفات الجزئية، مثل تبادل الأسرى، وتأمين الملاحة في البحر الأسود، وحماية البنية التحتية المدنية، بوصفها خطوات إنسانية قد تمهّد لاحقًا لمحادثات أوسع حول وقف إطلاق النار.

وفي إطار هذه الجهود التفاوضية، أشارت تقارير صحفية أمريكية إلى أن جولات المفاوضات الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا انتهت بتقدم محدود، رغم وصفها رسميًّا بأنها بنّاءة. واقتصر هذا التقدم، على اتفاقات إنسانية كتبادل الأسرى، دون تحقيق اختراق حقيقي في القضايا الأساسية التي ترتبط بمستقبل الأراضي الأوكرانية والترتيبات الأمنية لما بعد الحرب.

وفى الوقت نفسه، ترى موسكو أنها تتفاوض من موقع قوة نسبيًّا، في ظل سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية، ما يقلل من استعدادها لتقديم تنازلات سياسية. في المقابل، أبدت كييف استعدادًا لتجميد خطوط التماس مؤقتًا، وقبول عدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي في المدى القريب، لكنها ترفض أي تسوية تتضمن الاعتراف بخسارة سيادتها أو تغيير الوضع القانوني لإقليم دونباس.

الضمانات الأمنية والدعم الغربي

وتعد مسألة الضمانات الأمنية حجر الزاوية في الموقف الأوكراني. تصر كييف على أن أي وقف للقتال يجب أن يكون مصحوبًا بضمانات أمنية غربية واضحة وملزمة، تحول دون تكرار الهجوم الروسي في المستقبل. وتطالب أوكرانيا بصيغة تضمن استمرار الدعم العسكري والتقني، وتعزز قدراتها الدفاعية، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية مؤقتة. كما واصلت الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تقديم الدعم العسكري والاقتصادي الواسع لأوكرانيا، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن هذا الدعم لا يلغي الحاجة إلى وجود حل سياسي. كما أن العواصم الأوروبية تبدو منقسمة نسبيًّا حول المدى الذي يجب أن تذهب إليه هذه الضمانات، خشية الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.

العضوية في الناتو ومسألة الحياد

تظل قضية انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي من أكثر الملفات الحساسة في المناقشات التفاوضية؛ فبينما ترى كييف أن الانضمام إلى الناتو يمثل الضمانة الأمنية القصوى لأمنها القومي، فإن موسكو ترى في هذا الخيار تهديدًا إستراتيجيًّا مباشرًا لأمنها، وتضعه في أساس مبرراتها للحرب.

وخلال النقاشات غير الرسمية طُرحت أفكار تتعلق بصيغ حياد أمني أو تأجيل طويل الأمد لمسألة العضوية، مقابل ترتيبات أمنية بديلة، لكن هذه الطروحات لم تتحول إلى مقترحات رسمية، في ظل رفض أوكراني واضح لأي التزام قانوني دائم بالحياد، من دون مقابل أمني صارم ومضمون.

الملف الإقليمي وحدود الدولة

تتمسك روسيا بسيطرتها على مناطق واسعة في شرق أوكرانيا وجنوبها، وتراها جزءًا من واقع سياسي جديد، في حين ترفض كييف الاعتراف بأي تغيير في حدودها المعترف بها دوليًّا، وتؤكد أن السيادة على هذه المناطق غير قابلة للتفاوض.

وتشير المواقف الأوروبية والأمريكية المعلنة إلى دعم مبدأ وحدة الأراضي الأوكرانية، مع ترك الباب مواربًا أمام الحلول السياسية طويلة الأمد، التي تشمل ترتيبات انتقالية أو آليات دولية خاصة، وهو ما ترفضه موسكو حتى الآن، معتبرة أن أي تراجع ميداني يمثل خسارة إستراتيجية غير مقبولة.

الأصول الروسية المجمدة وتمويل أوكرانيا

برز ملف الأصول الروسية المجمدة في الغرب بوصفه إحدى أهم أوراق الضغط الاقتصادية، إذ يناقش الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سبل استخدام عوائد هذه الأصول في تمويل دعم أوكرانيا وإعادة إعمارها مستقبلًا. وتدفع كييف باتجاه استخدام هذه الأموال مباشرة لتعويض خسائر الحرب، معتبرة ذلك حقًا مشروعًا. كما أن هذا التوجه يواجه عقبات قانونية وسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تخشى بعض الدول من التداعيات القانونية طويلة الأمد، ومن وضع عراقيل قد تؤثر على النظام المالي الدولي.

الموقف الروسي

تؤكد موسكو في خطابها الرسمي أنها منفتحة على الحلول السياسية، لكنها تشدد على أن أي اتفاق يجب أن يعكس “الوقائع الجديدة على الأرض”، ويضمن حياد أوكرانيا، ويضع حدًّا للتوسع الغربي شرقًا. وترفض روسيا أي وقف مؤقت لإطلاق النار لا يحقق هذه الشروط، معتبرة الهدن القصيرة فرصة لإعادة تسليح أوكرانيا. كما تواصل القيادة الروسية الربط بين المسار العسكري والمسار السياسي، في رسالة مفادها أن الضغط الميداني هو الوسيلة الأنجع لفرض شروط التفاوض.

وأخيرًا، تعكس تطورات المفاوضات الروسية- الأوكرانية حالة من الجمود الإستراتيجي، فقد لا يبدو أن أي من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات حقيقية في القضايا الأساسية، وفي مقدمتها ملف الأراضي والترتيبات الأمنية. ورغم التحركات الدبلوماسية المتزايدة، لا تزال فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة، في ظل تضارب الأهداف، واستمرار الرهان على تحسين شروط التفاوض من خلال الميدان العسكري. ويبرز المشهد التفاوضي الراهن بوصفه جزءًا من أزمة جيوسياسية مركبة، تتجاوز منطق الحوار التقليدي لوقف إطلاق النار، لتدخل في إطار إدارة صراع طويل الأمد.

وفى هذا الإطار، تحاول بعض الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، دفع أطراف النزاع إلى صيغ تفاوضية لاحتواء الحرب أو تجميدها، كما تواصل موسكو توظيف مكاسبها الميدانية كأداة ضغط سياسي على طاولة المفاوضات. ومع استمرار الهجمات على البنية التحتية الأوكرانية، تتزايد الشكوك بشأن مصداقية العملية التفاوضية نفسها، ومدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في ظل انعدام الثقة المتبادل بين الأطراف.

ولا تقتصر تداعيات هذا المسار على حدود النزاع المباشر، ولكنها تمتد لتعيد تشكيل موازين القوة في فضاء أوراسيا، وتلقي بظلالها على العلاقات الدولية، بما في ذلك الأمن الأوروبي وانعكاساته على الإقليم العربي، فالخلافات بشأن الضمانات الأمنية، ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف شمال الأطلسي، وخيارات تجميد خطوط التماس، من الممكن أن تفضي إلى ترتيبات مؤقتة تفصل بين الواقع العسكري والحلول السياسية الطويلة الأمد، دون معالجة جذور الصراع.

ولذلك يظل أي تقييم عملي للمفاوضات غير قابل للفصل عن التحولات الأوسع في النظام الدولي، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى، وتزيد اعتبارات الردع والنفوذ. ويظل التساؤل الأساسي مطروحًا: هل يمكن تحويل إدارة النزاع الحالية إلى مسار سياسي حقيقي يؤدي إلى استقرار دائم، أم أن الصراع سيظل مفتوحًا على احتمالات التأجيل والتصعيد، مع سلامٍ مؤجل تحكمه الحسابات الجيوسياسية أكثر مما تحكمه الاعتبارات الإنسانية؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع