
تظل الجهود الرامية إلى تأمين اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران محفوفة بالصعوبات، إذ يواصل كلا الجانبين التمسك بمطالبهما الأساسية. وقد أدت الخلافات السياسية والعسكرية والاقتصادية العميقة، إلى جانب الضغوط المحلية والإقليمية، إلى توقف التقدم، رغم الوساطة المستمرة ودبلوماسية القنوات الخلفية. وفي الوقت الحاضر، تبدو آفاق التوصل إلى اتفاق في المدى القريب محدودة. فلا تزال واشنطن وطهران متباعدتين بشأن القضايا الأساسية، بينما تستمر البيئة الجيوسياسية الأوسع في التدهور، مع عواقب وخيمة على الاستقرار العالمي والأسواق الاقتصادية.
أولًا: عملية دبلوماسية هشة
تسلط المفاوضات الأخيرة، التي جرت بوساطة باكستانية، الضوء على استمرار الانخراط الدبلوماسي وعمق الانقسام بين الجانبين. وفي أعقاب جولة أولى من المحادثات استمرت 21 ساعة في إسلام آباد وانتهت دون اتفاق، تجري الجهود حاليًا لتنظيم جولة ثانية.
وبرز قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، وسيطًا مركزيًا يسهل التواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران. وتؤكد زيارته الأخيرة إلى طهران، حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، دور باكستان المتزايد جسرًا دبلوماسيًا. وبينما يواصل الجانبان تبادل الرسائل عبر الوساطة الباكستانية، يحذر المسؤولون من أن التقدم لا يزال أوليًا. وعلى الرغم من وجود مؤشرات إلى التحرك نحو إطار عمل محتمل، فإن العقبات الكبيرة لا تزال قائمة.
ثانيًا: نقاط الخلاف الأساسية
كشف انهيار الجولة الأولى من المحادثات عن عدة خلافات جوهرية، أبرزها:
ثالثًا: روايات متباينة
ألقى كل جانب باللوم على الآخر في فشل المحادثات. فقد اتهمت القيادة الإيرانية واشنطن بمتابعة مطالب غير واقعية متجذرة في الهيمنة الاستراتيجية، مع التأكيد على التزامها بسيادتها واستقرارها الإقليمي. وفي المقابل، يؤكد المسؤولون الأمريكيون أن طموحات إيران النووية تظل العقبة المركزية أمام أي اتفاق.
ومن وجهة نظر واشنطن، فإن التقدم الملموس مستحيل دون قيود صارمة على برنامج طهران النووي. وتعكس هذه الروايات المتنافسة عجزًا أوسع في الثقة يستمر في تقويض المفاوضات.
رابعًا: مضيق هرمز نقطة اشتعال استراتيجية
تعد السيطرة على مضيق هرمز قضية مركزية في الصراع، وهو ممر بحري حيوي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وقد استخدمت إيران موقعها الجغرافي نقطة ضغط استراتيجية، ملمحة إلى قدرتها على تعطيل الملاحة ردًا على العقوبات والضغوط العسكرية.
وفي الوقت نفسه، تصر الولايات المتحدة على الحفاظ على حرية الملاحة، رافضة أي محاولة لربط الوصول البحري بالتنازلات السياسية. وأدت التطورات الأخيرة، بما في ذلك التهديدات للشحن التجاري والإجراءات الانتقامية الأمريكية، إلى تقليل حركة الناقلات بصورة كبيرة، ما زاد خطر المزيد من التصعيد.
خامسًا: التداعيات الاقتصادية والتأثير العالمي
أدى تعثر المفاوضات بالفعل إلى عواقب اقتصادية ملموسة، من أبرزها:
ويحذر المحللون من أن التعطيل الطويل قد يؤدي إلى سحب ملايين البراميل يوميًا من العرض العالمي، ما يفاقم التضخم ويرفع مخاطر الركود التضخمي.
سادسًا: الضغوط المحلية والاستراتيجية
يزداد المأزق الدبلوماسي تعقيدًا بسبب الديناميكيات السياسية الداخلية لدى كلا الجانبين. ففي واشنطن، تواجه الإدارة ضغوطًا متنافسة بين دعوات إلى تجنب المزيد من التصعيد العسكري، ومطالب الحلفاء والدوائر المحلية بالحفاظ على موقف متشدد.
وفي طهران، يضيف الضغط الاقتصادي إلحاحًا للمفاوضات، لكن الانقسامات السياسية داخل القيادة تعقد عملية صنع القرار. وتقلل هذه القيود من المرونة وتجعل التسوية أكثر صعوبة.
سابعًا: تقدم محدود رغم الفشل
على الرغم من غياب اتفاق رسمي، تمثل المحادثات تطورًا دبلوماسيًا ملحوظًا. فالمشاركة المباشرة رفيعة المستوى بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين، وهي غير مسبوقة منذ عقود، تشير إلى مصلحة مشتركة في تجنب صراع شامل.
وقد وصف المشاركون المناقشات بأنها جادة وبناءة في بعض الأحيان، ما يوحي بأن قنوات التفاوض المستقبلية لا تزال مفتوحة.
ثامنًا: المسارات الممكنة للمستقبل
مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الحالي، تبرز ثلاثة سيناريوهات:
ويؤكد فشل محادثات إسلام آباد عمق الانقسام بين واشنطن وطهران. وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة، فمع اقتراب الموعد النهائي لوقف إطلاق النار، سيعتمد مسار العلاقات على ما إذا كانت الدبلوماسية ستتغلب على عدم الثقة المتجذر، أم أن الأزمة ستتطور إلى مواجهة أوسع.
تاسعًا: مقابلة صحفية
أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الباحث المصري أحمد دهشان.
ستيفن صهيوني: يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الآن طهران بشأن مضيق هرمز، محذرًا من فرض حصار وعقوبات. برأيك، ما السبب وراء هذه التصريحات والتهديدات المتناقضة، وما رد طهران؟
أحمد دهشان: تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي وكأنها تعكس حجم المأزق الذي وقع فيه. ويبدو أنه اعتمد على تقارير إسرائيلية زعمت أن إسقاط النظام كان ممكنًا عبر اغتيال القيادات العليا في اليوم الأول، بما سيؤدي إلى انتفاضة شعبية، لكن ذلك لم يحدث. وبما أن هذه النظرية لم تتحقق، فإن الصراع الطويل دون غزو بري لا يؤتي ثماره، وهو ما اتضح خلال 40 يومًا من الحرب. ويرتبط التناقض الحالي جزئيًا بهذا الفشل، وجزئيًا بمحاولات تهدئة الأسواق التي يتهم البعض ترمب بالتلاعب بها لصالح جماعات ضغط معينة. أما رد إيران، فيبدو أنها تتبع استراتيجية تصعيد التوترات تجاه دول الخليج لرفع تكلفة الحرب عالميًا، مع التهديد بإغلاق مضيق هرمز، والاستعداد للمفاوضات في آن واحد.
ستيفن صهيوني: هناك ضغوط أمريكية على إسرائيل لوقف عملياتها في لبنان. هل سيمتثل نتنياهو لطلبات ترمب أم سيستمر حتى “القضاء على حزب الله”؟
أحمد دهشان: لا أعتقد أن لدى الجانب الإسرائيلي رغبة حقيقية في إنهاء الحرب. فنتنياهو يريد حالة حرب مستمرة لأنها تفيد شعبيته المتراجعة وائتلافه الحكومي، وتخدم حشد المجتمع الإسرائيلي المستقطب. أما القضاء على حزب الله، فتبدو مهمة مستحيلة دون تدخل أطراف لبنانية أو عربية. وبمفردها، تبدو قدرة إسرائيل على تحقيق ذلك صعبة للغاية، فأقصى ما يمكنها فعله هو التدمير والخراب كما حدث في غزة، وربما احتلال الشريط الحدودي لإنشاء منطقة عازلة.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير