
تناقلت وسائل الإعلام الروسية يوم 14 مارس (آذار) 2026 تصريحات تحمل طابعًا تهديديًا مباشرًا في دلالاته للقيادة الروسية بالتصفية والاغتيال، أدلت بها المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي الناطقة باللغة الروسية، واسمها آنا أوكولوفا، في مداخلة على منصة آر بي كا الإعلامية الروسية.
التهديدات التي صدرت عن أوكولوفا، وهي بالمناسبة من أصل أوكراني حسبما تقول مصادر روسية، وهاجرت مع عائلتها إلى إسرائيل عندما كان عمرها 12 عامًا، حتى وإن لم تأتِ بصيغة حرفية صريحة، إلا أن دلالاتها كانت واضحة تمامًا لكل من يتحدث الروسية، ولا مواربة فيها.
فالسيدة أوكولوفا تقول صراحة إن إسرائيل “تملك قدرات عالية وجدية تمكنها من الوصول إلى شخصيات مهمة جدًا” واغتيالها إن رأت تل أبيب ضرورة ذلك، وتضيف في ذات التصريح أنها تأمل “ألا تكون موسكو في هذه اللحظة تريد الشر لإسرائيل”، والاقتباسات هنا من نص تصريحاتها التي قالتها على الهواء مباشرة في منصة إعلامية روسية.
إن هذا البناء اللغوي في القراءة الروسية، وأنا بالمناسبة تخصصي الأول هو في اللغويات الروسية، لا يمكن قراءته كتصريح إعلامي، لأن ما قالته الناطقة باسم جيش الكيان هو رسالة تهديد مشروط موجهة إلى من قد تصنفه إسرائيل كخصم، وبالتالي سيكون مستهدفًا جسديًا للتصفية والاغتيال بغض النظر عن موقعه أو ثقله.
والمشكلة هنا، في رأيي، ليست في الجملة ذاتها التي نطقت بها أوكولوفا، بل في النموذج الذي تعكسه، والذي بالتالي علينا أن نتعاطى معه على أنه النموذج الذي ترسيه إسرائيل في سياق حربها المفتوحة ضد إيران وضد كل من يعارض هذه الحرب ولو بمجرد الرأي والكلام.
لم تعد تل أبيب تكتفي بتقديم نفسها كفاعل دفاعي، وإنما تحاول ترسيخ صورة ذهنية لدى دول العالم وشعوبها وقادتها بقدرتها على الاغتيال والوصول إلى القيادات، واستخدام ذلك كأداة ردع معلنة دون أن تخشى ملاحقة أو عقاب.
إن هذا الانتقال الوقح من السرية إلى العلنية، ومن الفعل الإجرامي إلى التباهي بالفعل الإجرامي، هو ما يعطي، من وجهة نظري الشخصية طبعًا، لتصريح السيدة أوكولوفا وزنه الحقيقي في موسكو. فحين يتحول استهداف القيادات إلى لغة إعلامية طبيعية — وأضع خطوطًا هنا تحت كلمة طبيعية بعد “إعلامية” — فإننا لا نكون بصدد تحليل خطاب، مجرد خطاب، بل نحن أمام محاولة إسرائيلية بجحة لإعادة رسم قواعد استخدام القوة ضد قيادات الدول.
الصحافة الروسية، عند بحثي لكيفية تعاملها مع هذا التصريح وتغطيته، وجدت بعضها — وهي صحف ووكالات كبيرة بالمناسبة — الميال بهذه الدرجة أو تلك، وإن على استحياء، لإسرائيل، حاول أن يتعامل مع تصريح متحدثة جيش الكيان بوصفه تعبيرًا عن تصعيد لغوي غير منضبط يعكس مناخًا إسرائيليًا مشحونًا أكثر مما يعكس دقة سياسية.
وهذا أمر يثير العجب في الواقع، ذلك أن الممارسة الإسرائيلية الفعلية في إيران تصرخ في وجوهنا بأن هذا ليس، ولا يمكن بحال، أن يكون انزلاقًا لغويًا لناطقة باسم تل أبيب، وإنما ترجمة إعلامية لعقيدة عملياتية قائمة كانت سرية والآن باتت معلنة، بل ويتباهى بها.
فكيف يمكن أن نتعامل مع ما يجري على أنه مجرد تصعيد، ونحن نراه انتقالًا إلى نموذج يستهدف البنية القيادية للدولة؟ فقولي لي: كيف يمكن أن نقرأ اغتيال علي لاريجاني، رجل السياسة الإيراني، بعد هذه التصريحات بيومين فقط؟
إن هذا النموذج الإسرائيلي إذا جرى تعميمه، ومن الواضح أن السياسة الإسرائيلية تنص على ذلك، فمعناه أن الخط الفاصل بين الحرب التقليدية وعمليات “قطع الرأس” قد تلاشى فعليًا بالنسبة لإسرائيل.
بل نقول بوضوح إن هذه التصريحات الإسرائيلية لا يمكن قراءتها إلا في سياق أنها تعكس تفكيك وتدمير وإهالة التراب على الضوابط غير المكتوبة بين الدول الكبرى، خصوصًا وأن ترامب منقاد أعمى وراء نتنياهو.
وما أقصده أن العلاقات الدولية، حتى في ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ومعسكرها والاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية، احتفظت دائمًا بخط أحمر غير معلن ينص على تحييد، أي استثناء واستبعاد، القيادات السياسية العليا من الاستهداف المباشر.
أما إسرائيل فكسرت، ولا تزال تواصل كسر، هذا الخط في تعاملها مع إيران، أما إذا كسرته مع دول أخرى — وهذا ما يبدو أنها تنوي فعله، ولو حتى على مستوى الخطاب — فيعني ذلك الدخول في مرحلة فوضى استراتيجية مفتوحة.
كما أن النقطة التي تعطي هذا الجدل بعدًا مختلفًا تمامًا جاءت أمس، وبعد أيام قليلة من هذا التصريح؛ يوم 19 مارس (آذار) 2026 استهدف طيران الاحتلال الإسرائيلي مراسل قناة آر تي الناطقة بالإنجليزية وطاقم تصويره وهو على الهواء مباشرة من جنوب لبنان، وكان المراسل يرتدي شارة الإعلام ويقف في منطقة خالية من الوجود العسكري اللبناني، أي إنه استهداف مع سبق الإصرار والترصد لمراسل قناة روسية حكومية بنية قتله.
الخارجية الروسية استدعت يوم 20 مارس (آذار) 2026 السفير الإسرائيلي لدى موسكو وقدمت له احتجاجًا شديد اللهجة على إصابة فريق آر تي في جنوب لبنان، وهنا الحديث لم يعد عن مجرد خطاب، بل عن ما يمكن وصفه باحتكاك ميداني مباشر، أي أن الملف ينتقل من مستوى ما قيل إلى مستوى ما فُعل.
إن هذا التزامن ليس عرضيًا، فالجمع بين اتساع العمليات العسكرية وتصاعد اللغة التهديدية يعكس نمطًا واضحًا، وهو سعي إسرائيلي لفرض قواعد اشتباك بالقوة، ثم تبريرها خطابيًا.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا لم يصدر رد روسي رسمي على تصريحات السيدة أوكولوفا التي تناولناها أول المقال؟
والإجابة هي، حسب فهمي للسلوك الروسي طبعًا، لا تتعلق بالتقليل من أهمية التصريح أو التهديد، بل بالعكس تمامًا، اختار الكرملين عدم الرد الرسمي لأنه يفهم جيدًا طبيعة هذا التصريح.
فالرد الرسمي كان سيمنحه وزنًا سياسيًا لم يكن يملكه، ويحوّله من مادة إعلامية إلى أزمة دبلوماسية قائمة بذاتها بين البلدين. لذلك تم التعامل معه وفق قاعدة روسية ثابتة، وهي: لا تُضخّم ما يمكن احتواؤه.
لكن الاستفهام الذي يظهر لدينا كمراقبين هو: أليست البراغماتية غير مناسبة في هذه الحالة؟ هل الحفاظ على قنوات الاتصال مع إسرائيل يحتمل تفويت هكذا كلام؟
قد يكون هذا هو جوهر الموقف الروسي بالفعل، بمعنى أنه رغم التوتر لا تزال هناك ملفات حساسة تحتاج إلى استمرار قنوات الاتصال، مثل سوريا والتوازنات الإقليمية، لأنها تتطلب حدًا أدنى من التنسيق.
هناك بالطبع سبب آخر تقتضي الموضوعية أن أذكره تعليقًا على عدم رد الفعل الروسي الرسمي على تهديدات متحدثة جيش إسرائيل، وهو أن العقيدة السياسية الروسية، حسب فهمي لها، تميز عادة بين التصريحات والفعل، بمعنى أنه جرت العادة أن الكرملين يسير على مبدأ: التصريحات تُراقب.. لكن الأفعال هي التي نحاسب عليها.
ولذلك جاء الرد على إصابة فريق آر تي، باعتبارها واقعة ملموسة، عبر خطوة دبلوماسية مباشرة، بينما تصريح المتحدثة باسم جيش الكيان تُرك في نطاقه الإعلامي. وهذا ليس تجاهلًا، بل ترتيب أولويات.
وختامًا أقول: تدخل العلاقة الروسية الإسرائيلية مرحلة تآكل — ولو أنه بطيء — في الثقة، وذلك مدفوع بتناقض عميق في تصورات استخدام القوة. ولننظر إلى فعل بوتين تجاه زيلينسكي وقيادات أوكرانيا، ولنتذكر في هذا الصدد تصريحات نفتالي بينت عن مكالمته مع بوتين، ووعد بوتين بعدم قتل زيلينسكي، ما جعله يخرج من مخبئه بأمان في الأيام الأولى للحرب ولا يزال؛ فقد أعطاه بوتين الأمان.
أما إسرائيل، فليس ولا يمكن أن يكون لها أمان، فقد قتل نتنياهو مرشد إيران علي خامنئي، الشيخ الكبير والشخصية السياسية والدينية، وغير العسكرية، وهو يتفاوض معه على شكل للسلام يجنب الشعوب الحرب وويلاتها.
فإسرائيل ونتنياهو يتحركان بمنطق يوسع دائرة الاستهداف ويشرعن الاغتيال، بينما يرى الكرملين وبوتين في ذلك تهديدًا لبنية النظام الدولي نفسه. لكن الرد الروسي سيكون حتمًا إذا مُسّت المصالح مباشرة. وأي انتقال إسرائيلي من الخطاب إلى الفعل في اتجاه يمس روسيا سيغير قواعد اللعبة بسرعة، وبصورة قد لا تبقى كما هو الحال الآن ضمن حدود ما يعرف بلعبة الاحتواء البارد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير