مقالات المركز

العلاقات الباكستانية- الأرمينية.. من التضامن الإسلامي إلى البراغماتية الجيو- اقتصادية


  • 4 يناير 2026

شارك الموضوع

يُعدّ إعلان باكستان نيتها فتح سفارة لها في يريفان -عاصمة أرمينيا- خلال عام 2026 -وفق ما نقلته وسائل إعلام أرمينية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025- خطوة دبلوماسية غير مسبوقة تحمل دلالات عميقة على مستوى العلاقات الثنائية والتوازنات الإقليمية. ويأتي هذا الإعلان تنفيذًا فعليًّا للبيان المشترك الذي وقّعه الجانبان في 31 أغسطس (آب) 2025 لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وهو ما يمثل انعطافة جذرية في سياسة إسلام آباد الخارجية تجاه دول جنوب القوقاز، خاصة في ظل العلاقات التاريخية المتوترة بين أرمينيا وكل من تركيا وأذربيجان، الحليفتين الإستراتيجيتين لباكستان.

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، اتّبعت باكستان سياسة ثابتة تجاه النزاع في إقليم ناغورنو كاراباخ، تقوم على دعم الموقف الأذربيجاني دعمًا كاملًا، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الديني- الهوياتي، فقد رفضت باكستان الاعتراف بأرمينيا دبلوماسيًّا أكثر من ثلاثة عقود، وكانت من أبرز الدول التي أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الأرمنية، ودعمت أذربيجان عسكريًّا على نحو غير مباشر (تدريب، وأسلحة، ودعم لوبي إسلامي). هذا الموقف كان امتدادًا لتحالف باكستان العميق مع تركيا في إطار “الأخوة الإسلامية”، ومنظمة التعاون الإسلامي، وكذلك للعلاقات الاستراتيجية المتنامية مع أذربيجان منذ التسعينيات، التي بلغت ذروتها في حرب كاراباخ الثانية 2020- 2021؛ لذلك فإن قرار إقامة علاقات دبلوماسية مع يريفان في 2025، ثم فتح سفارة في 2026، يمثل انقلابًا حقيقيًّا في هذه السياسة، ولا يمكن فهمه إلا في ضوء ثلاثة عوامل رئيسة مترابطة:

أولًا- تغيّر موازين القوى في جنوب القوقاز بعد 2020

انتصار أذربيجان في حرب 2020، واستعادة معظم أراضي كاراباخ، ثم العملية العسكرية الخاطفة في سبتمبر (أيلول) 2023 التي أنهت وجود “جمهورية آرتساخ” تمامًا، أزالا النزاع المسلح بوصفه عاملًا رئيسًا في سياسات الدول الخارجية تجاه الإقليم. لم تعد باكستان مضطرة إلى الحفاظ على “التضامن الإسلامي” المطلق مع باكو وأنقرة في مواجهة يريفان؛ لأن المسألة لم تعد “صراعًا دينيًّا”، أو “احتلالًا أرمينيًّا” كما كان يُصوَّر سابقًا. هذا التحول جعل إسلام آباد قادرة على فصل ملف العلاقات مع أرمينيا عن ملف دعم أذربيجان، خاصة أن باكو نفسها وقعت اتفاق سلام مع يريفان، وتسعى إلى فتح الحدود والمواصلات.

ثانيًا- الاعتبارات الجيوستراتيجية والاقتصادية الباكستانية الجديدة

تواجه باكستان في السنوات الأخيرة ضغوطًا اقتصادية وسياسية شديدة، وتحتاج إلى تنويع شراكاتها بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على السعودية وتركيا والصين. تمثل أرمينيا -رغم صغر حجمها- بوابة محتملة نحو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا، وهي عضو كامل العضوية فيه. كما أن يريفان تمتلك علاقات مميزة مع الهند وإيران وفرنسا واليونان، وهي دول تتمتع باكستان مع بعضها بعلاقات متوترة، أو معقدة (خاصة الهند). فتح السفارة قد يكون محاولة لفتح قنوات غير مباشرة، أو لأداء دور مستقبلي في الإقليم، أو حتى للضغط على الهند من خلال تعزيز وجودها في الفناء الخلفي الهندي التقليدي في القوقاز.

ثالثًا- تراجع النفوذ التركي وإعادة تموضع باكستان

شهدت العلاقات التركية- الباكستانية توترات غير معلنة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد انقلاب أردوغان على سياساته الإقليمية، لا سيما مع أرمينيا نفسها (زيارة تشاووش أوغلو ليريفان 2023، ثم بدء مفاوضات تطبيع كاملة). باكستان، التي كانت دائمًا تتبع خط أنقرة في ملف أرمينيا، وجدت نفسها اليوم أمام واقع جديد: تركيا نفسها تطبع مع يريفان، وأذربيجان توقّع اتفاق سلام؛ لذلك فإن إسلام آباد لا تريد أن تبقى الدولة الوحيدة في “المعسكر الإسلامي” التي لا علاقات لها مع أرمينيا؛ مما قد يضعف موقعها داخل منظمة التعاون الإسلامي، ويجعلها تبدو أكثر تطرفًا من تركيا وأذربيجان معًا.

من الدبلوماسية إلى الممرّات والأسواق

إلى جانب الأبعاد السياسية والجيوستراتيجية، فإن القرار الباكستاني يحمل زاوية اقتصادية عميقة ومتعددة الطبقات، لم تعد إسلام آباد قادرة على تجاهلها في ظل أزمتها الاقتصادية المستمرة منذ 2022، التي جعلت الناتج المحلي الإجمالي الاسمي يتراوح بين 340 و370 مليار دولار فقط، مع عجز تجاري مزمن يفوق 30- 40 مليار دولار سنويًّا، ودين خارجي يقترب من 130 مليار دولار.

أرمينيا بوصفها بوابة نحو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي  (EAEU)

أرمينيا عضو كامل في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (روسيا، وبيلاروس، وكازاخستان، وقرغيزستان، وأرمينيا) الذي يضم سوقًا موحدة تضم أكثر من 184 مليون مستهلك، وناتجًا إجماليًّا مشتركًا يتجاوز 2.2 تريليون دولار (2024). الوصول إلى هذه السوق كان شبه مستحيل لباكستان بسبب عدم وجود علاقات دبلوماسية مع يريفان. فتح السفارة يعني عمليًّا بدء مفاوضات تجارية رسمية قد تؤدي إلى:

  • اتفاقيات تجارة حرة أو تفضيلية مع الاتحاد الأوراسي.
  • إلغاء أو تخفيض التعرفة الجمركية الموحدة (تتراوح بين 5 و15% على معظم السلع الباكستانية).
  • فتح خطوط شحن بري وبحري مباشر عبر إيران- أرمينيا- جورجيا- البحر الأسود نحو أوروبا؛ مما يقلل زمن الشحن من 45 يومًا (عبر قناة السويس) إلى 18- 22 يومًا فقط.

الممر الإيراني- الأرميني الجديد ومنافسة الممر التركي- الأذربيجاني

تسعى باكستان منذ 2023 إلى تفعيل “ممر شمال- جنوب” الإيراني (چابهار- طهران- يريفان- باتومي) بديلًا جزئيًّا لممر زانغيزور الذي تسيطر عليه تركيا وأذربيجان. فتح السفارة يمنح إسلام آباد موطئ قدم رسميًّا في هذا الممر المنافس، ويفتح الباب أمام:

  • استثمارات باكستانية في ميناء چابهار الإيراني (حيث تملك الهند بالفعل امتيازًا لـ10 سنوات).
  • تمويل مشترك باكستاني- إيراني- أرمني لتحديث خطوط السكك الحديدية بين طهران ويولفا (الحدود الأرمينية).
  • تصدير المنسوجات والأرز والمنتجات الجلدية الباكستانية مباشرة إلى روسيا عبر أرمينيا بتكلفة أقل بنسبة 30- 40% من الطرق الحالية.

رغم صغر اقتصاد أرمينيا (نحو 24 مليار دولار في 2025)، فإنه يتمتع بنمو سنوي يتجاوز 7% منذ 2022، ويتميز بقطاعات عالية التقنية:

  • صناعة تكنولوجيا المعلومات (أكثر من 2100 شركة، تصدر بـ1.5 مليار دولار سنويًّا).
  • التعدين (نحاس، موليبدينوم، ذهب)، حيث تبحث يريفان عن مستثمرين جدد بعد مغادرة شركات روسية بسبب العقوبات.
  • الطاقة المتجددة (محطات كهرومائية صغيرة وطاقة شمسية).

تمتلك باكستان خبرة في المنسوجات والأدوية الجنيسة والأسمدة، ويمكنها إنشاء مصانع مشتركة في المناطق الحرة الأرمنية (ميغري، على الحدود الإيرانية) للتصدير إلى روسيا وأوروبا بتعرفة صفرية.

الضغط الاقتصادي على الهند عبر القوقاز

تعد أرمينيا الشريك الإستراتيجي الأول للهند في القوقاز (تصدير أسلحة هندية بـ600 مليون دولار منذ 2022، واستثمارات في ميناء چابهار). ترى باكستان في تعزيز وجودها الاقتصادي في أرمينيا وسيلة لموازنة النفوذ الهندي في الإقليم، وخاصة في مشروعات الممرّات. وجود شركات باكستانية في يريفان قد يُبطئ أو يُعرقل بعض المشروعات الهندية- الأرمنية- الإيرانية المشتركة.

التداعيات على العلاقات الاقتصادية مع أذربيجان وتركيا

أذربيجان هي اليوم الشريك التجاري رقم 42 لباكستان فقط (نحو 120 مليون دولار سنويًّا)، وتركيا هي الشريك رقم 9 (نحو 1.2 مليار دولار). أي خسارة محتملة في التجارة مع باكو وأنقرة بسبب الامتعاض السياسي ستكون محدودة جدًّا مقارنة بالمكاسب المحتملة من السوق الأوراسية. كما أن تركيا نفسها بدأت تصدير الكهرباء والسلع إلى أرمينيا منذ 2024؛ مما يجعل موقف باكستان أقل إحراجًا.

ردود الفعل والتداعيات المتوقعة

أثار القرار استياءً واضحًا في أذربيجان، حيث رأته بعض الأوساط السياسية في باكو “طعنة في الظهر”، رغم تأكيد إسلام آباد أن العلاقات مع يريفان لن تكون على حساب باكو. ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية تظهر أن أذربيجان نجحت في تحويل دعم باكستان إلى دعم عملي محدود جدًّا، وأن مصالحها اليوم مع روسيا وإسرائيل وتركيا أكثر أهمية من “التضامن الإسلامي” النظري. في المقابل، رحبت أرمينيا بالخطوة ترحيبًا حارًّا، ورأت فيها اختراقًا دبلوماسيًّا كبيرًا يعزز عزلتها السابقة داخل العالم الإسلامي.

القرار الباكستاني ليس مجرد تغيير سياسي؛ وإنما استثمار جيو- اقتصادي طويل الأمد يهدف إلى كسر الحصار الجغرافي الذي فرضته الهند وأفغانستان على باكستان من الشرق والغرب، وفتح محور ثالث (إيران- أرمينيا-البحر الأسود- أوروبا). في ظل أزمة مالية مستمرة واعتماد مفرط على قروض صندوق النقد وتحويلات المغتربين، أصبحت إسلام آباد مضطرة إلى تحويل حتى أكثر خصومها الأيديولوجيين السابقين إلى شركاء اقتصاديين محتملين. فتح السفارة في يريفان هو -في جوهره- خطوة براغماتية للوصول إلى أسواق وممرّات جديدة قد تُضيف بضعة مليارات من الدولارات إلى الصادرات الباكستانية خلال العقد المقبل، وتُقلل عزلتها الجيو-اقتصادية في عالم ما بعد حرب كاراباخ الثانية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع