
وصل العراق إلى لحظة حاسمة، عالقًا بين تصاعد الضغوط الأمريكية، واستمرار الجمود السياسي الداخلي، وتنامي التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران. فبعد اتصال هاتفي رفيع المستوى بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أشارت واشنطن إلى إعادة ضبط سياستها تجاه العراق، لتجمع بين تقليص الوجود العسكري واستخدام نفوذ مالي غير مسبوق، بالتوازي مع تسريع نقل آلاف من معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى عهدة العراق.
وفي صميم هذه المعادلة الجديدة رسالة واضحة: على العراق أن ينأى بنفسه عن الفصائل السياسية والمسلحة المتحالفة مع طهران، وإلا فسيواجه عواقب اقتصادية قاسية.
أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن روبيو والسوداني ناقشا الترتيبات اللوجستية والقانونية والأمنية اللازمة لاستقبال معتقلي داعش الذين كانوا محتجزين سابقًا في شمال شرق سوريا. ويأتي هذا التحرك في أعقاب انهيار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، وظهور حكومة جديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع، ما أدى إلى تغيير جذري في بنية احتجاز عناصر داعش بعد هزيمتهم.
وبحسب الصحفي ومقدم البرامج التليفزيونية العراقي سجاد جعفر، فإن نقل سجناء داعش لم يُفرض على بغداد؛ بل جاء بطلب منها كإجراء أمني استباقي.
وقال جعفر:
“نقل معتقلي داعش إلى العراق جاء بطلب من العراق نفسه كخطوة استباقية، استنادًا إلى تقييم تدهور الوضع الأمني في سوريا، وهو أمر تخشاه تقريبًا جميع دول المنطقة”.
ويؤكد مسؤولون عراقيون أن ترك إرهابيين متشددين في منشآت سورية غير مستقرة قد يفتح الباب أمام تسللهم مجددًا عبر الحدود. وينظر رئيس الوزراء السوداني إلى ملف السجناء على أنه “بوابة مفتوحة” للتهديد في حال فشلت سوريا في تأمينهم أو محاكمتهم على نحو فعال.
وبينما اقترحت دمشق محاكمة المقاتلين النشطين وإعادة غير المقاتلين إلى بلدانهم، اختارت بغداد نهجًا أكثر تشددًا، فقد أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان أن المعتقلين المطلوبين للقضاء العراقي سيُحاكمون بموجب قوانين مكافحة الإرهاب العراقية، مع تقديم ضمانات باحترام المعايير القانونية الدولية، وهي تأكيدات لا تزال موضع تشكيك من منظمات حقوق الإنسان التي تستحضر انتهاكات سابقة.
وصف المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جيمس جيفري عملية نقل المعتقلين بأنها نتيجة لنهاية ما سماه “عصر الجيوب الانعزالية”. فمع اعتبار حكومة الشرع في نظر واشنطن بديلًا عمليًّا عن مرحلة الأسد، انتهت فعليًّا الحماية الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية.
ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة قائمًا بين واشنطن ودمشق، لا سيما فيما يتعلق بمصير المقاتلين الأجانب. في المقابل، يُنظر إلى العراق على أنه دولة تمتلك آليات قضائية قائمة، ولديها مصلحة أمنية مباشرة، ما يجعله الوجهة المفضلة، رغم الأخطار السياسية المصاحبة.
يتقاطع ملف معتقلي داعش القادمين من سوريا مع سياق أوسع بكثير، يتمثل في تصاعد التكهنات بشأن ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران. ومع أن واشنطن لم تؤكد هذه الخطط، فإن المسؤولين العراقيين يدركون جيدًا أن أي صراع إقليمي سيتجاوز حدوده إلى داخل العراق.
وأكد جعفر أن بغداد تسعى إلى تحصين نفسها من أي تصعيد، قائلًا:
“العراق، بوصفه دولة مستقلة وجارًا لإيران، ليس معزولًا عما يجري، خاصة مع وجود مئات الكيلومترات من الحدود المشتركة والعلاقات العميقة. ومع ذلك، فإن القرار العراقي هو إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية والبقاء قدر الإمكان في موقع خفض التصعيد، مع السعي من خلال المسارات الدبلوماسية لتقليل التوتر”.
ويعكس هذا الموقف التجربة العراقية المريرة مع الهجوم الأمريكي وغزو واحتلال العراق، وإصرار بغداد على عدم التحول مرة أخرى إلى ساحة لصراعات بالوكالة.
بالتوازي مع المسار الأمني، رسمت واشنطن حدًّا سياسيًّا واضحًا فقد حذّر روبيو -بحسب التقارير- رئيس الوزراء السوداني من أن أي حكومة عراقية يُنظر إليها على أنها خاضعة لإيران ستعرّض العلاقات مع الولايات المتحدة للخطر.
وجاء هذا التحذير مباشرة بعد ترشيح الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي للعودة إلى المنصب. ولا يزال المالكي شخصية غير مرغوب بها في واشنطن، حيث يُحمّل مسؤولية سياسات طائفية أسهمت في صعود تنظيم داعش عام 2014.
ونقلت مصادر دبلوماسية لوكالة فرانس برس أن الولايات المتحدة أبلغت بغداد -على نحو غير رسمي- رفضها التعامل مع حكومة يرأسها المالكي. ورغم اعتراف مشرعين أمريكيين بأن اختيار رئيس الوزراء “قرار سيادي عراقي”، فإنهم شددوا على أن واشنطن ستتخذ قراراتها السيادية الخاصة فيما يتعلق بالعلاقات المالية والدبلوماسية.
الأكثر إثارة للقلق من الضغط السياسي هو تهديد واشنطن باستخدام اعتماد العراق المالي كورقة ضغط. ووفقًا لوكالة رويترز، وصحيفة فايننشال تايمز، حذر مسؤولون أمريكيون من أن إدماج جماعات مسلحة موالية لإيران في الحكومة قد يؤدي إلى فرض عقوبات أمريكية على الدولة العراقية نفسها.
وخلال الفترة التي كان يسيطر فيها تنظيم داعش على أجزاء كبيرة من سوريا والعراق، تشكلت عدة فصائل عراقية على هيئة ميليشيات بدعم إيراني. وقد قاتلت هذه الوحدات داعش، وكانت جزءًا من مجموعة قوى -من بينها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وقوات سوريا الديمقراطية، وروسيا، وسوريا- التي هزمت التنظيم. لاحقًا، وُضعت هذه الفصائل تحت مظلة الحكومة العراقية. وهذه هي الميليشيات التي تعترض عليها الولايات المتحدة بسبب ارتباطها بإيران، وقد شنت واشنطن في مناسبات كثيرة هجمات على مواقعها، رغم احتجاجات بغداد.
إن وجود القوات الأمريكية في العراق بوصفها “قوات ضيفة”، وفي الوقت نفسه مهاجمتها وقتلها عراقيين قاتلوا داعش، تسبب في حالة عميقة من انعدام الثقة والغضب بين البلدين.
ومنذ عام 2003، تُودَع عائدات النفط العراقية -التي تشكل نحو 90% من موازنة الدولة- في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، وهو ما يمنح واشنطن نفوذًا استثنائيًّا على تدفق الدولار إلى العراق.
وهذا التهديد ليس نظريًّا؛ ففي عام 2020، مورست ضغوط مماثلة عقب مطالبة بغداد بإخراج القوات الأمريكية. وفي أوائل عام 2025، أُجبر العراق على إنهاء نظام مزاد الدولار اليومي استجابة لمطالب أمريكية تهدف إلى الحد من تهريب العملة إلى إيران.
وبلغ التوتر ذروته -بحسب التقارير- بعد انتخاب عدنان فيحان، العضو السابق في عصائب أهل الحق، نائبًا أول لرئيس البرلمان. ووصفت فايننشال تايمز حالة “غضب انفجاري” داخل السفارة الأمريكية، حيث طالب مسؤولون أمريكيون بإقالته لتجنب إجراءات عقابية.
وفي عام 2003، هاجمت الولايات المتحدة العراق بهدف تغيير النظام، ونجحت في ذلك، فأطاحت برئيس سني وأقامت نظامًا تقوده أحزاب شيعية. لكن شيعة العراق كانوا دائمًا على ارتباط بإيران، وهي دولة ذات حكم شيعي أيضًا. وإذا كانت الولايات المتحدة غاضبة اليوم من تقارب العراق وإيران، فعليها أن تلوم الرئيس جورج دبليو بوش، وكولن باول، ورئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير.
وسط هذه الحملة من الضغوط، أعلن العراق استكمال انسحاب القوات الأمريكية من القواعد العسكرية الاتحادية، ومنها قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار. وأكد مسؤولون عراقيون وأمريكيون تسليم مقار قيادة التحالف إلى القوات العراقية.
لكن القوات الأمريكية لا تزال متمركزة في قاعدة حرير الجوية في إقليم كردستان، خارج السيطرة المباشرة لبغداد. ويفسر محللون هذه الخطوة على أنها انتقال إلى وجود أمريكي أخف، يعتمد على القوة الجوية والاستخبارات والنفوذ الاقتصادي بدلًا من الانتشار البري الواسع.
يقف العراق اليوم بين قوى متنافسة: الإكراه المالي الأمريكي، والنفوذ الإيراني، وأزمات الحكم غير المحلولة، والتهديد المستمر بعودة داعش. ويحاول رئيس الوزراء السوداني إدارة توازن دقيق، من خلال التعاون مع واشنطن أمنيًّا دون التسبب في تفكك داخلي، أو تصعيد إقليمي.
وستكون الجلسة البرلمانية المقبلة لانتخاب رئيس الجمهورية اختبارًا حاسمًا؛ فالخيارات التي سيتخذها العراق في الأيام المقبلة قد تحدد هل سينجح في عبور هذه التيارات المتعارضة، أم سينزلق نحو عزلة اقتصادية، وعدم استقرار متجدد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير