القضايا الاقتصادية

الطاقة كأداة دبلوماسية.. تنامي قدرات التكرير الهندية وآثارها السياسية


  • 6 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

أطلقت الهند مطلع التسعينيات برنامجا للتحرير الاقتصادي والاعتماد على القطاع الخاص، ليشهد قطاع الطاقة تحولا مهما. فبعدما كانت تعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية، أصبحت واحدة من أبرز مراكز التكرير والتصدير على مستوى العالم. وفي عام 1999، أنشأت شركة ريليانس إندستريز مصفاة جامناغار الضخمة. ولم تكن القدرة التكريرية الإجمالية في الهند تتجاوز 62 مليون طن متري سنويا عام 1998، لكنها ارتفعت تدريجيا لتصل حاليا إلى نحو 249-258 مليون طن متري سنويا، أي ما يعادل نحو خمسة ملايين برميل يوميا، مما جعل الهند رابع أكبر دولة في العالم من حيث قدرات التكرير بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا.

تضم الهند اليوم 23 مصفاة موزعة بين القطاع العام والخاص والمشترك، إلى جانب مجمع جامناغار التابع لريليانس، الذي يعد أكبر مجمع تكريري في موقع واحد على مستوى العالم، بقدرة تصل إلى 1.24 مليون برميل يوميا. ويتميز بقدرته على معالجة أنواع متعددة من الخامات الثقيلة والحامضية وتحويلها إلى منتجات عالية القيمة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات والبتروكيماويات.

ويعود هذا التحول التصديري إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها التعقيد التكنولوجي العالي للمصافي الهندية، وسياسات الحكومة الهادفة إلى تعزيز دور الهند كمركز عالمي للتكرير من خلال الإعفاءات الضريبية في المناطق الاقتصادية الخاصة، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية والمحلية. واستفاد القطاع أيضا من مرونة التشغيل التي تسمح بتبديل الإنتاج بين السوق المحلية والتصدير وفقا للطلب العالمي، مما منح الهند ميزة تنافسية قوية، خاصة في فترات الاضطرابات الجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، بعد عام 2022، أصبحت الصادرات الهندية إلى أوروبا مصدرا رئيسيا للديزل ووقود الطائرات، وملأت جزءا من الفراغ الناتج عن حظر المنتجات الروسية المباشرة.

وارتبطت العلاقة بين الهند وروسيا في مجال الطاقة بتحول كبير بعد فبراير (شباط) 2022، حيث أصبح استيراد الخام الروسي المخفض الثمن ركيزة أساسية في استراتيجية الأمن الطاقي الهندي. وقبل اندلاع الصراع في أوكرانيا، لم تكن حصة روسيا في واردات الهند من النفط الخام تتجاوز 1-2%، إذ اعتمدت البلاد بشكل أساسي على موردين تقليديين من غرب آسيا، مثل العراق والسعودية والإمارات.

ومع فرض الدول الغربية عقوبات واسعة على الصادرات الروسية، ووضع سقف سعري على الخام الروسي، وجدت موسكو في الهند سوقا بديلة كبيرة، في حين استفادت نيودلهي من الخصومات التي جعلت خام الأورال الروسي أرخص من خامات قياسية مثل برنت. وأدى ذلك إلى زيادة سريعة في الواردات، حيث ارتفعت حصة روسيا إلى نحو 15% عام 2022، ثم إلى 35-40% في السنوات اللاحقة، لتصل إلى ذروة قياسية في يونيو (حزيران) 2026، حين بلغت الواردات الروسية نحو 2.6 مليون برميل يوميا، أي أكثر من نصف إجمالي واردات الهند من الخام، البالغة 4.93 مليون برميل يوميا في ذلك الشهر.

وسمح الخام المخفض للمصافي الهندية بتحقيق هوامش ربح مرتفعة، خاصة في مجمعات مثل جامناغار التابعة لريليانس، وفادينار التابعة لنايارا إنرجي، التي تتمتع بتقنيات متقدمة تتناسب مع خصائص الخام الروسي. ونتيجة لذلك، انخفضت تكلفة فاتورة استيراد النفط الخام للهند رغم التقلبات في الأسعار العالمية، مما أسهم في تخفيف الضغط على الميزان التجاري ودعم استقرار أسعار الوقود المحلية.

وعزز هذا الاستيراد أيضا الأمن الطاقي للهند، إذ سمح بتنويع الموردين بعيدا عن الاعتماد المفرط على ممرات مثل مضيق هرمز، الذي شهد اضطرابات عام 2026، مما دفع الهند إلى زيادة الاعتماد على الإمدادات الروسية بوصفها بديلا موثوقا وتنافسيا. ومن جانب روسيا، شكلت الهند، إلى جانب الصين، منفذا حيويا لتصريف ملايين البراميل يوميا، مما حافظ على تدفق الإيرادات رغم العقوبات الغربية، وقلل من تأثيرها في الاقتصاد الروسي.

وأكد استيراد الخام الروسي مبدأ الاستقلالية الاستراتيجية الهندية، حيث رفضت نيودلهي الامتثال الكامل للضغوط الغربية، وأصرت على أن قراراتها في مجال الطاقة تخضع لمصالحها الوطنية أولا. وأدى ذلك إلى توترات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، التي هددت بفرض تعريفات جمركية عقابية، وأصدرت إعفاءات مؤقتة في بعض الفترات لأسباب عملية، من بينها الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية.

ورغم ذلك، استمرت العلاقات الهندية-الروسية في التعزز، مدعومة بتاريخ طويل من الشراكة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا، وأصبح النفط ملفا اقتصاديا يعمق هذه الروابط. وفي الوقت نفسه، سمح هذا النموذج لأوروبا بالحصول على منتجات مكررة بصورة غير مباشرة، مما أبرز تناقضات العقوبات الدولية ودور الوسطاء، مثل الهند، في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية.

لكن مع مرور الوقت، واجهت هذه العلاقة تحديات جديدة، مثل تشديد العقوبات الأوروبية والأمريكية خلال عامي 2025 و2026، التي شملت قيودا على المنتجات المشتقة من الخام الروسي، مما دفع المصافي الهندية إلى تطوير آليات لفصل التدفقات للحفاظ على الصادرات. وأسهمت اضطرابات مثل أزمة مضيق هرمز في تعزيز الاعتماد على الإمدادات الروسية كخيار أكثر أمانا. ومع ذلك، يظل الاستيراد الروسي خيارا استراتيجيا مستداما، يجمع بين الفوائد الاقتصادية والمرونة الجيوسياسية، مع الحرص على التنويع بين موردين آخرين لتجنب مخاطر التركيز المفرط.

قبل فبراير (شباط) 2022، لم تكن الهند مصدرا مهما للمشتقات النفطية إلى أوروبا، إذ تركزت صادراتها أساسا على أسواق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. لكن مع فرض الاتحاد الأوروبي حظرا على الخام والمنتجات النفطية الروسية المباشرة، وتطبيق سقف سعري على الخام الروسي، أصبحت الخامات الروسية متاحة بخصومات كبيرة للمشترين غير الغربيين.

واستغلت المصافي الهندية هذه الفرصة بشراء كميات كبيرة من الخام الروسي، ولا سيما خام الأورال، وتكريره في مصافيها المتقدمة، ثم تصدير المنتجات النهائية إلى أوروبا التي كانت تعاني نقصا في الإمدادات. وأدى هذا النموذج إلى ما أطلق عليه “الثغرة التكريرية”، التي سمحت للنفط الروسي بالوصول بصورة غير مباشرة إلى الأسواق الأوروبية عبر عمليات التكرير في دول ثالثة مثل الهند وتركيا.

وكانت أوروبا قد حظرت الاستيراد المباشر من روسيا لتقليص إيرادات موسكو المستخدمة في تمويل الحرب، لكنها لم تمنع في البداية استيراد المنتجات المكررة من خام روسي جرت معالجته خارج روسيا. واستفادت الهند من هذه الثغرة بشكل كبير، حيث أصبحت مصافيها، وعلى رأسها مجمع جامناغار التابع لريليانس إندستريز ومصفاة فادينار التابعة لنايارا إنرجي، المرتبطة جزئيا بروسنفت، مراكز رئيسية لتحويل الخام الروسي المخفض إلى منتجات عالية الجودة تلبي المواصفات الأوروبية.

وأسهمت هذه العملية في تعزيز هوامش الربح للمصافي الهندية وتوفير إيرادات تصديرية مهمة للاقتصاد الهندي، بينما حافظت روسيا على تدفق جزء من إيراداتها عبر هذه القناة غير المباشرة.

وارتفعت صادرات الهند من المشتقات النفطية إلى الاتحاد الأوروبي بشكل حاد بعد عام 2022. ففي السنة المالية 2022، قبل ظهور التأثير الكامل لهذه التحولات، بلغت قيمة هذه الصادرات نحو ستة مليارات دولار، لترتفع إلى نحو 14-15 مليار دولار سنويا في السنوات اللاحقة، مما جعل أوروبا سوقا حيوية للهند.

وشملت المنتجات الرئيسية الديزل، الذي شكل نسبة كبيرة من الصادرات، ووقود الطائرات، حيث تضاعفت صادرات الهند من وقود الطائرات إلى أوروبا ثلاث مرات أو أكثر مقارنة بما قبل الحرب، وأسهمت الهند بنسبة تصل إلى 15% من واردات أوروبا من هذا الوقود في بعض الفترات. وكانت هولندا الوجهة الرئيسية بوصفها مركزا لوجستيا، تليها دول أخرى مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا. واستفادت أوروبا من هذه الإمدادات في الحفاظ على استقرار أسواق الوقود، خاصة في قطاعي النقل والطيران، رغم الحظر المباشر المفروض على روسيا.

وأثارت هذه “الثغرة التكريرية” جدلا سياسيا واسعا داخل الاتحاد الأوروبي وبين حلفائه، إذ اعتبرت وسيلة غير مباشرة لتمويل الاقتصاد الروسي واستمرار الحرب في أوكرانيا. لذلك، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لإغلاقها ضمن حزمة العقوبات الثامنة عشرة ضد روسيا. ودخل الحظر الجديد حيز التنفيذ في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، ويقضي بمنع استيراد المنتجات النفطية المكررة من خام روسي في دول ثالثة، إلا إذا أثبتت المصفاة أنها لم تعالج أي خام روسي خلال الستين يوما السابقة للشحن، أو كانت تمتلك وحدات للفصل الفيزيائي بين التدفقات الروسية وغير الروسية. واستهدفت العقوبات أيضا بعض الكيانات المرتبطة بهذا النشاط، ومنها نايارا إنرجي.

وتكيفت المصافي الهندية بسرعة نسبية مع هذه التغييرات. وأعلنت ريليانس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وقف معالجة الخام الروسي في وحدة التصدير التابعة للمنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ) في جامناغار، وإعادة توجيهه إلى الوحدة المحلية (DTA)، مع الاعتماد على فصل التدفقات للحفاظ على الوصول إلى الأسواق الأوروبية.

وأدى ذلك إلى انخفاض حاد في الصادرات الهندية إلى أوروبا بعد يناير (كانون الثاني) 2026. فعلى سبيل المثال، توقفت صادرات الديزل الهندية إلى الاتحاد الأوروبي تماما في يناير (كانون الثاني)، وانخفضت الشحنات الإجمالية من الوقود إلى مستويات قياسية متدنية في مارس (آذار) 2026، لتبلغ نحو 18 ألف برميل يوميا، بانخفاض 94% على أساس سنوي.

وأعيد توجيه جزء كبير من هذه الصادرات إلى أسواق بديلة، مثل غرب أفريقيا، حيث سجلت صادرات الديزل الهندي إليها مستويات قياسية. ومع ذلك، استمرت بعض الشحنات “الخالية من الخام الروسي”، ومنها أول شحنة هندية من وقود الطائرات إلى إيطاليا في فبراير (شباط) 2026 بعد التكيف مع القيود الجديدة.

وعلى الرغم من الإغلاق الجزئي للثغرة، فإنها لم تغلق بالكامل، إذ لا يزال نحو 50 ألف برميل يوميا يتدفق إلى أوروبا من مصاف لا تمتلك فصلا واضحا، رغم الانخفاض الإجمالي بنسبة 69% في الواردات من المصافي المعنية خلال الفترة من فبراير (شباط) إلى أبريل (نيسان) 2026، مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025. واستمرت أيضا بعض التدفقات إلى دول أخرى ضمن التحالف الغربي، مثل الولايات المتحدة وأستراليا.

ويعكس هذا الوضع تحديات تطبيق العقوبات على سلاسل التوريد المعقدة، ويبرز دور الهند كوسيط مرن في تجارة الطاقة العالمية. وحققت الهند مكاسب كبيرة خلال هذه الفترة من خلال الإيرادات والأرباح، بينما استفادت أوروبا من الإمدادات على المدى القصير، لكنها واجهت انتقادات سياسية داخلية بشأن فعالية العقوبات. أما روسيا، فحافظت على جزء من إيراداتها غير المباشرة رغم التأثير العام للعقوبات.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع