
تتوسع الاحتجاجات بسرعة في جميع أنحاء إيران، وتمتد من المراكز التجارية الكبرى إلى الجامعات والمدن الإقليمية، مما يؤكد عمق الأزمة الاقتصادية في البلاد، ويضع النهج التصالحي المعلن حديثًا للحكومة تجاه المعارضة تحت أول اختبار رئيس له. ما بدأ كمظاهرات لتجار في سوق الهواتف المحمولة في طهران -أحد القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات العملة- امتد الآن إلى جامعات كبرى، منها جامعة طهران، وجامعة الشهيد بهشتي، وجامعة شريف للتكنولوجيا، ومؤسسات أكاديمية في أصفهان ويزد، وفقًا لوكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا).
تأتي الاحتجاجات وسط تدهور حاد في العملة الوطنية الإيرانية. انخفض الريال إلى ما بعد 1.4 مليون مقابل الدولار الأمريكي في السوق المفتوحة، وهو انخفاض غير مسبوق كثف الضغط على التجار والمواطنين العاديين على حد سواء. تزامن هذا الانهيار مع تغييرات كبيرة في القيادة المالية لإيران. واعتبرت استقالة محافظ البنك المركزي وتعيين وزير الاقتصاد السابق عبد الناصر همتي بديلًا له تدابير طارئة تهدف إلى احتواء الأزمة النقدية المتفاقمة.
حاول الرئيس مسعود بزشكيان نزع فتيل التوترات من خلال الحوار، وأصدر تعليمات لوزارة الداخلية بالتواصل المباشر مع ممثلي الاحتجاجات، والاعتراف بما وصفه بـ “المطالب العامة المشروعة”. كما عقد اجتماعات مع ممثلي بازار طهران في محاولة لتهدئة أحد أكثر القطاعات الاقتصادية نفوذًا في البلاد، واستكشاف تدابير عاجلة لتحقيق استقرار العملة. ردد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف هذا الموقف، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات المتعلقة بسبل العيش تتطلب “مسؤولية كاملة” من الدولة، ودعا إلى إجراءات حكومية أسرع لمعالجة الصعوبات الاقتصادية للمواطنين.
أعلنت السلطات الإيرانية الإفراج عن أربعة طلاب اعتقلوا خلال احتجاجات في جامعة طهران في وقت سابق من هذا الأسبوع، وهي خطوة فُسرت على نطاق عريض بأنها محاولة لتخفيف التوترات في الأوساط الأكاديمية. وفي الوقت نفسه، أعلنت جامعة الشهيد بهشتي وجامعة العلامة الطباطبائي أن الدراسة ستستمر عن بُعد حتى نهاية الفصل الدراسي الحالي؛ مما يعكس القلق المتزايد بشأن الاضطرابات في الحرم الجامعي.
تصاعد الموقف أكثر بعد تبادلات حادة بين طهران وواشنطن. حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الجمعة من أن الولايات المتحدة “مستعدة للتحرك” إذا قتلت السلطات الإيرانية المتظاهرين، وذلك عقب تقارير تفيد بمقتل ستة أشخاص خلال اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن.
رفضت وزارة الخارجية الإيرانية هذه التصريحات، وقال المتحدث إسماعيل بقائي إن طهران لن تتسامح مع التدخل الأجنبي، بحجة أن المزاعم الأمريكية بحماية الإيرانيين جوفاء بالنظر إلى السجل التاريخي لواشنطن، ومنه انقلاب عام 1953، وإسقاط طائرة مدنية إيرانية عام 1988، ودعم العراق خلال الحرب الإيرانية العراقية، والعقوبات المستمرة. وقال بقائي إن أي تهديد أمريكي بذريعة القلق الإنساني يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وأصر على أن القضايا الداخلية لإيران يجب حلها من خلال الحوار الداخلي وحده.
ردت وزارة الخارجية الأمريكية بالقول إن الاحتجاجات تعكس غضبًا واسع النطاق إزاء “فشل الحكومة والمبررات المستمرة”، مضيفة أن واشنطن ستواصل سياستها المتمثلة في “الضغط الأقصى” على طهران. واتهمت القيادة الإيرانية بإنفاق المليارات على الجماعات الوكيلة والأنشطة المتعلقة بالنووي مع إهمال الأزمات الاقتصادية المحلية، ومنها نقص المياه والكهرباء.
صعد ترمب الخطاب أكثر على منصته “تروث سوشيال”، وكتب أنه “إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين، كما فعلت من قبل”، فإن الولايات المتحدة ستتدخل. وقال: “نحن جاهزون ومستعدون للتحرك”.
رد مسؤولون إيرانيون كبار بحدة. حذر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من أن أي تدخل أمريكي سيزعزع استقرار المنطقة بكاملها، ويعرض المصالح الأمريكية للخطر. وقال: “يجب أن يفهم ترمب أن هذه المغامرة سيكون لها عواقب”. ردد علي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، التحذير، مشيرًا إلى أن الأمن القومي لإيران “خط أحمر”، ولا يخضع لـ “تغريدات متهورة”، وحذر من أن أي يد أجنبية تحاول التدخل ستواجه عواقب “قبل أن تتمكن حتى من الوصول إلى هدفها”.
أفادت وسائل إعلام محلية بمقتل ستة أشخاص على الأقل خلال اشتباكات يوم الخميس، وهي أولى الوفيات منذ بدء الاحتجاجات. وفي محافظة لورستان، أكد مسؤولون مقتل عضو في قوات الباسيج شبه العسكرية، في حين أشارت تقارير أخرى إلى سقوط ضحايا مدنيين. وأفادت وكالة أنباء فارس بمقتل شخصين في مدينة لردغان الغربية، حيث زُعم أن المتظاهرين هاجموا مباني حكومية. أُبلغ عن ثلاث وفيات إضافية في أزنا، حيث اشتبكت قوات الأمن مع محتجين حاولوا اقتحام مركز للشرطة.
اعتقلت السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 30 فردًا في الضواحي الغربية لطهران بتهمة “الإخلال بالنظام العام”، وفقًا لوكالة تسنيم للأنباء.
تعرض الاقتصاد الإيراني لضرر بالغ جرّاء سنوات من العقوبات الأمريكية والدولية المرتبطة ببرامجها النووية والصاروخية؛ إذ فقد الريال أكثر من ثلث قيمته خلال العام الماضي وحده، في حين وصل التضخم رسميًّا إلى 52% في ديسمبر (كانون الأول)، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بحدة.
تأتي الاضطرابات الحالية بعد أشهر فقط من حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، ضُربت خلالها منشآت نووية وعسكرية إيرانية. زاد الصراع الضغط على اقتصاد هش بالفعل. ووفقًا لتقديرات وكالة فرانس برس، المستندة إلى مصادر رسمية ومحلية، امتدت الاحتجاجات إلى 15 مدينة على الأقل، لا سيما في غرب إيران. وبينما لا تزال أصغر في حجمها من احتجاجات عام 2022 التي أعقبت وفاة مهسا أميني، فإن الاضطرابات الحالية تعكس إحباطًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا متعمقًا.
يشير المحللون إلى أنه بينما تظل الاحتجاجات محدودة مقارنة بالانتفاضات السابقة، فإن جذورها الاقتصادية وانتشارها الجغرافي وتوقيتها -وسط انهيار حاد للعملة والتعافي بعد الحرب- تشكل تحديًا خطيرًا للقيادة الإيرانية. ومع تصاعد التوترات في الداخل، واحتدام الخطاب في الخارج، تجد إيران نفسها تبحر في لحظة متقلبة يمكن أن تشكل مسارها السياسي والاقتصادي لسنوات مقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير