مقالات المركز

السيادة العربية خط أحمر ودول الخليج في مقدمة معركة حماية الدولة العربية


  • 30 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: al-ain

العالم العربي اليوم لا يواجه مجرد أزمات سياسية عابرة أو توترات أمنية يمكن احتواؤها ببيانات دبلوماسية تقليدية، بل يواجه اختبارًا عميقًا يتعلق ببقاء الدولة الوطنية نفسها وبقدرتها على الدفاع عن قرارها وحدودها ومؤسساتها في مواجهة مشاريع النفوذ والفوضى والسلاح العابر للحدود. ومن هنا تحديدًا تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي بوصفها قوة عربية مسؤولة تدرك أن معركة هذه المرحلة ليست فقط معركة مصالح، بل معركة مبادئ أيضًا، وفي مقدمتها مبدأ السيادة. فالسيادة ليست كلمة بروتوكولية توضع في مقدمة الخطابات الرسمية، بل هي المعنى الحقيقي لوجود الدولة، وهي الحد الفاصل بين مجتمع يعيش داخل إطار قانوني ومؤسسي واضح، وبين مساحة رخوة تصبح عرضة للتدخل والابتزاز والتفكيك. ولذلك فإن دفاع دول الخليج عن السيادة العربية هو دفاع عن بقاء الدولة العربية نفسها، وعن حقها في أن لا تتحول إلى مجرد ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية أو للمغامرات العسكرية أو لمشاريع التوسع غير المباشر التي تستخدم أدوات الفوضى والميليشيات والضغط العسكري لتغيير المعادلات السياسية في المنطقة.

لقد فهمت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، مبكرًا أن انهيار فكرة الدولة في أي بقعة عربية لن يبقى محصورًا في جغرافيا تلك الدولة، بل سينتقل أثره عاجلًا أو آجلًا إلى المجال العربي كله. فالمنطقة مترابطة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وأي شرخ كبير في مفهوم السيادة ينعكس على الاستقرار العام، وعلى تدفق الاستثمارات، وعلى ثقة الشعوب بمؤسساتها، وعلى قدرة الحكومات على رسم سياسات طويلة المدى. لهذا السبب لا يمكن قراءة الموقف الخليجي من الاعتداءات العابرة للحدود ومن محاولات فرض النفوذ بالقوة على أنه مجرد رد فعل على حادثة منفصلة، بل يجب فهمه بوصفه جزءًا من تصور استراتيجي متكامل يرى أن أول شرط للاستقرار هو احترام سيادة الدول، وأن أول شرط للتنمية هو تحييد المنطقة عن منطق الابتزاز العسكري والفوضى المسلحة. هذا هو جوهر الرؤية الخليجية: لا تنمية من دون دولة، ولا دولة من دون سيادة، ولا سيادة مع التساهل أمام التهديدات التي تتجاوز الحدود وتضعف المؤسسات وتغذي مناخ الخوف والاضطراب.

الإمارات ودول الخليج ونموذج الدفاع عن الدولة العربية

إن القيمة الكبرى للدور الذي تقوم به الإمارات ودول الخليج تكمن في أنها لا تدافع عن السيادة من موقع الضعف أو الانفعال، بل من موقع الدولة التي بنت لنفسها نموذجًا مستقرًا لسنوات وتعرف معنى الاستقرار وتدرك كلفته وضرورته. فالإمارات لم تصل إلى مكانتها الحالية عبر الصدفة، بل عبر رؤية طويلة النفس ربطت بين الأمن والتنمية والانفتاح والتحديث المؤسسي. وهي لذلك تعرف جيدًا أن أي تساهل مع منطق الفوضى المسلحة أو مع فكرة الضغط بالصواريخ والطائرات المسيّرة لن يهدد دولة بعينها فقط، بل سيهدد نموذج الدولة الحديثة كله في المنطقة. وهذا ما يجعل خطابها ومواقفها أكثر عمقًا من مجرد بيانات إدانة، فهي تتحرك من منطلق أن حماية السيادة ليست موقفًا نظريًا، بل ضرورة استراتيجية تضمن استمرار الاقتصاد وتماسك المؤسسات وإمكانية التخطيط للمستقبل.

ودول الخليج عمومًا لم تعد دولًا هامشية في المعادلة الإقليمية أو الدولية، بل باتت فاعلًا رئيسيًا يمتلك وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا كبيرًا. ومن هذا الموقع أصبحت أكثر قدرة على التعبير عن موقف عربي واضح يرفض عسكرة العلاقات الإقليمية ويرفض كذلك تحويل المنطقة إلى حقل تجارب للمغامرات التي تقوم على منطق فرض الأمر الواقع بالقوة. إن الدفاع الخليجي عن السيادة العربية هو أيضًا دفاع عن فكرة أن العرب ليسوا مجرد موضوع للصراعات الدولية والإقليمية، بل يمكنهم أن يكونوا طرفًا فاعلًا في صياغة قواعد الأمن والاستقرار في منطقتهم. وهذه النقطة في غاية الأهمية، لأن جزءًا كبيرًا من أزمات الشرق الأوسط نشأ من غياب موقف عربي حازم ومتماسك أمام تدخلات الخارج. أما اليوم، فإن الرسالة الخليجية، وخصوصًا الإماراتية، تقول بوضوح إن الدولة العربية ليست متروكة، وإن سيادتها ليست مباحة، وإن منطق التهديد العسكري والاختراق الأمني لن يمر دون موقف سياسي ودبلوماسي واستراتيجي صلب.

ولذلك لا يجب اختزال هذا الدور الخليجي العربي في بعد أمني فقط، فهو في حقيقته مشروع متكامل لحماية الدولة العربية كفكرة وكبنية وكمؤسسات وكمجال للتنمية. وحين تؤكد دول الخليج على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فهي لا تكرر عبارة مستهلكة، بل تضع قاعدة للنظام الإقليمي الذي تريده. نظام لا تُبنى فيه النفوذ على الفوضى، ولا تُقاس فيه القوة بعدد الأذرع المسلحة الخارجة عن الدولة، ولا يُستخدم فيه السلاح كبديل عن التفاوض أو كأداة لتغيير التوازنات الداخلية في الدول الأخرى. ومن هنا تبدو الإمارات ودول الخليج وكأنها تخوض بالفعل معركة وعي سياسي واستراتيجي في المنطقة، عنوانها أن الدولة لا يمكن أن تبقى حية وقادرة على خدمة شعبها ما لم تكن صاحبة القرار النهائي فوق كل سلاح غير شرعي وفوق كل مشروع عابر للحدود.

التهديدات العابرة للحدود وخطورة تطبيع القوة خارج منطق الدولة

إن أخطر ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية هو تراجع الخطوط الفاصلة بين الحرب التقليدية وبين أشكال جديدة من الضغط والعنف تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والوكلاء والخطاب التعبوي لتقويض استقرار الدول دون إعلان حرب بالمعنى التقليدي. هذا النوع من السلوك هو الأكثر خطورة على العالم العربي، لأنه لا يكتفي بتهديد الأمن العسكري، بل يضرب أيضًا الثقة بالمجال العام ويخلق حالة دائمة من القلق ويضعف قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل. فحين تشعر دولة ما أن قرارها أو حدودها أو منشآتها الحيوية يمكن أن تكون تحت التهديد في أي لحظة، فإن ذلك ينعكس على الاقتصاد، وعلى المجتمع، وعلى هيبة المؤسسات، وعلى موقعها في البيئة الإقليمية. ولهذا تحديدًا ترفض دول الخليج منطق تحويل الصواريخ والتهديدات العسكرية إلى لغة سياسية عادية في المنطقة، لأن قبول هذا المنطق يعني عمليًا الانتقال من نظام إقليمي هش لكنه ما زال قائمًا على قواعد معينة، إلى نظام أكثر خطورة تصبح فيه القوة المجردة فوق القانون وفوق الدبلوماسية وفوق سيادة الدول.

ومن منظور العلوم السياسية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي إقليم هو أن يتراجع احتكار الدولة لاستخدام القوة، وأن تظهر قوى أو مشاريع تحاول فرض معادلاتها من خارج المؤسسات الشرعية. فالدولة حين تفقد حصريتها في إدارة العنف المشروع، تبدأ بالتآكل تدريجيًا، وتصبح عرضة لاختراقات متتابعة. وهذا تمامًا ما أدركته دول الخليج، فهي لا تنظر إلى الاعتداءات العابرة للحدود ولا إلى منطق التسليح الموازي على أنها مجرد وقائع أمنية، بل تراها جزءًا من معركة أوسع حول شكل الشرق الأوسط المقبل. هل سيكون شرق أوسط الدول المستقرة ذات القرار الوطني، أم شرق أوسط الفوضى المنظمة والولاءات العابرة للحدود ومراكز القوة التي لا تعترف إلا بلغة السلاح. ومن هنا جاء الموقف الخليجي واضحًا في رفضه لأي سلوك يضعف الدولة أو يهدد سيادتها أو يفتح الباب أمام منطق الابتزاز العسكري.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن وصف بعض الاعتداءات التي تستهدف الدول ذات السيادة بأنها ذات طبيعة إرهابية ليس مجرد انفعال لغوي، بل له أساس سياسي وأمني. فالإرهاب ليس فقط فعلًا تقوم به جماعة متطرفة معروفة الاسم، بل هو أيضًا استخدام العنف أو التهديد بالعنف من أجل بث الخوف وكسر إرادة الدول والمجتمعات خارج إطار الشرعية والقانون. وحين تُستخدم الصواريخ أو المسيّرات أو الأذرع المسلحة بطريقة تهدد الأمن المدني وتقوض الاستقرار السياسي وتستهدف فرض إرادة معينة بالقوة، فإن النتيجة العملية تكون قريبة جدًا من منطق الإرهاب حتى لو حاول البعض تغليفها بشعارات سياسية كبرى. ولهذا فإن الموقف الخليجي حين يرفض هذه الأفعال لا يفعل ذلك من باب التصعيد اللفظي، بل من باب الدفاع عن مبدأ أساسي هو أن لا أحد يملك الحق في تخويف الدول والمجتمعات وفرض أجنداته عليها بالسلاح.

لكن قوة الموقف الخليجي لا تكمن فقط في الرفض، بل في الجمع بين الحزم وبين الدعوة إلى التهدئة المنظمة. فدول الخليج لا تدعو إلى الفوضى ولا إلى الحروب المفتوحة، ولا تبني سياستها على لغة الثأر، بل تسعى إلى تثبيت قاعدة تقول إن الحوار هو الطريق الأفضل، ولكن الحوار لا يمكن أن ينجح إذا جرى تحت ضغط الصواريخ أو التهديدات أو التدخلات غير المباشرة. بهذا المعنى، فإن الإمارات ودول الخليج تقدم صياغة ناضجة للموقف العربي الحديث: لا قبول بالاعتداء، ولا تساهل مع خرق السيادة، وفي الوقت نفسه لا انزلاق نحو صدامات غير محسوبة، بل إصرار على أن الحلول السياسية لا تصبح ممكنة إلا حين يتم احترام حدود الدول وقراراتها ومؤسساتها.

الاستنتاجات

إن دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي تقف اليوم في مقدمة معركة كبرى عنوانها حماية السيادة العربية وصون الدولة الوطنية ومنع تفكك المجال العربي تحت ضغط السلاح والفوضى والتدخلات العابرة للحدود. وهذه المعركة لا تحتاج فقط إلى خطاب قوي، بل تحتاج أيضًا إلى إرادة استراتيجية طويلة النفس، وإلى مزيد من الوحدة الخليجية، وإلى بناء موقف عربي أوسع يعتبر أن حماية السيادة ليست مسألة تقنية أو ظرفية، بل هي الشرط الأول لأي مشروع تنموي أو نهضوي أو استقراري في المستقبل. فحين تبقى الدولة قوية، يبقى المجتمع آمنًا، وتبقى التنمية ممكنة، وتبقى المنطقة قادرة على رسم مصيرها بيدها. أما حين تتآكل السيادة، فكل شيء يصبح قابلًا للاهتزاز. ومن هنا فإن دفاع الخليج عن السيادة العربية ليس دفاعًا عن حدود فقط، بل دفاع عن فكرة الوطن، وعن معنى الاستقرار، وعن حق الشعوب العربية في أن تعيش داخل دول تحكمها المؤسسات لا الصواريخ، والقانون لا الفوضى، والقرار الوطني لا الإملاءات العابرة للحدود.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع